تفسير قوله تعالى: (ثم جعلناه نطفة في قرار مكين)
قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون:١٣] أي: جعل الله ﷿ هذه الإنسان نطفة وأقرها في مكان وفي قرار مكين، وجعل لها عوامل تجعلها تعيش بالقدر الذي حدده الله ﷾، ثم يخرج منها ما شاء في الوقت الذي يشاؤه الله ﷾، ويخرج من هذا الماء الشيء الذي هو حي، وكوّن أعدادًا كثيرة جدًا، والذي يكون منه الإنسان شيء واحد وهو هذه النطفة، وهي ماء الرجل.
يقول العلماء: إنه ماء الرجل ومتوسط ما ينتجه الرجل في اليوم الواحد حوالي ثلاثمائة مليون حيوان منوي، وهي متجددة دائمًا، ومتوسط ما يقذفه الإنسان في القذفة الواحدة من المني في الدفعة حوالي من (٣ - ٤ سم٣) هذه الكمية القليلة ترى كم فيها من حيوانات منوية؟ فيها من أربعمائة إلى خمسمائة مليون حيوان منوي في الدفعة الواحدة، يدفعها الإنسان في جماع أو احتلام، والله ﷿ يختار واحدًا فقط من هذه الحيوانات المنوية ليكون منه هذا الإنسان، وهذا الحيوان المنوي فيه صفات معينه في الرجل، وقد خلق الله ﷿ في المرأة منذ خلقها عددًا من البويضات، يقول العلماء: إن البويضات مخلوقة في المرأة تقدر بحوالي اثنين مليون من البويضات، فهي أول ما تنزل من بطن أمها فيها هذا العدد من البويضات، فتبدأ هذه البويضات تتناقص حتى تصل في سن الإنجاب من أربعمائة إلى خمسمائة بويضة فقط، وهذه الكمية كافية للإنجاب في مرحلة ما بين سن (١٢) إلى (٥٠) سنة الذي هو سن اليأس للمرأة، وهذا العدد الذي قدره الله ﷿ في المرأة لا يزيد ولا يتخلق يوميًا كما يحدث في حيوان الرجل، ولكنه ينقص حتى تصل المرأة إلى سن اليأس وتنفد هذه البويضات، ولا تقدر المرأة على الإنجاب بعد ذلك، فإذا حدث غير ذلك فهو من معجزات الله ﷿ في خلقه أن يوجد ذلك لمن يشاء ﷾، كما حدث لزوجة إبراهيم ﵊، فقد أنجبت بعد سن اليأس.
فالله ﷿ خلق هذا الإنسان من هذه النطفة ومن هذه البويضة، وقد ذكر سبحانه أنه خلقه من أمشاج، والأمشاج هو اختلاط مني الرجل ببويضة المرأة، فيكون منها الصفات، صفات الذكور وصفات الإناث، وقد جاءت أحاديث عجيبة جدًا عن النبي ﷺ تبين لنا هذه المراحل، مع هذا الذي جاء في كتاب الله ﷾، وهذا الكلام العظيم الذي في كتاب الله وفي سنة النبي صلوات الله وسلامه عليه من الأحاديث جعل علماء الغرب يذهلون، وقد جاء في هذا المعنى أن رجلًا سمع ابن مسعود يقول: (الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره)، فتعجب الرجل تعجب كيف يكون شقيًا وهو في بطن أمه ولم يعمل شيئًا يصير به شقيًا؟! فذهب الرجل إلى حذيفة بن أسيد الصحابي الفاضل ﵁ يقول ذلك كالمنكر على ابن مسعود قوله: (الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من وعظ بغيره)، فقال له حذيفة بن أسيد ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكًا فصورها، وخلق سمعها وبصرها وجلدها وعظامها، ثم قال: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب رزقه؟ فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص)، وقوله: (ثنتان وأربعون ليلة) هذا العدد يذكره علماء الطب ويقولون: إن الجنين في الأسبوع السادس تخلق فيه هذه الأشياء، ولم يكن النبي ﷺ من علماء التشريح، ولم تكن عنده كاميرات تصوير يصور بها رحم المرأة ولا شيء من ذلك، ولكن الله ﷾ هو الذي أوحى لنبيه ﷺ حتى أخبره بهذا الأمر بهذه الدقة التي لم يعرفها العلماء إلا بالمتابعة والتشريح والمناظرة وهم بعد النظر في الأدلة العقلية قالوا: تخلق هذه الأشياء في الأسبوع السادس تقريبًا، أما حديث النبي ﷺ فذكر الليلة وقال: (إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكًا فصورها) ويقول علماء متخصصون في ذلك: في نهاية الأسبوع السادس -أي: بعد الاثنتين والأربعين ليلة - تكون النطفة قد بلغت أوج نشاطها في تكوين الأعضاء، وهي قمة المرحلة الحرجة الممتدة من الأسبوع الرابع حتى الثامن، ثم يقوم الملك إلى هذه النطفة ويصور فيها هذه الأشياء في خلال هذه الفترة.
وهناك أحاديث أخرى جاءت عن النبي ﷺ في هذا المعنى، كحديث عبد الله بن مسعود ﵁ الذي قال فيه: حدثنا النبي ﷺ وهو الصادق المصدوق: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سيعد، فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها)، والحديث في الصحيحين.
وهذه الرواية رواية مسلم وفيها تفصيل دقيق جدًا، أكثر مما جاء في صحيح البخاري، والتفصيل الذي فيها قوله: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد)، وهذا معنى كلام ابن مسعود ﵁: (الشقي من شقي في بطن أمه) أي: أنه معلوم عند الله من قبل خلق هذا الإنسان أنه شقي أو سعيد، وهذه من الأشياء الغيبية التي يجب أن نؤمن بها، فالله ﷿ خلق الخلق وعلم أن هؤلاء للجنة يصيرون وهؤلاء للنار يصيرون، وقدر أقدارًا ﷾، ولكن لم يطلعنا على ذلك ولم نعلم ذلك، فالذي أمرنا به أن نؤمن بذلك ولا نتعرض له بالجدل الباطل.
إذًا: فالواجب علينا أن نؤمن بالقضاء والقدر، وليس معنى ذلك أن الإنسان يترك العمل ويقول: لو كنت مكتوبًا من أهل الجنة فسأعمل للجنة، لا، فإن هذا من باب الجدل العقيم الذي يضيع الإنسان فيه عمره، وفي النهاية يموت على ذلك وقد ضاعت دنياه وأخراه، فالقضاء والقدر أمرنا بالإيمان به، أما العمل فقال النبي ﷺ: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له) فأمرنا ألا نتوقف عن العمل، والقضاء والقدر هو شيء كتبه الله ﷿ عنده، لم يطلع على ذلك أحدًا من خلقه.
فعلى الإنسان المؤمن ألا يتعرض لأمر القضاء والقدر إلا بالإيمان به والتصديق واليقين، ثم يعمل؛ لأن النبي ﷺ قال لأصحابه لما سألوه عن ذلك: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له).
فهنا في الحديث قلنا: (إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها) يعني: أنه في نهاية حياته لا يوفق لعمل أهل الجنة فيكون من أهل النار.
نسأل الله ﷿ أن يجعلنا من عباده السعداء، ولا يجعلنا من عباده الأشقياء.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
43 / 4