তাফসির মিযান
تفسير الميزان - العلامة الطباطبائي
بيان
الاتصال البين بين الآيات أعني الارتباط الظاهر بين فرض القتال، والترغيب في القرض الحسن، والمعنى المحصل من قصة طالوت وداود وجالوت يعطي أن هذه الآيات نزلت دفعة واحدة، والمراد بيان ما للقتال من شئون الحياة، والروح الذي به تقدم الأمة في حياتهم الدينية، والدنيوية، وسعادتهم الحقيقية، يبين سبحانه فيها فرض الجهاد، ويدعو إلى الإنفاق والبذل في تجهيز المؤمنين وتهيئة العدة والقوة، وسماه إقراضا لله لكونه في سبيله، مع ما فيه من كمال الاسترسال والإيذان بالقرب، ثم يقص قصة طالوت وجالوت وداود ليعتبر بها هؤلاء المؤمنون المأمورون بالقتال مع أعداء الدين ويعلموا أن الحكومة والغلبة للإيمان والتقوى وإن قل حاملوهما، والخزي والفناء للنفاق والفسق وإن كثر جمعهما، فإن بني إسرائيل، وهم أصحاب القصة، كانوا أذلاء مخزيين ما داموا على الخمود والكسل والتواني، فلما قاموا لله وقاتلوا في سبيل الله واستظهروا بكلمة الحق وإن كان الصادق منهم في قوله القليل منهم، وتولى أكثرهم عند إنجاز القتال أولا، وبالاعتراض على طالوت ثانيا، وبالشرب من النهر ثالثا، وبقولهم: لا طاقة لنا بجالوت وجنوده رابعا، نصرهم الله تعالى على عدوهم فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت واستقر الملك فيهم، وعادت الحياة إليهم، ورجع إليهم سؤددهم وقوتهم، ولم يكن ذلك كله إلا لكلمة أجراها الإيمان والتقوى على لسانهم لما برزوا لجالوت وجنوده، وهي قولهم: ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، فكذلك ينبغي للمؤمنين أن يسيروا بسيرة الصالحين من الماضين، فهم الأعلون إن كانوا مؤمنين.
قوله تعالى: وقاتلوا في سبيل الله الآية، فرض وإيجاب للجهاد، وقد قيده تعالى هاهنا وسائر المواضع من كلامه بكونه في سبيل الله لئلا يسبق إلى الوهم ولا يستقر في الخيال أن هذه الوظيفة الدينية المهمة لإيجاد السلطة الدنيوية الجافة، وتوسعة المملكة الصورية، كما تخيله الباحثون اليوم في التقدم الإسلامي من الاجتماعيين وغيرهم، بل هو لتوسعة سلطة الدين التي فيها صلاح الناس في دنياهم وآخرتهم.
وفي قوله تعالى: واعلموا أن الله سميع عليم، تحذير للمؤمنين في سيرهم هذا السير أن لا يخالفوا بالقول إذا أمر الله ورسوله بشيء، ولا يضمروا نفاقا كما كان ذلك من بني إسرائيل حيث تكلموا في أمر طالوت فقالوا: أنى يكون له الملك علينا "إلخ"، وحيث قالوا: لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده، وحيث فشلوا وتولوا لما كتب عليهم القتال وحيث شربوا من النهر بعد ما نهاهم طالوت عن شربه.
قوله تعالى: من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا إلى قوله أضعافا كثيرة، القرض معروف وقد عد الله سبحانه ما ينفقونه في سبيله قرضا لنفسه لما مر أنه للترغيب، ولأنه إنفاق في سبيله، ولأنه مما سيرد إليهم أضعافا مضاعفة.
وقد غير سياق الخطاب من الأمر إلى الاستفهام فقيل بعد قوله: وقاتلوا في سبيل الله: من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا، ولم يقل: قاتلوا في سبيل الله وأقرضوا، لينشط بذلك ذهن المخاطب بالخروج من حيز الأمر غير الخالي من كلفة التكليف إلى حيز الدعوة والندب فيستريح بذلك ويتهيج.
قوله تعالى: والله يقبض ويبصط وإليه ترجعون، - القبض - الأخذ بالشيء إليك ويقابله البسط، و- البصط - هو البسط قلب سينه صادا لمجاورته حرف الإطباق والتفخيم وهو الطاء.
وإيراد صفاته الثلاثة أعني: كونه قابضا وباسطا ومرجعا يرجعون إليه للإشعار بأن ما أنفقوه بإقراضه تعالى لا يعود باطلا ولا يستبعد تضعيفه أضعافا كثيرة فإن الله هو القابض الباسط، ينقص ما شاء، ويزيد ما شاء، وإليه يرجعون فيوفيهم ما أقرضوه أحسن التوفية.
قوله تعالى: ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل إلى قوله: في سبيل الله، - الملأ - كما قيل: الجماعة من الناس على رأي واحد، سميت بالملإ لكونها تملأ العيون عظمة وأبهة.
পৃষ্ঠা ১৬২