আল-মানতিক
المنطق
وأما ما كان لا يقع به الن، ولا يقبله الجمهور، ويفطنون لتحريفه، فإن استعمالها مغالطة في الخطابة، كمن يقول: إن زيدا الجاني، عندما هو مريض، قد كان صادقا عليه أنه غير واجب أن يعاقب، فيجب أن لا يعاقب أبدا؛ أو يقول: إن هذا السكران إن لم يجلد في سكره وجنايته، فكيف يجلد وهو صاح، وقد فارقته الجناية؟ فإن أمثال هذه يظهر عند الجمهور ما فيها من التحريف. وأما المناقضة، فمنه ما يكون بأن يورد الخصم حجة بإزاء حجة الخصم تنتج نقيض نتيجة حجة الخصم. ويكون ما أعطيناه من الأنواع المظنونة الصالحة لإيقاع الظنين المتقابلين معا كافيا في معرفة مأخذ ذلك. ومنها ما يكون بأن يقاوم ولا يأتي بحجة على نقيض مطلوب الخصم، بل يقصد المقدمات. والمقاومة الخطابية تشارك الجدلية في العدة، وفي أنها أربع؛ وقد ذكرت في الجدل أنها إما مقاومة نحو المقدمة، أو نحو القول، أو نحو السائل، أو نحو الزمان؛ وإن كانت تخالف الجدلية في التعيين. على أن الجدلية أيضا تنفع في الخطابة. وأما هذه الأربعة المذكورة خاصة في الخطابة فهي أن المقاوم إما أن ينحو بها نحو المقدمة نفسها، أو نحو ما هو مقامها ككليها فوقها أو جزئيها تحتها، وإما أن يتركها ويقصد شبهها فيثبت في شبهها ما يبطل حكم المقدمة، وإما أن يقصد ضدها فيجعل حكم المقدمة ضد حكم الشبيه، أو يرفع حكم المقدمة على اقتضاء ذلك التضاد، وإنما أن يأتي بنص من أقاويل الشرائع والحكام، كمن يقول يقول: إن السنة ليست توجب على السكارى العذاب، إذا قذفوا، وهم سكارى. فيقول المقاوم: بل السنة توجب ذلك، ولذلك عذب فلان النبي والإمام ولده، حين أساء أدبه في حالة الانتشاء.
ثم إن التفكيرات: إما أن تكون من الواجبات وهي الآراء المحمودة، أو تكون من البرهانات، لا من حيث يصحح بها المطلوب نفسه، فذلك خارج عن هذا، بل بأن ينتقل منها إلى حكم كلي، ثم يصنع منه ضمير؛ وإما من الدليل وهو الذي على سبيل الشكل الأول، وهو اضطراري جدا؛ وإما من الرسوم. واعلامة: إما من الكلية على سبيل الشكل الثاني؛ وإما من الجزيئة على سبيل الشكل الثالث، وعلى ما علمت. وذلك إما في إثبات؛ وإما في نفي. هكذا يجب أن يفهم هذا الموضع.
وليس يجب أن يظن أن الواجب هو الحق دائما، بل وإن كان في الأكثر، فهو واجب بحسب هذا المبلغ. والكلام المؤلف من الآراء، فإنما يناقض بالمقاومة للمقدمة فقط، ولا يناقض من جهة ترذيل الشكل. وتناقض المقدمة بأنها ليست دائمة الصدق، ويؤتى بجزئي يكذب فيه الحكم، وأنه ليس باضطرار. وإن كان يسلم أنه واجب، فلا يسلم أنه واجب دائما كل وقت. بل تارة يقول: إنه ليس بواجب، وتارة يقول: إنه ليس باضطرار وجوبه كل وقت. وأن يقول نعم، هذا يكون في الأكثر، ولكن ليس واجبا، بل قد يخلف. وإنه وإن كان الشرع أوجبه، فقد أوجبه من غير تفصيل، والمصلحة توجب فيه التفصيل بحكم العقل. فيخصص الحكم بزمان يناقض به، أو بشخصي يناقض به. وإما أن يكون ظاهرا حكمه في أنه ينقض، أو يدعم الجزئي بحجة من مصلحة أو غيرها. كما أن الاعتماد على مقتضى الكثير بالعدد المترادف في الزمان قوي. كذلك نقضه أيهما كان، أو باجتماعهما، نقض قوي.
وأما الرواسم فإنها تنقض من وجهين: أحدهما من أن القول غير منتج؛ والآخر من أن المقدمة غير صحيحة. على أن نقيض المقدمة فيهما ربما عسر، لأنها تكون في الأكثر في مقدمات مسلمة.
وأما الأمثلة فمناقضتها بالأمثلة واجبة. فإن لم تنتقض بمثال، فالوجه أن يقال فيها: إنها ليست باضطرارية، وإن كانت أكثرية، ويعترف بأكثريتها، ثم يقال: لكنها تخلف في مثل ما فيه الكلام. اللهم إلا أن تفرط جدا في الكثرة. فحينئذ لا بد من المقاومة بمثال آخر. فإن الذي هو قريب من العموم، وليس المعول فيه على شبيه واحد فقط، إما أن يبين أنه ليس بمشابه أصلا ولا مشاكل، أو يبين أن الحكم لعلة أخرى غير المشابهة المظنونة؛ وإما أن يعترق بفضيلته ويذعن له.
وأما الدلائل فلا تؤى من جهة رداءة التأليف. فإن صدقت المقدمات، فلا سبيل إلى مناقضتها.
وأما التكبير والتصغير فليس اسطقسا للضمير الذي يراد به الوصول في المشاجرات والمشاورات والمنافرات، بل هما من توابع ذلك، فمقاومتها ليست مقاومة أصلية، ولا اسطقسات مقاومة. وكل مخاصم بالحجاج، كما علمت، إما بمعارض، أو بمقاوم. وكلاهما مشتركان في استعمال أنواع جنس واحد، ومحتاجان إليه، ومغترفان منه. وإن كانت المقاومة من نوعي المناقضة ليست تفكيرا، كما علمت؛ لأنه ليس إذا أبطل صحة احتجاج خصمه، فقد صحح قول نفسه، وإنما أكثر ما يبينه أن كلام خصمه ليس بصحيح، وأن فيه كذبا ما.
المقالة الرابعة أربعة فصول
فصل الفصل الأول في التحسينات واختيار الألفاظ للتعبيرات
পৃষ্ঠা ২৪৫