462

تفسير أحمد حطيبة

تفسير أحمد حطيبة

জনগুলি
General Exegesis
অঞ্চলগুলি
মিশর
حكم السمر بعد العشاء
لقد ذكرنا أن النبي ﷺ نهى عن السمر بعد العشاء، فإذا صليتم العشاء فإما أن تناموا وإما أن تدعوا ربكم، وإما أن تصلوا، لكن الإنسان الذي يسهر ويلهو ويضيع وقته بعد العشاء فهذا لا ينبغي، وفي الحديث: (أن النبي ﷺ كان يؤخر العشاء إلى ثلث الليل ويكره النوم قبلها والحديث بعدها)، فإن الإنسان إذا نام قبل العشاء لعله يغلبه النوم فلا يقوم لصلاة العشاء، وكان يكره الحديث بعدها؛ لأن الإنسان آخر عمل يعمله هو صلاة العشاء، والملائكة قد كتبت هذه الصلاة، وهذه الصلاة كفارة لذنوبه التي بين الصلاتين، فلا ينبغي أن يلهو بكلام تكتب عليه بسببه ذنوب مرة أخرى، فالإنسان لا يزال في المباح حتى يقع في المكروه وحتى يقع في الحرام، فعلى ذلك نهى النبي ﷺ عن المسامرة بعد العشاء.
والكراهية للحديث بعدها إلا أن يكون في ذكر الله ﷿ وفي قراءة القرآن، وفي مدارسة العلم وتعليمه، وفي مصالح المسلمين فهذا جائز، والسهر بالليل للحراسة في سبيل الله ﷿ مباح بل فيه أجر عظيم، فقد جاء عند الترمذي عن ابن عباس عن النبي ﷺ: (عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله)، والليل وإن كان وقتًا للنوم لكن هذا في طاعة لله ﷿ وفي حراسة بلاد المسلمين، فله أجر عظيم على ذلك، وآخر قام يصلي ويبكي من خشية الله ﷾، وليس مقيدًا بالليل بل إن بكى بالليل أو بالنهار فله أجر عظيم عند الله ﷾.
وجاء في الصحيحين عن عبد الرحمن بن أبي بكر ﵁ أن أصحاب الصفة كانوا أناسًا فقراء، وأن رسول الله ﷺ قال مرة: (من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث، ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس بسادس)، أو كما قال ﷺ: وإن أبا بكر جاء بثلاثة وانطلق نبي الله ﷺ بعشرة، وأبو بكر الصديق ذهب بهم بعد العشاء، وأهل الصفة كانوا يجلسون في مسجد النبي ﷺ يتعلمون من النبي ﷺ، فإذا أراد شيئًا أرسلهم إليه كجهاد ونحوه، وكانوا فقراء، يأتي وقت العشاء وليس عندهم ما يأكلون، فكان النبي ﷺ يأمر أصحابه الذي عنده طعام واحد يأخذ معه ثانيًا، والذي عنده طعام اثنين يذهب معه بثالث، والذي عنده طعام ثلاثة يذهب معه برابع وهكذا.
فـ أبو بكر الصديق أخذ ثلاثة وانطلق بهم إلى بيته ﵁، والنبي ﷺ أخذ عشرة ليطعمهم صلوات الله وسلامه عليه، قال عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق: وإن أبا بكر تعشى عند النبي ﷺ ثم لبث حتى صلى العشاء ثم رجع فمكث مع رسول الله ﷺ، فجاء بعد ما مضى من الليل ما شاء الله، يعني: كأن أبا بكر الصديق تعشى قبل صلاة العشاء، وبعد ذلك صلى العشاء ورجع إلى النبي ﷺ فمكث مع النبي ﷺ، وهذا هو الشاهد: أنه كان يسهر مع النبي ﷺ في طاعة وذكر وحاجات المسلمين، ففي مثل ذلك يجوز للإنسان أن يسهر بالليل، أما السمر من باب اللهو فلا، لكن من باب ذكر الله ﷿، ومن باب الإعانة على الطاعة، فهذا جائز.
فـ أبو بكر سهر عند النبي ﷺ حتى قام النبي ﷺ فقام وانصرف، وكان قبل ذلك قد ذهب بثلاثة من أهل الصفة إلى بيته ليتعشوا.
فجاء أبو بكر ﵁ بعد ما مضى من الليل ما شاء الله، فقالت له امرأته: ما أخرك عن أضيافك؟ قال: أوما عشيتهم؟ قالت: أبوا حتى تجيء قد عرضوا عليه فغلبوهم، أي: كأنهم استحيوا ألا يأكلوا وأبو بكر الصديق غير موجود، فرفضوا أن يأكلوا في بيته حتى يأتي أبو بكر، وكان المفترض طالما أنه أخذهم للعشاء أن يأمر أهل البيت أن يعشوهم فيتعشوا وينصرفوا، ولكن رفض الضيوف حتى يأتي أبو بكر ﵁.
وفي لفظ في صحيح البخاري أن أبا بكر ﵁ غضب من ذلك: لماذا تحرمونا من الأجر والثواب؟ ولماذا لم تأكلوا حتى هذا الوقت؟ فغضب أبو بكر وأمرهم أن يأكلوا، فحلفت امرأته ألا تطعم الطعام حتى يطعم، كأنها غضبت لغضب أبي بكر الصديق ﵁، فحلف أبو بكر ألا يأكل من الطعام، والأضياف حلفوا ألا يأكلوا حتى يأكل أبو بكر، وكأن الضيوف لهم وجهة نظر وهي أنهم لو تعشوا لربما أكلوه كاملًا فيرجع أبو بكر وهم لم يتعش فلن يجد شيئًا، فانتظروا حتى يتعشوا هم وأبو بكر، فحلف أبو بكر ألا يأكل وحلفت المرأة ألا تأكل حتى يأكل أبو بكر، وحلف الأضياف ألا يأكلوا حتى يأكل أبو بكر ﵁، لقد حلف مغضبًا رضي الله ﵎ عنه بسبب الذي فعلوه، ولكن مع ذلك الرجوع للحق أحق، فلما حلف الجميع ألا يأكلوا قال: أكفر عن اليمين ونأكل، فأكل معهم ﵁، وقد قال النبي ﷺ: (من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه).
وربنا ﷾ قال لنا في القرآن: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [البقرة:٢٢٤]، فتجعل يمينك بالله عرضة وصادة عن فعل الخير فتمتنع من الخير وتقول: لقد حلفت، بل كفر عن اليمين وافعل الخير ولو حلفت.
والمقصود أن أبا بكر رضي الله ﵎ عنه أكل فأكلت المرأة وأكل الأضياف، وهنا كان العجب! قال: فجعلوا يأكلون وجعلوا لا يرفعون لقمة إلا ظهر من أسفلها أكثر منها، فكانت بركة من الله ﷿ لـ أبي بكر ﵁، جزاء ما أخذ الأضياف ليأكلوا معه وحلف ألا يأكل ثم كفر عن يمينه وأكل معهم، فقال لامرأته: يا أخت بني فراس! ما هذا الذي حصل؟ فقالت: وقرت عيني إنها الآن لأكثر قبل أن نأكل منها، فأكلوا وبعث بها إلى النبي ﷺ فذكر أن النبي ﷺ أكل منها، فكانت من الله ﷿ بركة عظيمة أن يأكل أبو بكر ومن معه والطعام لا ينفد.
والشاهد من الحديث: أن أبا بكر كان يسهر عند النبي ﷺ فيتعلم منه، حتى يقوم النبي ﷺ فيقوم أبو بكر ويرجع إلى بيته رضي الله ﵎ عنه، فهذا قيد للنهي عن المسامرة بعد العشاء فهي جائزة في مدارسة العلم والطاعة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونحو ذلك، أما في اللهو واللعب فهذا لا ينبغي.

56 / 4