Tafsir wal-Bayan li-Ahkam al-Quran
التفسير والبيان لأحكام القرآن
প্রকাশক
مكتبة دار المنهاج للنشر والتوزيع
সংস্করণ
الأولى
প্রকাশনার বছর
١٤٣٨ هـ
প্রকাশনার স্থান
الرياض - المملكة العربية السعودية
জনগুলি
•Jurisprudential Exegesis
অঞ্চলগুলি
•সৌদি আরব
সাম্রাজ্যসমূহ ও যুগসমূহ
আল সৌদ (নাজদ, হিজাজ, আধুনিক সৌদি আরব), ১১৪৮- / ১৭৩৫-
سلسلة منشورات مكتبة دار المنهاج للنشر والتوزيع بالرياض (١٦٦)
التفسير والبيان لأحكام القرآن
تأليف
عبد العزيز بن مرزوق الطريفي
غفر الله له ولوالديه وللمسلمين
اعتنى به
عبد المجيد بن خالد المبارك
المجلد الأول
[البقرة]
অজানা পৃষ্ঠা
التَّفسِيْرُ وَالبَيَان لِأَحكَامِ القُرآن (١)
1 / 2
جميع حقوق الطبع محفوظة لدار المنهَاج بالريّاض
الطبعَة الأولى
١٤٣٨ هـ
مكتبة دار المِنهَاج للنشر والتَّوزيع
المملكَة العَربيَّة السّعُوديَّة - الرّيَاض
المركز الرئيسي - الدّائري الشرقي - مَخرَج ١٥ - جنوب أسوَاق المجد
ت: ٤٤٥٦٢٢٩ - فاكس: ٤٩٦٢٠١٤ - ص ب: ٥١٩٢٩ - الرّياض: ١١٥٥٣
الفرُوع - طريق خالد بن الوليد (إنكاس سَابقًا) ت: ٢٣٢٣٠٩٥
مكة المكرمة - الجميزة - الطريق النازل للحَرَم - ت: ٥٧٦١٢٧٧/ ٠٢
المَدينَة النَّبويَّة - أمَام الجَامِعَة الإسلامية من جهة الجنوب - ت: ٨٤٦٧٩٩٩/ ٠٤
حِسَاب الدَّار في مَوقع تويتر: Alminhajj@
1 / 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مُقَدِّمَةُ المُعتَنِي بالكِتَابِ
الحمد لله وحدَه، والصلاةُ والسلام على مَن لا نبيَّ بعدَه، نبيِّنا محمدٍ وعلى آلِه وصحبه، أَمَّا بَعْدُ:
فإنَّ الله أنعَمَ على الأُمة بالقرآن؛ لأنَّ به قوامَها وسعادتَها وثباتَها وعِزَّها ونَصرَها، وقد سمَّى الله القرآنَ وما فيه مِن شرائعَ وأحكامٍ نِعمةً؛ كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣]، ومن سُنَّة اللهِ أنه لا يُعظِّمُ النِّعمةَ إلا مَن عَرَف قَدْرَها، وقد جعلَ الله القرآنَ أعظَم ما يُفرَح به وخيرًا مما يجمَع مِن المادِّيَّاتِ كالأموال مِن الذَّهَبِ والفِضَّة وغيرِهما، ومن المعنَوِيَّاتِ كالأفكارِ والنُّظُم والقوانين، قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨].
ولا يخفى على مُسلمٍ فضلُ القرآنِ العظيم لمَن يَقصِدُ نَيْلَ الأحكامِ الشرعية والغوصَ في دلالاتِها، ولا يَتأهلُ المتعلِّمُ إلا بمعرفةِ أقوى أدلَّةِ التشريع، وهو هذا الكتابُ العزيزُ.
1 / 5
وغيرُ خافٍ على متعلِّمٍ أنَّ أعلَى مراتِبِ الاحتجاجِ وأقوى الأدلةِ هي حُجَجُ القرآنِ وأدلَّتُه، ومِن القُصورِ في المتعلِّمِين أن تكونَ الحُجةُ في القرآنِ ظاهرةً ثم يتحاوزها إلى الاستدلالِ بما دُونَه، وقد حَرَص السلفُ وأئمةُ الخَلَفِ على إبراز أدلةِ الأحكام مِن القرآن، ببن متوسِّعٍ ومختَصِر، وقابِضٍ في الاستنباط وباسِط، حتى لم يَخْلُ مَذهبٌ مِن مصنَّفٍ في هذا الباب.
وإنَّ مِن إعجازِ القرآن صلاحَه لكُلِّ زمان ومكانٍ ولكلِّ جِيل، وقد كَثُرت المصنَّفاتُ في أحكام السُّنَّةِ وفقهِها في هذا العصرِ، ولكنَّ المصنفاتِ في تفسيرِ أحكام القرآن قليلةٌ، وقد كانَتِ الحاجةُ إلى الكلام على أحكامِ القرآن واستنباطِ آياته في أبواب الفقهِ وسائرِ الأحكام وخاصَّةً ونحنُ في زمنٍ كَثُرت نوازِلُه التي نحتاجُ إلى بيانِ أدلَّتِها مِن القرآن وإتباعِ ذلك بحُجَجِها مِن السُّنة والأَثَر.
وقد دارَسْتُ شيخَنا عبدَ العزيزِ الطريفيَّ القرآنَ فعرضْتُ عليه القرآنَ أربعَ مراتٍ بدءًا مِن رمضانَ عامَ أَلْفٍ وأربعِ مئةٍ واثنينِ وثلاثينَ، للهجرةِ النبويَّةِ، وأملَى عليَّ آياتِ الأحكام، ثُم فَسَّرَها في مجالسَ لطُلابِ العلمِ، أَوَّلُها في التاسِعَ عشرَ مِن شهرِ شوَّالٍ مِن عام ألفٍ وأربع مئةٍ واثنينِ وثلاثينَ، وأَتَمَّ تفسيرَ أحكامِ القرآن في أكثَرَ مِن مئةٍ وعشرينَ مجلسًا.
وقد بَسَط القولَ على كلِّ الآيات المتعلِّقةِ بأحكام التكليفِ الخَمْسة، فشَمِل التفسيرُ أحكامَ الفقهِ بقِسمَيْه العباداتِ والمعامَلاتِ، والآدابِ والأخلاقِ والسياسةِ الشرعيةِ في أحكام التعامُل مع الناسِ موافِقِينَ ومُخالفِين، مؤمِنِين ومنافِقِين وكافِرِين.
1 / 6
وقد توسَّعَ قي الكلامِ فتجاوَزَ المنطوقَ إلى المفهوم، والاستنباطَ إلى الاستطراد، وقد جُمِع هذا التفسيرُ كُل مجلِسٍ في يَوْمِه.
والحمدُ لله على عَوْنِه وتوفيقِه وتيسيرِه على تمامِه، ونَفَع به وبِشَارِحِه وجامِعِه، وصلَّى الله وسَلَّمَ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آلِهِ وصحبِه.
وكتب
عبد المجيد بن خالد المبارك
٣/ ٣/ ١٤٣٦ هـ
a.almubarak ١٢@gmail.com
1 / 7
مُقَدِّمَةُ المُؤَلِّفِ
الحمدُ للهِ ربِّ العالَمِين، أوْجَدَ الخَلْقَ وتَكَفَّلَ بهم، وجَعَلَ لهم عقولًا تَهْدِيهِم إلى دُنْياهُم ووَحيًا يَهْدِيهم إلى دِينِهم، رَبِّ الآخِرَةِ والأُولَى، لا يستَحِقُّ العبادةَ إلا هُو، ولا يستحِقُّ كمالَ الشُّكرِ والحمدِ غيرُهُ، والصلاةُ والسلامُ على نبيِّنا المصطَفَى بالرسالةِ، خيرِ البَرِيَّةِ وإمامِ الحَنِيفِيَّة، المخصوصِ بالوحيِ المحفوظِ مِن التبديلِ والتحريفِ، كما قالَ تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، أَمَّا بَعْدُ:
فإنَّ نِعمةَ الهدايةِ إلى معرفةِ الله وأوامرِهِ ونواهِيهِ وامتثالِها أعظَمُ النِّعَم؛ إذ لا خَصِيصَةَ فارِقَةٌ بينَ الإنسانِ والحيوانِ إلا بتلكَ النِّعْمَة، ومَن حُرِمَ ذلك استَوَى مع الحَيَوانِ بالاستِمْتَاعِ، ولا فارِقَ بينَهم إلَّا أنَّ كلَّ واحِدٍ يَعْمُرُ دُنياهُ بما يُناسِبُ كمالَ تَلَذُّذِه ومُتْعَتِه فيها، وكُلُّ جِنْسٍ بَصِيرٌ بنَفْسِه، بلْ إنَّ كثيرًا مِنَ الحيوانِ أكثَرُ مُتعةً في الدُّنيا مِن الإنسانِ، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ﴾ [محمد: ١٢]، وامتَازَ الحيوانُ بأنَّه لا يُحاسَبُ على مُتعتِه فقالَ: ﴿وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد: ١٢]، ومِن هذا قولُه تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف: ١٧٩].
وأَوْلَى ما يَجِبُ الوقوفُ عندَه مِن القرآنِ: مَعرِفةُ أوامِرِه ونواهِيه وأحكامِه، فمَن عَرَف أحكامَ اللهِ في كتابِه وتأمَّلَ ما فيها مِن إحكام، ودقيقِ انتِظَام، وعَظِيمِ المصالِحِ وجَلِيلِ المَقَاصِد؛ وَجَدَ في قَلْبِه مِن
1 / 9
الإيمانِ باللهِ والتسليمِ والخُضُوعِ والتعظيمِ له أعظَمَ ممَّا يَجِدُه في الآياتِ الكَوْنِيَّةِ المُشاهَدَةِ كالسَّمَواتِ والأَرْضِ والنُّجُومِ والكواكِبِ والسَّحَابِ، وقد سَمَّى الله أحكامَهُ مواعِظَ؛ فقد قال تعالى بعدَمَا ذَكَرَ آياتِ الطَّلَاقِ: ﴿يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٢٣١]، ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، وقال بعدَ آباتِ الظِّهَارِ: ﴿ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ٣]، وقال بعدَ آياتِ القَذْفِ: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا﴾ [النور: ١٧]، ولَمَّا ذَكَرَ اللهُ أوامِرَهُ لبَنِي إسرائيلَ قال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء: ٦٦]؛ وذلكَ أنَّ الأحكامَ فيها مِنَ المَوْعِظَةِ والعِبْرَةِ وعظيمِ المنفَعَةِ لمَنْ تأَمَّلَها، وإنَّ الفَقِيهَ بأحكامِ القُرآنِ يَجِدُ في قَلْبِه مِنَ الإيمانِ واليَقِينِ بمِقدارِ فِقْهِهِ وبَصَرِه فيها؛ لِمَا يَرَى مِن إِحْكامِ الأَحْكامِ ما لا يُمكِنُ ورودُهُ الا مِن خالِقٍ عَلِيمٍ حَكِيمٍ، وقد قال التابعيُّ الحارِثُ بنُ يَعْقُوبَ: "إنَّ الفَقِيهَ كُلَّ الفَقِيهِ مَن فَقُهَ في القُرآن، وعَرَفَ مَكِيدَةَ الشَّيْطَان" (١).
وأَحْكامُ الإسلامِ موجودةٌ في القُرآنِ بالإِجْمالِ، ولكنْ مِنها ما يَظْهَرُ بأَدْنَى نَظَرٍ؛ لِجَلَاءِ النصِّ فيهِ، ومِنها ما يحتاجُ إلى جلاءِ نَظَرٍ؛ لِخَفَاءِ النَّصِّ فيه، وتلكَ مُوازَنةٌ عَكسِيَّةٌ: إذا بَرَزَ الحُكمُ قَلَّتِ الحاجةُ للبَصِيرةِ، وإذا خَفِيَ الحُكمُ عَظُمَتِ الحاجةُ إليها، وإلَّا فالحُكمُ موجودٌ بالنصِّ أو الاستِنباطِ، وهذا مِنَ المُرادِ بقولِه تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩].
(١) رواه ابن بَطَّةَ في "إبطال الحِيَل" (ص ١٧)، وابن عبدِ البَرِّ في "جامع بيانِ العلم وفَضْلِه" (٢/ ٨١٧).
1 / 10
وإذا عَمِيَتِ البَصَائِرُ عن الحُجَجِ كانَ حالُها كحالِ البَصَرِ الأَعْمَى عنِ الطَّرِيق، وإذا أخَذَ الإنسانُ العاقل العارِفُ بلُغَةِ القُرآنِ بأمرَيْنِ؛ فَهِمَ منه ما لا يَفْهَمُه غيرُه، وفَتَحَ اللهُ عليه ما لم يَفْتَحْهُ على غيرِه:
الأَمْرُ الأَوَّلُ: حُسنُ القَصْدِ في طَلَبِ الحَقِّ؛ فإِنَّ اللهَ لم يُنزِلْ كتابَه إلَّا شِفاءً لأمراضِ الصُّدورِ وعِلَلِها، ومَن نَظَرَ في القُرآنِ بالهَوَى فسَبَقَ نَظَرَهُ مَرَضُ قَلْبِه: زَاغَ، فيُبَصَّرُ بما يوافِقُ هَوَاه، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]، فهُم زاغُوا وبَيَّتُوا الغَيَّ فزادَهُمْ غَيًّا وزَيْغًا.
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢٧]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٤، ١٢٥]، وقال تعالى في هذا المعنَى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة: ١٠]، فالرِّجْسُ والمَرَضُ والزَّيْغُ موجودٌ فيهم بعِلْمِهم قبْلَ نَظَرِهم في القُرآن، فزادَهُم نَظَرُهم رِجْسَا ومَرَضًا وغَيًّا، واللهُ لا يَقذِفُ في قلبِ الصادقِ غَيًّا إذا نَظَرَ في القُرآن، فهو شفاءٌ لِمَن حَسُنَ قَصْدُه، ولكنْ مَن لا يُوجَدُ الخيرُ في قَلْبِه تُحْرَمُ بصيرَتُه الفَهْمَ؛ ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: ٢٣]، ولأَجْلِ هذا السَّبَبِ يَزِيغُ بعضُ مَن يَقرَأُ القُرآنَ ويَعرِفُ الحديثَ؛ انحَرَفَتْ نِيَّتُه فانحَرَفَ فَهْمُه.
الأَمْرُ الثَّانِي: إدامةُ البَصَرِ وإطالةُ التأَمُّلِ في القُرآن؛ فإنَّ مَعانِيَ
1 / 11
القرآنِ وحِكَمَهُ وأدلَّةَ أحكامِهِ لا تُحصِيها عقولٌ ولا تُحيطُ بها فُهُوم، وقد دَعَا اللهُ إلى التَّفَكُّرِ في القُرآنِ وتأَمُّلِ آياتِه وتَدَبُّرِها؛ قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]، والتَّدَبُّرُ بابُ القلوبِ، كُلَّمَا اتَّسَعَ الفَتْحُ اتسَعَ الذي يَدْخُلُه مِن المَعَاني؛ ولهذا شَبَّهَ اللهُ تارِكَ التدبُّرِ بمُقْفَلِ القلبِ؛ قال تعالى ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤]، وإذا كان القلبُ مُقفَلًا فلن ينتفِعَ الإنسانُ بالسمعِ والبَصَر.
وقد كانَ السلَفُ يَحُثُّونَ على تدبُّرِ القرآنِ والتأَنِّي في قراءَتِه لاستخراجِ ما فيه، وخاصَّةً أدلَّةَ الأحكام، ويَظُنُّ بعضُ الناسِ أنَّ أدلَّةَ أحكامِ القُرآنِ والقرائنَ عليها أُحْصِيَتْ ودُوِّنَتْ؛ وهذا غَلَطٌ؛ فالثابِتُ والمُحصَى هي أحكامُ الدِّينِ، فلا جَدِيدَ في الدِّينِ بعدَ انقِطاعِ الوَحْيِ، وإنَّما بَقِيَ مِن وُجوهِ الاستدلالِ مِن الوحي قَدْرٌ لا ينقَطِعُ، وقد قالَ ابنُ مسعودٍ في ذلك: "إِذَا أردتُّمُ العِلْمَ فأَثِيرُوا القُرآنَ؛ فإِنَّ فِيهِ عِلْمَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ" (١)، و"أَثِيرُوا"؛ يعني: نَقِّرُوا عنه، وتَفَكَّرُوا في معانِيهِ وتفسيرِه.
وقد رُوِيَ عنِ الرَّبِيعِ صاحِبِ الشافعيِّ قولُه: "قَلَّمَا كُنتُ أَدْخُلُ على الشافعيِّ ﵀ إلَّا والمُصْحَفُ بينَ يَدَيْهِ، يَتَتَبَّعُ أحكامَ القُرآنِ" (٢).
وقد كانَ الأئمة يَرَوْنَ مِنَ القُصُورِ الاستِدلالَ بما دُونَ القرآنِ إذا كانَ الدليلُ فيه واضحًا، فأَوَّلُ مَن يستحِقُّ اسمَ أهلِ القرآنِ الوارِدَ في
(١) رواه ابنُ المبارَكِ في "الزُّهد" (ص ٢٨٠).
(٢) رواه البيهقيُّ في مقدِّمةِ جَمْعِه لكتاب "أحكام القرآن" للشافعي (١/ ٢٠).
1 / 12