تفسير قوله تعالى: (ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون)
قال تعالى: ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ [المؤمنون:٤٣]، الأجل محدود عند الله ﷾، والعمر معدود عنده سبحانه، فلا أمة تسبق أجلها ولا تستأخر عنه، وتسبق الأجل: كأنه يأتيها فتفوت من الأجل، أو أنها تسبقه وتموت ويقضى عليها قبل ما كتبه الله ﷿، ولا يستأخرون عن أجلهم، فإذا جاء الأجل فمهما طلبوا النظرة لا ينظرهم الله ﷾، فهم لا يستأخرون عنه.
إذًا: لا يقدرون على أن يفوتوا الله سبحانه وما هم بمعجزين، لا يموتون قبل الأجل الذي كتبه الله، ولا يتأخرون عن هذا الأجل، فهم لا يسبقون أجلهم ولا يستأخرون.
وقوله: (مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ)، أي أمة لها أجل عند الله ﷿، تكون الأمة فيها العدد وفيها العُدد، وفيها الكثرة والقوة، فيأتي عليهم العذاب في حينهم، فإذا بالله ﷿ يهلكهم ويبيدهم، ويخلق من بعدهم قرونًا آخرين، وتصبح هذه الأمة التي كانت في يوم من الأيام موجودة ذكرى من ذكريات الأقوام الذين يجيئون من بعدهم.
فانظروا إلى قوم نوح كيف كانوا، وكيف علو، وكيف كان يقال عنهم: إنهم يعيشون ويعمرون عمرًا طويلًا، ونوح ﵊ مكث فيهم يدعوهم إلى الله ﷿، حتى ظن أنهم لن يؤمنوا، يئس من إيمان هؤلاء القوم، وأخبره الله سبحانه: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود:٣٦]، فكانوا في عزة ومنعة وقوة، وفجأة أبادهم الله ﷿ وأغرقهم فلا شيء من هؤلاء الأقوام يبقى إلا الأثر.
وجاء من بعدهم قوم عاد، ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ [الفجر:٧]، وقد كانوا يبنون البيوت العالية في الجبال فيتحصنون بها، ويعيثون في الأرض فسادًا، فكفروا بالله سبحانه، وكذبوا نبيهم هودًا على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وافتخروا بأنفسهم وبقوتهم وعلوهم؛ فجاء وقتهم وأجلهم، فأبادهم الله سبحانه بصيحة ورياح صرصر شديدة، فأهلكهم وجعلهم ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر:٢٠]، وانتهى قوم عاد فانتهت عاد الأولى.
ثم جاءت من بعدهم عاد الأخرى أو قوم ثمود، ولم يعتبروا بما حدث لقوم نوح ولقوم عاد، والله ﷿ حذرهم على لسان نبيهم صالح على نبينا وعليه الصلاة والسلام.
فكل أمة تأتي وتعيش تظن أنها لن يهلكها الله ﷾، فظنوا أنهم لا يزالون موجودين هم وأبناؤهم وأحفادهم وأنهم لن يهلكوا، ولكن الله ﷿ أبى أن يرفع شيئًا إلا وضعه.
فهنا يذكر أنه أنشأ من بعدهم قرونًا آخرين منهم من نعرفهم، ومنهم من لم نسمع عنهم، قال: (مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ)، فيأتي الأجل فلا تسبقه ولا تستأخر عنه.
51 / 3