বুদ্ধিমান পুরুষকে বাতিল বিতর্কের ভ্রান্তি সম্পর্কে সতর্কতা

تنبيه الرجل العاقل على تمويه الجدل الباطل

সম্পাদক

علي بن محمد العمران - محمد عزير شمس

প্রকাশক

دار عطاءات العلم (الرياض)

সংস্করণ

الثالثة

প্রকাশনার বছর

١٤٤٠ هـ - ٢٠١٩ م (الأولى لدار ابن حزم)

প্রকাশনার স্থান

دار ابن حزم (بيروت)

অঞ্চলগুলি
সিরিয়া
•
সাম্রাজ্যসমূহ ও যুগসমূহ
মামলুক
آثار شيخ الإسلام ابن تيمية وما لحقها من أعمال (١٢)
تنبيه الرجل العاقل
على
تمويه الجدل الباطل
تأليف
شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية
(٦٦١ - ٧٢٨ هـ)
تحقيق
علي بن محمد العمران - محمد عزير شمس

المقدمة / 1

مقدمة الطبعة الثانية
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فقبل نحو عشر سنوات خلت نشرنا عِلْقًا نفيسًا وأثرًا عزيزًا من مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، كان يعدُّ ضمن ما فُقد من مؤلفاته، وهو كتاب «تنبيه الرجل العاقل على تمويه الجدل الباطل». ولم يكن يُعرَف من خبر هذا الكتاب إلا تلك المقدمة الطويلة التي حفظها لنا تلميذه ابن عبد الهادي في «العقود الدرية» (^١).
ولم يكن اكتشاف هذا الأثر بالأمر السهل، ولم يكن الحصول على نسخته الخطية بأقل مشقة من اكتشافه (^٢)، ولم يكن أيضًا العمل على تحقيقه إلا نموذجًا لما يلاقيه المحققون من جهدٍ وتعبٍ شديد، لا يشعر به من أمسك الكتاب يأخذ منه أو يدَع وهو متّكئ على أريكته!
وها نحن الآن نقدمه للطبعة الثانية، وهي تمتاز عن سابقتها بأمور:
الأول: تصحيحات كثيرة في نصوص الكتاب وحواشيه، كثير منها من إفادة الأخ الشيخ رابح مختاري الجزائري، إذ قرأ الكتاب قراءة متأنية دقيقة، وبعث لنا برسالة خاصة تتضمن تصحيحات وقراءات مفيدة، فجزاه الله خيرًا.
الثاني: كتابة مبحث خاص متعلق بتثبيت نسبة الكتاب إلى مؤلفه. ذكرنا فيه قرائن كثيرة على تصحيح نسبة الكتاب إلى ابن تيمية، وأجبنا عن

(^١) (ص ٤٥ - ٥١ من طبعتنا).
(^٢) كما شرحنا ذلك في مقدمة الطبعة الأولى.

المقدمة / 5

تشكيكات المعترضين.
الثالث: إخراجه في حلة قشيبة، وحجم مناسب في مجلد واحد، بعد أن كان في مجلدين في طبعته الأولى.
نسأل الله أن ينفع بهذه الطبعة كما نفع بسابقتها، وأن تحوز رضى أهل العلم ومحبي المعرفة.
المحققان
١٩ رمضان ١٤٣٤ هـ

المقدمة / 6

فصل
في إثبات نسبة الكتاب إلى شيخ الإسلام ابن تيمية
كنا قد ذكرنا في مقدمة الطبعة الأولى للكتاب بعضَ القرائن التي أفادتنا ظنًّا راجحًا يُعتمد عليه ويُطمأنّ إليه في تثبيت نسبةِ الكتاب إلى مؤلفه (^١)، وظننّا وقتئذٍ كفايتَها للمتأمّل، لكن كتب الأستاذ دغش العجمي مقالًا في مجلة «عالم الكتب» (عام ١٤٢٧) ذكر فيه أمورًا يراها تشكّك في نسبة الكتاب إلى مؤلفه، ثم كتب بعده بمدة الدكتور عبد العزيز العبد اللطيف في مجلة «الأصول والنوازل» (عام ١٤٣٢) مؤيدًا له وزاد تشكيكًا آخر لم يذكره الباحث الأول.
وكنا قد كتبنا مقالًا ذكرنا فيه مزيدًا من الأدلة والقرائن على ثبوت نسبة الكتاب، وأجبنا عن تلك التشكيكات، ونشرناه على الشبكة العالمية عام ١٤٢٧، فاطمأنّ الباحثون عن العلم بَعده على الوثوق بتثبيت هذه النسبة وطرح ما أثير من تشكيكات.
ثم رأينا في مقدمة الطبعة الثانية للكتاب أن نبسط القول في تلك القرائن عددًا وبيانًا وتوضيحًا، بعد ما استجدت قرائن أخرى لم نكن قد ذكرناها من قبل؛ لتكون كافيةً ــ إن شاء الله ــ لكل من يطلع عليها إن هو سلك سبيل الإنصاف، فتزول تلك التشكيكات، ويُرْكن إلى مهيع العلم لا إلى مجرّد

(^١) وهذا غاية المطلوب في إثبات الكتاب لمؤلفه (قرائن راجحة يطمئن إليها الباحث العارف). انظر «تحقيق النصوص» (ص ٤٤) لعبد السلام هارون. وانظر نص شيخ الإسلام الذي ختمنا به هذا الفصل.

المقدمة / 7

الاحتمالات، فنقول تمهيدًا:
الكتاب الذي نتكلم عليه «تنبيه الرجل العاقل» عثرنا منه على نسخة وحيدة، وهذه النسخة سقطت منها ورقة العنوان، وعدة صفحات نحو العشر (كما حققناه في مقدمة الطبعة الأولى ص ٦٧) وهذا الخرم ذهبَ بعنوان الكتاب واسم مؤلفه ومقدمة المؤلف وأوائل الكتاب.
ولمعرفة من هو مؤلف الكتاب توجّهنا للنظر في مادته لنستخرج القرائن الدالة على من ألَّفه، فوجدنا الكتاب في موضوع الجدل، ووجدنا مؤلفه ينقل نصوصَ كتابٍ في الجدل، ويردّ عليها ويناقشها، وبمطابقة هذه النصوص التي ينقلها وجدنا أنها من كتاب «الفصول في الجدل» لبرهان الدين النسفي الحنفي (ت ٦٨٧). وهو متن مختصر في (١٠ ورقات) في صناعة الجدل على طريقة المتأخرين المُحْدَثين. وقد استوفاه المؤلف بالشرح والنقض والرد. ووجدنا أن تاريخ كتابة المخطوط في سنة ٧٥٩، وتاريخ وفاة النسفي (المردود عليه) سنة ٦٨٧ فلا بد أن يكون المؤلف قد عاش في هذه الفترة بين التاريخين. وقد تلمسنا القرائن التي تهدينا إلى مؤلفه، فاهتدينا بحمد الله وفضله إلى كتاب جليل من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كان في عداد المفقود.
فإلى القرائن والأدلة الهادية:
القرينة الأولى: ناسخ المخطوط لم يذكر اسمه في آخره، ولكن ذكر تاريخ النسخ وهو سنة ٧٥٩، أي بعد وفاة المؤلف بواحد وثلاثين عامًا. لكنا عرفنا ناسخ الكتاب أخيرًا والحمد لله، فهو: محمود بن أحمد بن حسن الشافعي وهو من تلاميذ شيخ الإسلام.

المقدمة / 8

عرفنا ذلك مصادفة أثناء تصفح مقدمة كتاب «الرد على المنطقيين» ونماذج النسخة الخطية المعتمدة، فحين رأينا خط النسخة انقدح في الذهن أن هذا الخط قد تعاملنا معه من قبل وألِفْنا قاعدته .. لكن أين؟ ثم اكتشفنا أننا أمام كتاب بخط ناسخ كتابنا «تنبيه الرجل العاقل» فسارعنا للمقارنة بين الخطين فإذا هما ينحدران من يدٍ واحدة لا يختلفان في شيء أبدًا. وسنضع بين يديك نموذجًا منهما يتبين به الأمر.
وننبه هنا إلى أمر مهم ــ وهو وإن كان من عيوب النسختين إلا أنه يثبت أنهما بخط ناسخ واحد ــ وهو أن الناسخ على الرغم من جمال خطه وحسن كتابته إلا أنه كثير التصحيف والتحريف، وقد اتضح لنا ذلك من خلال العمل في نسخة كتابنا «تنبيه الرجل العاقل» واتضح جليًّا في نسخة كتاب «الرد على المنطقيين» كما نبّه عليه محققُه، ويتضح من إصلاحات شيخ الإسلام بقلمه على تلك النسخة.
فاستفدنا من هذا الاكتشاف أمورًا غايةً في الأهمية والإفادة، وهي: أن ناسخ كتاب «الردّ على المنطقيين» قد عُرف باسمه، وتاريخ كتابته ومقابلته، وأنه من تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية؛ إذ قرأ أوائل هذه النسخة على مصنفها شيخ الإسلام، وعلق عليها الشيخ وزاد فيها بخطه الشريف في مواضع متعددة (^١).
فخلصنا إلى نتيجة مهمة هي: أن ناسخ ذاك الكتاب هو ناسخ نسختنا، فهو من تلاميذ شيخ الإسلام، وقد عرفتَ مِن أمره ما عرفتَ.

(^١) انظر مقدمة «الرد على المنطقيين» (ص ٢٥ - ٢٨).

المقدمة / 9

القرينة الثانية: أن المؤلف لابدّ أن يكون عاش في الفترة مابين سنة ٦٨٧ (تاريخ وفاة النسفي) و٧٥٩ (تاريخ نسخ المخطوط). وشيخ الإسلام قد عاش في بعض هذه الفترة.
القرينة الثالثة: أن موضوع المخطوط الذي وجدناه الرد على الجدليين ونقض مذهبهم، فبحثنا عمن ألَّف في هذه الفترة ردًّا على أهل الجدل المحدَث ــ الذي عُرف بـ «الجُست» كما شرحناه في مقدمة الطبعة الأولى (ص ٤٠ - ٤١) وناقشهم فيه وبيَّن بطلان طريقتهم وزَيْف قواعدهم، فلم نجد بعد طول بحث وتقَصٍّ أحدًا من العلماء ردّ على هؤلاء الجدليين غير شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه المسمَّى «تنبيه الرجل العاقل على تمويه الجدل بالباطل» وقد علمنا أن هذا الكتاب رد على الجدليين المحدثين من عنوانه الواضح، ومن قوله في مقدمة الكتاب التي حفظها تلميذه ابن عبد الهادي في ترجمة شيخه: (ص ٤٩) قال: «ثم إن بعض طلبة العلوم من أبناء فارس والروم صاروا مولعين بنوعٍ من جدل المموهين استحدثه طائفة من المشرقيين وألحقوه بأصول الفقه في الدين ..».
وهذا النوع من الجدل المحدَث هو الذي أشار إليه شيخ الإسلام بقوله: «وفي ذلك الوقت ــ أي سنة ٦١٥ ــ ظهرت بدع في العلماء والعُبَّاد؛ كبحوث ابن الخطيب، وجست العميدي، وتصوف ابن العربي ...» (^١).
وزاد الأمر وضوحًا ما قاله شيخ الإسلام قال: «ومثل هذه الأغلوطات من المسائل يسلكها أهل اللدد في الجدل في أمر الدنيا والدين في الأصول والفروع، من جنس الأغلوطات الذي ابتدعه العميدي السمرقندي في مثل

(^١) «جامع المسائل ــ الأموال السلطانية»: (٥/ ٣٩٦ - ٣٩٧).

المقدمة / 10

نكته التي يسميها البرهان ويدعي أنها قطعية وغير ذلك من فرض أمور ممتنعة ويستنتج نتائجها على ذلك التقدير الذي يمتنع وجوده» (^١).
وقد أفاد ابن القيم تلميذ ابن تيمية: أن شيخه رد على هذا الجدل المحدث ــ الجست ــ فقال: «ثم إنه خرج مع هذا الشيخ المتأخر المعارض بين العقل والنقل أشياء لم تكن تعرف قبله: جست العميدي وحقائق ابن عربي وتشكيكات الرازي وقام سوق الفلسفة والمنطق ... فأقام الله لدينه شيخ الإسلام أبا العباس ابن تيمية قدس الله روحه فأقام على غزوهم مدة حياته باليد والقلب واللسان وكشف للناس باطلهم وبين تلبيسهم وتدليسهم وقابلهم بصريح المعقول وصحيح المنقول وشفى واشتفى ...» (^٢).
وهذا العميدي هو الذي أشار إليه المصنف في كتابنا (التنبيه ص ٥٩٨) (^٣) بقوله: «ذكر المُبَرِّز في جملة الأدلة التي يستدل بها دليلًا سماه البرهان». وهذا النقل موجود في كتاب العميدي (مخطوط).
فإذا علمنا ذلك كله فإن برهان الدين النسفي (ت ٦٨٧) صاحب «الفصول» من أصحاب هذا الجدل المحدث الذين سلكوا مسلك العميديّ كما نص عليه ابن خلدون في «المقدمة» (ص ٥٠٧). وكتابنا هذا رد عليه.
ولننظر الآن إلى هذه النصوص في أثناء الكتاب:

(^١) «جواب الاعتراضات المصرية»: (ص ١٢١ - ١٢٢).
(^٢) «الصواعق المرسلة»: (٣/ ١٠٧٨ - ١٠٧٩).
(^٣) كنا علقنا في الطبعة الأولى: أنا لم نعرف هذا المبرز، وقد عرفناه الآن بإفادة الدكتور عبد الرحمن الأمير سلمه الله.

المقدمة / 11

ص ٢٤٨: «وإنما حاققنا فيها .. الجدليين أصحاب الجدل المحدث».
ص ٣١٣: «كما يفعله هؤلاء أرباب الجدل المحدث».
ص ٣١٥: «أصحاب هذا الجدل».
ص ٣٨١: «أهل الجدل المحدث».
فبات واضحًا الآن أن كتابنا هذا ردٌّ على أصحاب الجدل المحدَث (الجُست ــ طريقة العميدي) متمثّلًا في كتاب النسفي «الفصول».
ولنذكر أيضًا بعض المواضع التي تبرهن على أن غرض كتابنا نقض هذه الطريقة في الجدل المحدَث المموَّه وتزييفها، لا أنه شرح كسائر الشروح كما ظن بعض المتوهِّمين:
قال شيخ الإسلام (ص ٢٥): «واعلم أني إنما نبهتُ على فساد هذه النكت لأنها مما اعتمد عليه بعض هؤلاء المموهين المغالطين من الجدليين».
وقال (ص ٣٢): «متى عرفت هذا تبين لك فساد جميع هذا الباب، وأمكنك إبطال نكت هؤلاء الملبسين بأدنى شيء، وعلمت أن العاقل لا يرضاها البتة ولا يستحسن الكلام بمثلها».
وقال (ص ٩٥): «وهذا أيضًا من قواعدهم الفاسدة التي يبنون عليها كثيرًا من كلامهم، فيرجحون أحد الخصمين بكثرة دعاويه، كما يرجحونه بإبهام دعواه، ولا يخفى على عاقل أنه باطل».
وقال (ص ١٢٧): «والغرض أن نبين فساد الطريقة الجدلية ...».

المقدمة / 12

وقال (ص ١٣٠): «هذا كله مبني على محض التحكم بلا مرجح، وعليه مبنى عامة كلام الجدليين المموهين».
وقال (ص ٣٤٢): «وهو مسلك رديء جدًّا ... وإنما يسلكه من لا خَلاق له من المغالطين».
وقال (ص ٣٦٩): «فاحذره فإنه باب عظيم من باب أغاليط هؤلاء المغالطين».
ومثل هذا في عشرات المواضع من الكتاب، وهذه إشارة إلى بعضها: (ص ١٨، ٢٩، ٣٧، ٤٠، ٤٣، ٦٢، ٦٣، ٨٧، ٨٩، ١٦٦، ١٧١، ١٨٢ - ١٨٣، ١٩١، ١٩٦ - ١٩٧، ٢٠٠، ٢٠٢، ٢٤٨، ٢٨٧، ٢٩٦، ٢٩٩، ٣٤٤، ٣٦١، ٤٢١).
فتبين لذي عينين أن كتابنا ليس شرحًا كسائر الشروح أو حاشية لكتاب «الفصول» كما زعم ذلك من زعَمه، بل هو نقدٌ للكتاب ونقض له، وإبطال لطريقة الجدل المحدَث التي انتهجها العميدي (ت ٦٠٦ هـ) وتبعه عليها النسفي (ت ٦٨٧ هـ) المردود عليه.
وهذا لا يعني أن لا يقع في كلام النسفي وغيره ممن ألف في هذه الطريقة شيءٌ من الحق، بل قد يقع منهم ذلك، بل نص على ذلك شيخ الإسلام في مقدمة الكتاب التي حفظها لنا ابن عبد الهادي (ت ٧٤٤) في «العقود الدرية» (ص ٥٠ - ٥١). قال: «ومع ذلك فلا بد أن يدخل في كلامهم قواعد صحيحة ونكت من أصول الفقه مليحة، لكنهم إنما أخذوا ألفاظها ومبانيها دون حقائقها ومعانيها، بمنزلة ما في الدرهم الزائف من العين، ولولا ذلك لما نفق على من له عين. فلذلك آخذ في تمييز حقه من

المقدمة / 13