616

تفسير أحمد حطيبة

تفسير أحمد حطيبة

জনগুলি
General Exegesis
অঞ্চলগুলি
মিশর
القراءات في قوله (بيوتًا)
في هذه الآية قراءتان: قراءة ورش وأبي عمرو وحفص عن عاصم، وجعفر ويعقوب: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ [النور:٢٧] بضم الباء في بيوت.
وقراءة باقي القراء: ﴿لا تَدْخُلُوا بِيُوتًا غَيْرَ بِيُوتِكُمْ﴾ [النور:٢٧] بكسر الباء فيها.
قال: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور:٢٧]، والاستئناس هو طلب الأنس الذي يكون بين الناس، والألفة التي تكون بيهم، فالألفة تكون بالحديث وبالمودة؛ لأنك إذا اقتحمت على الناس بيتهم يخافون من دخولك، فجعل الله أمرين هنا: أمر الاستئذان بالقول، وكذلك تؤنس هذا الذي دخلت عليه من نفسك فيستشعر الراحة، ويستشعر الألفة والمودة، فيستمع إليك فيما تريد.
فالله ﷿ كرم بني آدم فقال: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الإسراء:٧٠].
فمن تكريم الله ﷿ للإنسان أن خلقه إنسانًا يمشي على قدميه، وليس كغيره من الحيوانات التي تمشي على الأيدي والأقدام.
وجعل للإنسان عقلًا يفكر به، وجعل له مراكب يركبها، وحمله في البر والبحر، وجعل له بيتًا لراحته، وجعل الأرض كفاتًا للإنسان في حياته ومماته، ففي الحياة هو فوق الأرض، وفي الممات هو في باطن الأرض، وأكرمه الله ﷿ بأن جعله يستتر في الدنيا في البيت، ويستتر في الموت بالقبر، فالبيت سترة للإنسان يقضي فيه حاجته، أو يغير فيه ثيابه، ويتحرر فيها من أشياء تكون أمام الناس قيودًا عليه، وفي بيته يتخفف من ثيابه، وينام كما يشاء.
فالبيت مكان راحته، فلذلك جعل لهذه البيوت آدابًا بحيث إنه لا أحد يحرج الآخر في بيته ولا يضايق عليه، فخصص الله ﷿ بني آدم بالمنازل، وأما الحيوان فيقضي حاجته في الطريق، والإنسان يذهب إلى بيته فيستتر تكريمًا من الله ﷿ له.
فستره عن أبصار غيره في بيته، وجعل له الاستمتاع بهذه البيوت على الانفراد، وجعله ملكًا في بيته، وهذه من المنن التي منّها ربنا سبحانه على بني إسرائيل قال: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ [المائدة:٢٠].
فليس كل واحد من بني إسرائيل سيكون ملكًا على الناس، وإنما المقصود كالملوك، والملك لا يختلف كثير عن غيره من الناس، فهو يملك بيتًا، وأنت تملك بيتًا، وتملك مالا، وتملك طعامًا وشرابًا، وعندك أمن في بيتك.
فالله ﷿ جعل للإنسان طعامه وشرابه، وجعل له مكان أمنه في بيته، وملكهم الاستمتاع بها على الإنفراد، وحجر على الخلق أن يطلعوا على الإنسان في بيته، ومنعهم من النظر داخل البيت حتى يستأذنوا ويلجوا بإذن، وأما بغير إذن فلا يحل لأحد أن يطلع على بيت أحد بغير إذنه.
جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (من اطلع في بيت قوم من غير إذنهم حل لهم أن يفقأوا عينه).
ومعنى الحديث: إذا كان الإنسان يتجسس وينظر إلى نافذة إنسان آخر أو من داخل ستارة أو نحوها، جاز لهذا الآخر أن يفقأ عينه ولا دية في ذلك.
وجاء عن النبي ﷺ: (أن رجلًا نظر إليه وهو في بيته وبيده مدرى -أي: عود يمشط به شعره ﷺ والرجل يتلصص وينظر، فأراد النبي ﷺ أن يفقأ عينه به، ثم قال: إنما جعل الاستئذان من أجل البصر) وذلك أن الإنسان له حرية بداخل بيته، فمن حقه أنه يكون له أشياء يسترها عن غيره، وليس من حق أحد أن يتدخل في ذلك.
وذكر الإمام الطبري في سبب نزول هذه الآية ما جاء عن علي بن ثابت: (أن امرأة من الأنصار سألت النبي ﷺ فقالت: إني أكون في بيتي على حال لا أحب أن يراني عليها أحد) فالمرأة في بيتها لعلها تخلع شيئًا من ثيابها فلا تحب أن يراها أحد إلا إن يكون زوجًا لها، قالت: (لا أحب أن يراني عليها أحد، وإنه لا يزال يدخل علي الرجل من أهلي وأنا على تلك الحال) يعني: يأتي أبوها يفتح الباب ويدخل، ولعلها تكون متجردة من ثيابها، فيدخل الأب على هذه الحالة، فشكت للنبي ﷺ ذلك، فأنزل الله ﷿ قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور:٢٧].
قالوا: والاستئناس بمعنى الاستعلام، أي: طلب العلم، كأنك تعلم من بداخل البيت أنك موجود في الباب، والاستئناس يكون قبل الدخول وبعده، وأما قبل الدخول فيكون بصوت يعلم أن هذا الإنسان موجود بالخارج، ثم إذا كان الآخر يسمع، فيقول: السلام عليكم أأدخل؟ أما بعد الدخول فيكون الاستئناس بالمودة في الكلام، حتى يرتاح الآخر بدخولك عليه.
ومن ذلك لما دخل عمر على النبي ﷺ وكان قد غضب على نسائه واعتزل في مشربة له، فخشي عمر وغيره أن يكون النبي ﷺ قد طلق نساءه، فذهب عمر للنبي ﷺ واستأذن، فلم يؤذن له إلا في المرة الثالثة، فدخل على النبي ﷺ وجلس فوجد النبي ﷺ غضبان، فجلس ساكتًا وبعد قليل استأذن النبي ﷺ في الكلام، فأذن له فتكلم عمر حتى ضحك النبي ﷺ.
فالغرض أن الاستئناس إذا كان قبل الدخول فهو من باب الاستئذان والاستعلام، أو إعلام من في الداخل بوجود هذا الذي في الخارج، ثم يستأذن فيدخل، فإذا دخل فيؤنس أهل البيت بالكلام الطيب الذي يقوله والله أعلم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

76 / 4