তাফসির মিযান
تفسير الميزان - العلامة الطباطبائي
وهذه الآية كما ترى قريبة الانطباق على قوله تعالى: "هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود السموات والأرض وكان الله عليما حكيما:" الفتح - 4، فالسكينة في هذه الآية تنطبق على الروح في الآية السابقة وازدياد الإيمان على الإيمان في هذه على كتابة الإيمان في تلك، ويؤيد هذا التطبيق قوله تعالى في ذيل الآية: ولله جنود السموات والأرض، فإن القرآن يطلق الجند على مثل الملائكة والروح.
ويقرب من هذه الآية سياقا قوله تعالى: "فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها:" الفتح - 26، وكذا قوله تعالى: "فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها:" التوبة - 40.
وقد ظهر مما مر أنه يمكن أن يستفاد من كلامه تعالى أن السكينة روح إلهي أو تستلزم روحا إلهيا من أمر الله تعالى يوجب سكينة القلب واستقرار النفس وربط الجأش، ومن المعلوم أن ذلك لا يوجب خروج الكلام عن معناه الظاهر واستعمال السكينة التي هي بمعنى سكون القلب وعدم اضطرابه في الروح الإلهي، وبهذا المعنى ينبغي أن يوجه ما سيأتي من الروايات.
قوله تعالى: وبقية مما ترك آل موسى وآل هرون تحمله الملائكة "إلخ"، آل الرجل خاصته من أهله ويدخل فيهم نفسه إذا أطلق، فآل موسى وآل هارون هم موسى وهارون وخاصتهما من أهلهما، وقوله: تحمله الملائكة، حال عن التابوت، وفي قوله تعالى: إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين، كسياق صدر الآية دلالة على أنهم سألوا نبيهم آية على صدق ما أخبر به: إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا.
قوله تعالى: فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر إلى قوله منهم، الفصل هاهنا مفارقة المكان كما في قوله تعالى: "فلما فصلت العير:" يوسف - 94، وربما استعمل بمعنى القطع وهو إيجاد المفارقة بين الشيئين كما قال تعالى: "وهو خير الفاصلين": الأنعام - 57، فالكلمة مما يتعدى ولا يتعدى.
والجند المجتمع الغليظ من كل شيء وسمي العسكر جندا لتراكم الأشخاص فيه وغلظتهم، وفي جمع الجند في الكلام دلالة على أنهم كانوا من الكثرة على حد يعتنى به وخاصة مع ما فيه المؤمنين من القلة بعد جواز النهر وتفرق الناس، ونظير هذه النكتة موجود في قوله تعالى: فلما فصل طالوت بالجنود.
وفي مجموع الكلام إشارة إلى حق الأمر في شأن بني إسرائيل وإيفائهم بميثاق الله، فإنهم سألوا بعث الملك جميعا وشدوا الميثاق، وقد كانوا من الكثرة بحيث لما تولوا إلا قليلا منهم عن القتال كان ذلك القليل الباقي جنودا وهذه الجنود، أيضا لم تغن عنهم شيئا بل تخلفوا بشرب النهر ولم يبق إلا القليل من القليل مع شائبة فشل ونفاق بينهم من جهة المغترفين، ومع ذلك كان النصر للذين آمنوا وصبروا مع ما كان عليه جنود طالوت من الكثرة.
والابتلاء الامتحان، والنهر مجرى الماء الفائض، والاغتراف والغرف رفع الشيء وتناوله، يقال: غرف الماء غرفة واغترفه غرفة إذا رفعه ليتناوله ويشربه.
পৃষ্ঠা ১৬৬