فانظر هذه الكلمات لابن خلدون، بالنظر المقرون بحسن الظنو، يظهر لك أن تلك الكلمة الواقعة في مقدمة ابن خلدون زلة قلمية من نفسه أو نساخ أو مهتمي(1) طبعه أو من دسائس المفتون. فإنه لو كان عنده أنه لم تبلغه إلا سبعة عشر من روايات صاحب الشرع المتين لما عده من كبار المجتهدين، ولما شهد بمهارته، وعلوه في الحديث، ولما ذكر العذر في قلة رواياته الحديث.
الثاني: أن من طالع تصانيف تلامذة الإمام أبي حنيفة التي أسندوا الروايات فيها، وخرجوها بأسانيدها ورووا فيها عن أبي حنيفة ك((موطأ الإمام محمد))، وكتاب ((الحجج)) له، وكتاب ((الآثار)) و((السير)) له، وكتاب ((الخراج)) للقاضي أبي يوسف، و((الأمالي)) له، وغير ذلك من ما لا يعد، وجد فيها الروايات عن الإمام عن أساتذته بسندهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، أزيد من مئة بل مئتين، لا بل تزيد على ألف وألفين.
فمع ذلك نقول بأن رواياته بلغت سبعة عشر ليس إلا كالقول بأن روايات البخاري لم تصل إلى ستة عشر.
الثالث: أن من طالع تأليف ابن أبي شيبة والدارقطني والحاكم والبيهقي وعبد الرزاق والطحاوي: ك((شرح معاني الآثار)) و((مشكل الآثار))، وغير ذلك من كتب النقاد، وجد فيها من روايات أبي حنيفة ما لا يعد بالأعداد.
فمع ذلك التكلم بتلك الكلمة الكليلة، ليس إلا كالتكلم بأن مسلما النيسابوري لم تبلغ(2) إلا جملة قليلة.