الاستسلام في كل أمر لله
قال سبحانه: ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا﴾ [الحج:٣٤] أي: وإن اختلفت شرائع الأمم، فهؤلاء يزيدهم أوامر، وهؤلاء يضع عنهم آصارًا وأغلالًا، وغير ذلك، ولكن في النهاية فإن الجميع مأمورون بطاعة الله، وبعبادته على الدين الذي شرعه سبحانه.
﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الحج:٣٤] أي: فلا إله إلا الله، ولا معبود بحق إلا الله سبحانه ﵎.
﴿فَلَهُ﴾ [الحج:٣٤] أي: وحده لا شريك له.
﴿أَسْلِمُوا﴾ [الحج:٣٤]، وهذا دين الإسلام الذي أمر الله به عباده، وأمر به الرسل أن يسلموا أنفسهم لله رب العالمين.
وعلى العبد أن يكون كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]، فهنا أمر الله النبي ﷺ، وأمر الأنبياء من قبله، أن تكون حياتهم كلها طاعة لرب العالمين، فخصص في قوله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي﴾ [الأنعام:١٦٢]، ثم عمم بقوله: ﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي﴾ [الأنعام:١٦٢] أي: كل شيء في حياتي يكون لله رب العالمين، فالإنسان تكون حياته كلها عبادة لله سبحانه، بصلاة أو صوم، أو أي عبادة تعمل، سواء في قيامه أو في نومه فهو يعبد الله في ذلك، فهو ينام ليستريح فيقوم ليكمل عبادة رب العالمين سبحانه.
وكذلك إذا أشغل لعمله فهو يريد أن يتحرى الحلال، فيعبد الله ﷿ بطاعته، وذلك باجتنابه المحرمات، مستحضرًا الخوف من الله سبحانه، فهذه أيضًا عبادة لرب العالمين سبحانه.
وكذلك يتعبد لله بصلاته، بصومه، بزكاته، بحجه، باعتكافه، بنذره، بجهاده، بأمره بالمعروف بنهيه عن المنكر، إذًا: يكون عمله كله عبادة لله رب العالمين، فقال تعالى هنا: ﴿فَلَهُ﴾ [الحج:٣٤] أي: الإله الواحد لا شريك له.
﴿أَسْلِمُوا﴾ [الحج:٣٤] أي: استسلموا له، وسلموا إليه قلوبكم وأبدانكم، ووجهوا وجوهكم له وحده.
﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ [الحج:٣٤]، والإنسان المخبت هو: المطيع المتواضع، الخاشع لله سبحانه، وأصل الخبت هو: ما انخفض من الأرض، ومنه: الأرض المخبتة، وهذه أرض خبت أي: فيها انخفاض، فعلى الإنسان أن يتواضع ويذلل نفسه لله رب العالمين.
فقوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ [الحج:٣٤] أي: يبشر المتواضعين لله سبحانه.
وقد جاء في حديث النبي ﷺ: (من تواضع لله رفعه الله).
إن الله ﷿ يبشر هؤلاء هنا، وهم المتواضعون الخاشعون من المؤمنين، نسأل الله ﷿ أن يجعلنا منهم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
27 / 10