তাফসির মিযান
تفسير الميزان - العلامة الطباطبائي
وقد اختلف المفسرون في المراد من الجملتين من هو؟ فقيل المراد بمن كلم الله: موسى (عليه السلام) لقوله تعالى: "وكلم الله موسى تكليما:" النساء - 164، وغيره من الآيات، وقيل المراد به رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) لما كلمه الله تعالى ليلة المعراج حيث قربه إليه تقريبا سقطت به الوسائط جملة فكلمه بالوحي من غير واسطة، قال تعالى: "ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى:" النجم - 10، وقيل المراد به الوحي مطلقا لأن الوحي تكليم خفي، وقد سماه الله تعالى تكليما حيث قال: "وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب:" الآية الشورى - 51، وهذا الوجه لا يلائم من التبعيضية التي في قوله تعالى: منهم من كلم الله.
والأوفق بالمقام كون المراد به موسى (عليه السلام) لأن تكليمه هو المعهود من كلامه تعالى النازل قبل هذه السورة المدنية، قال تعالى: "ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه إلى أن قال: قال يا موسى: إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي: الأعراف - 143، وهي آية مكية فقد كان كون موسى مكلما معهودا عند نزول هذه الآية.
وكذا في قوله: ورفع بعضهم درجات، قيل المراد به محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) لأن الله رفع درجته في تفضيله على جميع الرسل ببعثته إلى كافة الخلق كما قال تعالى: وما أرسلناك إلا كافة للناس: السبأ - 28، وبجعله رحمة للعالمين كما قال تعالى: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين: الأنبياء - 107، وبجعله خاتما للنبوة كما قال تعالى: ولكن رسول الله وخاتم النبيين: الأحزاب - 40، وبإيتائه قرآنا مهيمنا على جميع الكتب وتبيانا لكل شيء ومحفوظا من تحريف المبطلين، ومعجزا باقيا ببقاء الدنيا كما قال تعالى: وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه: المائدة - 48، وقال تعالى: ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء: النحل - 89، وقال تعالى: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون: الحجر - 6 وقال تعالى: قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا: الإسراء - 88، وباختصاصه بدين قيم يقوم على جميع مصالح الدنيا والآخرة، قال تعالى: فأقم وجهك للدين القيم: الروم - 43، وقيل المراد به ما رفع الله من درجة غير واحد من الأنبياء كما يدل عليه قوله تعالى في نوح: سلام على نوح في العالمين: الصافات - 79، وقوله تعالى في إبراهيم (عليه السلام): وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما: البقرة - 124، وقوله تعالى فيه واجعل لي لسان صدق في الآخرين: الشعراء - 84، وقوله تعالى في إدريس (عليه السلام) ورفعناه مكانا عليا: مريم - 57، وقوله تعالى في يوسف: نرفع درجات من نشاء: يوسف - 76، وقوله في داود (عليه السلام): وآتينا داود زبورا: النساء - 163، إلى غير ذلك من مختصات الأنبياء.
وكذا قيل: إن المراد بالرسل في الآية هم الذين اختصوا بالذكر في سورة البقرة كإبراهيم وموسى وعيسى وعزير وأرميا وشموئيل وداود ومحمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد ذكر موسى وعيسى من بينهم وبقي الباقون، فالبعض المرفوع الدرجة هو محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بالنسبة إلى الباقين، وقيل: لما كان المراد بالرسل في الآية هم الذين ذكرهم الله قبيل الآية في القصة وهم موسى وداود وشموئيل ومحمد، وقد ذكر ما اختص به موسى من التكليم ثم ذكر رفع الدرجات وليس له إلا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، ويمكن أن يوجه التصريح باسم عيسى على هذا القول: بأن يقال: إن الوجه فيه عدم سبق ذكره (عليه السلام) فيمن ذكر من الأنبياء في هذه الآيات.
والذي ينبغي أن يقال: إنه لا شك أن ما رفع الله به درجة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مقصود في الآية غير أنه لا وجه لتخصيص الآية به، ولا بمن ذكر في هذه الآيات أعني أرميا وشموئيل وداود ومحمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولا بمن ذكر في هذه السورة من الأنبياء فإن كل ذلك تحكم من غير وجه ظاهر، بل الظاهر من إطلاق الآية شمول الرسل لجميع الرسل (عليهم السلام) وشمول البعض في قوله تعالى: ورفع بعضهم درجات، لكل من أنعم الله عليه منهم برفع الدرجة.
পৃষ্ঠা ১৭৯