585

{ وإذا تتلى عليهم آياتنا } قرآننا { قالوا } قال النضر بن الحارث عند مجاهد وابن جبير والجمهور وأبو جهل عند أنس بلسانه وغيره برضاه، ففى ذلك جمع بين الحقيقة والمجاز، وزعم بعض أن القول حقيقة فى الاعتقاد، وبعض أنه حقيقة فيه وفى اللفظ، والصحيح أنه حقيقة فى اللفظ فيجاب عن الجمع بينهما باستعماله فى عموم المجاز وهو المعنى الموجود فى الحقيقة والمجاز. وذلك المعنى هو الرضى الموجود فى قلب اللافظ وقلب المعتقد بلا تلفظ، أو أسند القول إليهم لأن النضر رئيسهم وقاضيهم وقاصهم، وكان يأتى الحيرة للتجر ويشترى كتب أخبار العجم كالفرس والروم ويمر بأهل الكتاب ويحدث أهل مكة عنها، وكان معروفا فيهم بالفطنة، أو القائلون المؤتمرون فى أمره صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا فلا مجاز إلا إن أريد المؤتمرون، ومن رضى بقولهم { قد سمعنا } ما قلت وليس ببدع مؤثر فينا، وقيل: سمعنا التوراة والإنجيل مثل كلامك، ويرده قوله { لو نشاء } القول { لقلنا مثل هذا } لأنا فصحاء بلغاء مثلك، وذلك عناد محض، إذ لو قدروا على مثل القرآن لقالوا ليستريحوا عن الجدال، وبعد الهجرة يستريحوا عن القتل والسبى والغنم، وقد لبث فيهم عشر سنين أو ثلاث عشرة وما أطاقوه { إن هذا } أى القرآن { إلا أساطير الأولين } جمع أسطورة وهو المسطور العجيب، أو جمع الجمع وهو أسطار والمراد ما سطر أى كتب فى أخبار العجم.

[8.32]

{ وإذ قالوا اللهم إن كان هذا } أى القرآن { هو الحق من عندك } جزموا بأنه غير حق لذلك رتبوا عليه إمطار الحجارة أو العذاب الأليم لزعمهم أنهم لا يعاقبون على الكفر به وإن جاءت بصورة الشك فكفى الشك الصورى، وقيل: كفى فى ذلك عدم الجزم بوقوع الشرط، إذ جزموا بنفيه، قلت: لا يكفى لجزمهم بالنفى، والأولى ما مر، أو أن يقال: نزلوا للفرض، والتقدير منزلة الشك فى عدم الجزم وأل فى الحق للعهد الذهنى المعلوم وهو الحق الذى يدعيه محمد أنه من الله عز وجل. ويجوز إطلاق العهد الخارجى عليه باعتبار أنه الموجود فى كلامه على دعواه صلى الله عليه وسلم { فأمطر علينا } شبه إلقاء الحجارة من السماء بإنزال المطر فذلك استعارة، أو استعمل الأمطار فى مطلق الإلقاء فهو مجاز مرسل { حجارة من السماء } من طين مطبوخ كتب على كل واحد اسم صاحبه، علم بها الكفار فطلبوا مثلها، والطبخ بنار جهنم، أو أرادوا مطلق الحجارة من السماء كحجارة أصحاب الفيل نعت لحجارة، أو متعلق بأمر على التأكيد لأن الإنزال لا يكون إلا من فوق { أو ائتنا بعذاب أليم } لكنه ليس بحق فلا يمطر علينا الحجارة على تكذيبنا، ولا نؤتى بالعذاب لما قال النضر هذا أساطير الأولين، أو قاله أبو جهل أو قال قريش: أكرم الله محمدا من بيننا، ما هذا من الله.. وعلى كل حال قال هذا مفرد أو متعدد ورضى الباقون. قال صلى الله عليه وسلم:

" ويلك إنه كلام الله "

، فقال: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا عقابا على تكذيبنا حجارة إلخ.. والحصر تلويح إلى القلب أى الحق ما عندنا لا ما يقول محمد، أو إلى نفى الإفراد فى بعض الصور، أى ما نقول حق.. وما لا يخالفنا من محمد حق، وفى كلامهم تهكم، والمراد عذاب أليم غير التعذيب بالحجارة كالصيحة والمسخ والخسف.

[8.33]

{ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم } مضت حكمة الله عز وجل ألا يعذب أمة عذاب الاستئصال الذى فى ضمن الإمطار بالحجارة أيا كان إلا بعد إخراج نبيها والمؤمنين تعظيما لهم { وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون } كانوا يقولون اللهم غفرانك.. ويقولون فى الطواف: غفرانك.. و قيل: ندموا على قولهم فأمطر علينا إلخ.. فقالوا: اللهم غفرانك.. فنزل قوله تعالى " وما كان الله معذبهم " إلخ.. كذلك.. وقيل: المراد استغفار المؤمنين الضعفاء المعذورين فى إقامتهم معهم من الرجال والنساء والولدان بعد هجرة النبى صلى الله عليه وسلم وغيره، وللجوار حرمة إذ جاوروا من آمن، وقيل: المراد استغفار من فى أصلابهم إذا ولدوا وكبروا، وعليه مجاهد، وقيل: استغفار من سيؤمن كأبى سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وأبى سفيان بن حرب والحارث بن هشام وحكيم بن حزام وصفوان بن أمية وعكرمة بن أبى جهل وسهيل بن عمرو، والأقوال الثلاثة ضعيفة تخالف ظاهر الآية.. وكذا القول بأن المراد لا يعذبهم لو استغفروا حقيقة وآمنوا، وإذ لم يفعلو فسيعذبهم كما سيأتى.

[8.34]

{ وما لهم ألا يعذبهم الله } فى ألا يعذبهم، والعذاب لازم عدم الهداية ومسببه أو لاحظ لهم فى انتفاء التعذيب، وهذا حسب الظاهر مناقض لقوله

وما كان الله معذبهم

অজানা পৃষ্ঠা