326

الإنسان بعد الدنيا ثم إنه يخبرنا أن الإنسان سيرتحل من الدنيا التي فيه حياته الاجتماعية وينزل دارا أخرى سماها البرزخ، ثم دارا أخرى سماها الآخرة غير أن حياته بعد هذه الدنيا حياة انفرادية، ومعنى كون الحياة انفرادية، أنها لا ترتبط بالاجتماع التعاوني، والتشارك والتناصر، بل السلطنة هناك في جميع أحكام الحياة لوجود نفسه لا يؤثر فيه وجود غيره بالتعاون والتناصر أصلا، ولو كان هناك هذا النظام الطبيعي المشهود في المادة لم يكن بد عن حكومة التعاون والتشارك، لكن الإنسان خلفه وراء ظهره، وأقبل إلى ربه، وبطل عنه جميع علومه العملية، فلا يرى لزوم الاستخدام والتصرف والمدنية والاجتماع التعاوني ولا سائر أحكامه التي يحكم بها في الدنيا، وليس له إلا صحابة عمله ونتيجة حسناته وسيئاته، ولا يظهر له إلا حقيقة الأمر ويبدو له النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون، قال تعالى: "ونرثه ما يقول ويأتينا فردا:" مريم - 80، وقال تعالى: "ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون:" الأنعام - 94، وقال تعالى: "هنالك تبلوا كل نفس ما أسلفت وردوا إلى الله موليهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون:" يونس - 30، وقال تعالى: "ما لكم لا تناصرون بل هم اليوم مستسلمون:" الصافات - 26، وقال تعالى: "يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات وبرزوا لله الواحد القهار:" إبراهيم - 48، وقال تعالى: "وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى:" النجم - 41، إلى غير ذلك من الآيات، فهذه الآيات كما ترى تدل على أن الإنسان يبدل بعد الموت نحو حياته فلا يحيا حياة اجتماعية مبنية على التعاون والتناصر، ولا يستعمل ما أبدعه في هذه الحياة من العلوم العملية، ولا يجني إلا ثمرة عمله ونتيجة سعيه ظهر له ظهورا فيجزي به جزاء.

قوله تعالى: كان الناس أمة واحدة، الناس معروف وهو الأفراد المجتمعون من الإنسان، والأمة هي الجماعة من الناس، وربما يطلق على الواحد كما في قوله تعالى: "إن إبراهيم كان أمة قانتا لله:" النحل - 120، وربما يطلق على زمان معتد به كقوله تعالى: "وادكر بعد أمة:" يوسف - 45، أي بعد سنين وقوله تعالى: "ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة:" هود - 8، وربما يطلق على الملة والدين كما قال بعضهم في قوله تعالى: "إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون:" المؤمنون - 52، وفي قوله تعالى: "إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون:" الأنبياء - 92، وأصل الكلمة من أم يأم إذا قصد فأطلق لذلك على الجماعة لكن لا على كل جماعة، بل على جماعة كانت ذات مقصد واحد وبغية واحدة هي رابطة الوحدة بينها، وهو المصحح لإطلاقها على الواحد وعلى سائر معانيها إذا أطلقت.

وكيف كان فظاهر الآية يدل على أن هذا النوع قد مر عليهم في حياتهم زمان كانوا على الاتحاد والاتفاق، وعلى السذاجة والبساطة، لا اختلاف بينهم بالمشاجرة والمدافعة في أمور الحياة، ولا اختلاف في المذاهب والآراء، والدليل على نفي الاختلاف قوله تعالى: "فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب ليحكم بينهم فيما اختلفوا فيه، فقد رتب بعثة الأنبياء وحكم الكتاب في مورد الاختلاف على كونهم أمة واحدة فالاختلاف في أمور الحياة ناش بعد الاتحاد والوحدة، والدليل على نفي الاختلاف الثاني قوله تعالى: وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه بغيا بينهم فالاختلاف في الدين إنما نشأ من قبل حملة الكتاب بعد إنزاله بالبغي.

পৃষ্ঠা ৭০