451

{ ونقلب أفئدتهم } نحولها عن الحق بالخذلان { وأبصارهم } عن الحق فلا يبصرون إبصار اعتبار فلا يؤمنون، والعطف على لا يؤمنون، فالإشعار منسحب عليه ولا يحتاج إلى رابط يعود إلى اسم إن إذا جعلنا إذا جاءت لا يؤمنون خبرا لا خصوص لا يؤمنون، كقولك علمت أنك إذا جئت جاء زيد وقعد عمرو اكتفاء بالضمير فى جملة الشرط، أو يربط بالهاء فى قوله { كما لم يؤمنوا به } على أنها عائد إلى القرآن الشامل للآيات مطلقا أو للمقترحة، أو إلى الآيات بمعنى الدليل، ويجوز عودها إلى الله لأنهم لا يؤمنون بوحدانيته فهم غير مؤمنين به، وعودها إليه صلى الله عليه وسلم وإلى ما أنزل، وقوله كما لم يؤمنوا عائد إلى قوله لا يؤمنون أو لا يؤمنون مقدرا، أى لا يؤمنون إيمانا مثل انتفاء إيمانهم به، أو الكاف تعليل أى لانتفاء إيمانهم به ويضعف عود الهاء إلى التقليب والباء على حالها، أو للتقليب والباء سببية، وكما إلخ نعت لمفعول مطلق محذوف أى تقليبا ثابتا كانتفاء إيمانهم به أول مرة، أو الكاف اسم نعت. والكفر والإيمان بقضاء الله عز وجل، وهلكت المعتزلة فى مخالفة ذلك، وتأولوا قبحهم الله بأن المعنى نقلب أفئدتهم وأبصارهم فى النار، وأن معنى أول مرة فى الدنيا { أول مرة } كانشقاق القمر وغيره مما سبق نزوله { ونذرهم } عطف على لا يؤمنون منسحب عليه الإشعار مفصح بأن تقليب الأفئدة والأبصار ليس إجبارا بل أن يخليهم وشأنهم { فى طغيانهم } كفرهم { يعمهون } يتحيرون لا نوفقهم فما إنزال الآية المقترحة بعد البيان القاطع لعذرهم وقد قضينا أن لا يؤمنوا.

[6.111]

{ ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة } كما اقترحوا يشهدون أنك رسول الله كما قالوا { لولا أنزل علينا الملائكة } وكما قالوا { أو تأتى بالله والملائكة } { وكلمهم الموتى } حقيقتهم الصادقة بمن اقترحوه كقصى وجدعان وآبائهم كما قالوا " فأتوا بآبائنا " أو كلمهم الموتى زيادة على من اقترحوه، سألوا إحياء قصى وجدعان بن عمرو، وكانا كبيرين صدوقين، وفيشهدان بنبوءتك { وحشرنا عليهم كل شئ } من الأحياء والأموات، من البعوضة وما دونها والفيل وما فوقه زيادة على ما اقترحوه مما ذكر ومن جعل الصفا ذهبا وإفساح الجبال { قبلا } معاينة، وهو مصدر، أى ذوى معاينة أو مقابلين أو نفس المقابلة مبالغة، أو ظرفا أى جهة، وأفصحوا كلهم بنبوءتك وبرسالتك { ما كانوا ليؤمنوا } لقضاء الله بكفرهم، فالآيات ولو عظمت لا تردهم عن الكفر، وقضاء الله لا يرده شئ، ولا آية أعظم من قيام الساعة ودخول النار، وقد قال الله عز وجل { ولو ردوا لعادوا } فإنزال الآيات بوفق ما طلبوه تحكم محض وموجب للتسلسل، ولأنه لا تنتهى الحجة إلى مفصل، وذلك سد لباب النبوءة، ولا منافاة بين كون الأفعال مخلوقة لله عز وجل وكونها مكسوبة للخلق بقدرتهم واختيارهم. وقدرتهم مؤثرة بإذن الله تعالى لا استقلالا كما تقول المعتزلة، ولا غير مؤثرة كما قال الأشعرى أبو الحسن القائل أنها مقارنة للفعل الذى هو يمحض قدرة الله عز وجل ولا هى منفية كما قالت المجبرة، وذلك مذهبنا ومذهب الأشاعرة، ولم يتبعوا إمامهم فى قوله المذكور عنه، ولعله لا يصح عنه لظهور بطلانه جدا { إلا أن يشاء الله } إيمانهم فى تأويل مصدر على تقدير اللام أى ما كانوا ليؤمنوا لشئ من الأشياء إلا لمشيئة الله أى يقدر فى حال من الأحوال، إلا حال مشيئة الله، والاستثناء متصل مفرغ، والمراد فى الآية مجازات الظاهر بقطع النظر عن حقيقة الأمر الذى هو القضاء، فإن ما قضاه الله لا يجوز أن يقع خلافه، ولا يوصف بجواز أن يشاء وقوعه ويكون إلا جوازا يقطع به النظر عما قضى، فبهذا الجواز صح الاستثناء، ويجوز أن يكون منقطعا، أى لكن مشيئة الله هى القاضية، أو إلا مشيئة إيمان من يؤمن غير هؤلاء الأشقياء، والآية دليل على أن الله أراد كفر الكافر وشاءه، ولا يقع فى ملكه ما لم يشأ، ولم يخرج عن ملكه شئ، ودعوى المعتزلة أن المعنى إلا أن يشاء الله إيمانهم مشيئة قهر لا دليل لها، وزعم الجبائى منهم أن مشيئة الله حادثة، ولزمه نسبة الجهل إلى الله تعالى، واحتج بأنه لو كانت قديمة لزم قدم ما دل الحس على حدوثه. الجواب أن مشيئة قديمة أزلية وتنجيزها لا، وأن متعلقها مشيئة حادثة فعل له لا وصف { ولكن أكثرهم يجهلون } أنهم لا يؤمنون ولو جاءت، وأما أقلهم فقد يعتقد لكنه لا يؤمن ولو جاءت لاستحكام العناد فيه والإصرار، والضمير للكفرة، ويجوز أن يكون للمؤمنين، بمعنى أكثر المؤمنين يجهلون أن هؤلاء الكفار لا يؤمنون ولو جاءتهم فرغبوا فى مجيئها، وقليلهم يعلم أنهم يؤمنون ولو جاءت فلم يرغبوا فى مجيئها.

[6.112]

{ وكذلك } مثل جعلنا هؤلاء المشركين أعداءك يا محمد { جعلنا لكل نبى } قبلك مفعول ثان { عدوا } مفعول أول، وهو جماعة كما يستعمل للمفرد، ألا ترى إلى قوله { بعضهم } وقوله

ما فعلوه

[النساء: 66] وقوله { شياطين } بالجمع، قال:

إذا أنا لم أنفع صديقى بوده

فإن عدوى لم يضرهم بغضى

{ شياطين الإنس والجن } بدل من عدوا، أو هو الأول وعدوا ثان، والكل متعلق بجعلنا، أو حال من عدوا، والشيطان المفسد العاتى من الإنس أو من الجن، فلكل نبى شياطين من الإنس وشياطين من الجن، وشيطان الإنس أعظم من سبعين شيطانا من الجن، وشيطان الجن إذا أعياه المؤمن استعان عليه بشيطان الإنس فيفتنه، قال مالك ابن دينار: شيطان الإنس أعظم علي من شيطان الجن، إن تعوذت بالله أو ذكرت الله ذهب، وشيطان الإنس يجرنى إلى المعاصى عيانا، والجن كلهم من أولاد إبليس، إلا أنه يرسل طائفة إلى الإنس ليغووهم ولذا أضيفوا إليهم فقيل شياطين الإنس، وطائفة إلى الجن كذلك، وعن ابن عباس: الجن هم الجان وليسوا شياطين، والشياطين ولد إبليس ولا يموتون إلا معه، والجن يموتون، ومنهم مؤمن ومنهم كافر، وذلك كما قيل الإضافة بمعنى اللام، وقيل للبيان، وقيل إضافة صفة لموصوف، أى الإنس والجن والشياطين، والآية تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم بما أصاب من قبله من الأنبياء فيصبر كما صبروا، ويقال: المصيبة إذا عمت هانت، وحجة فى أن الله خلق الكفر وشاءه كما خلق الخير وشاءه، وفيها رد على المعتزلة سواء قلنا جعلنا صيرنا أو خلقنا أو أثبتناه وعلى الوجهين لجعلنا مفعول واحد هو عدوا ، وإعراب الباقى كما مر، وزعمت المعتزلة تخلصا من أنه تعالى خلق المعاصى أن المعنى: كما خلينا بينك وبين أعدائك خلينا بين الأنبياء قبلك وأعداءهم، ولم نمنعهم ليحصل الثواب والعقاب، أو أن الجعل بمعنى طريق التسبب حيث أرسلنا الأنبياء فحسدهم الكفرة، أو أن المراد: كما أمرناك بعداوة قومك من المشركين أمرنا من قبلك بعداوة المشركين، أو كما أخبرناك بعداوة المشركين وحكمنا بها أخبرنا الأنبياء قبلك وحكمنا، وذلك باطل وخلاف ظاهر الآية وتكلف بلا داع إليه سوى التعصب لمذهبهم الباطل { يوحى بعضهم إلى بعض } حال من شياطين، أو مستأنف أو نعت لعدو يرسل فى الإخفاء أحد النوعين إلى الآخر { زخرف القول } ملبسه من الباطل يسر شيطان الجن إلى شيطان الجن قولا فى إغواء المؤمنين وفى زيادة إغواء غير المؤمن، يقول شيطان من الجن لآخر منهم: أغويت صاحبى بكذا فأغوه أنت به، وكذا يقول له الآخر، وإما على أن الشيطان بعض من الإنس وبعض من الجن، فالذى من الجن يوسوس الذى من الإنس، فذلك بعض إلى بعض، ولو لم يتم من الجانبين، وقد يطلق الزخرف على المزين الذى هو الحق، والمراد الأول لقوله { غرورا } أى لأجل الغرور، أو غارا، أو ذا غرور، أو يغرون غرورا { ولو شاء ربك } أن لا يفعلوا فيكونوا مؤمنين، ومفعول المشيئة هو مضمون الجزاء على القاعدة كما رأيته، وقدر بعضهم ولو شاء ربك إيمانهم، وهو تفسير معنى، أو تفسير صناعة بأن اعتبر ما علق به فعل المشيئة سابقا قبل هذا وقال لو شاء ربك، وفيما يأتى لو شاء الله لأن ما هنا بعد ذكر العداوة فناسب أن يذكر أن يربيه يمنعه ويحميه وما يأتي بعد ذكر العداوة فناسب أن يذكره بعنوان الألوهية المنافية للشرك { ما فعلوه } أى ما فعلوا ما ذكر من معاداة الأنبياء وإيحاء الزخارف، أو ما فعلوا الإيحاء، أو ما فعلوا الغرور فى حقه صلى الله عليه وسلم وفى حق إخوانه من الأنبياء عليهم السلام، وفى هذا أيضا رد على المعتزلة { فذرهم وما يفترون } اترمهم مع ما يفترونه، أو مع افترانهم، أو اتركهم واترك افتراءهم أو ما يفترونه من الكفر وما دونه من المعاصى مما زين لهم، أى ما عليك إثمهم، فقد بلغت وليس حسابهم أو توبتهم عليك، وهذا مما يقوله الله له ولو بعد نزول القتال ولا نسخ لهذا بآية القتال كما زعم بعض.

অজানা পৃষ্ঠা