আল-মানতিক
المنطق
وقد أوجب الاتفاق في الاسم سبب قوى : وهو أن الأمور غير محدودة، ولا محصورة عند المسمين، وليس أحد منهم عند ما يسمى أمكنه حصر جميع الأمور التي يروم تسميتها، فأخذ بعد ذلك يفرد لكل معنى اسما على حده، بل إنما كان المحصور عنده، وبالقياس إليه، الأسماء فقط؛ فعرض من ذلك أن جوز الاشتراك في الأسماء، إذا كانت الأسماء عنده محصورة ، ولا يحتمل أن يبلغ بها تركيب بالتكثير غير متناه، لأن الأسماء حينئذ تجاوز حدا لحقه إلى طول غير محتمل، فلم يوطن المسمى الواحد والمختلفون أنفسهم إلا على انحصار الأسماء في حد، ومجاوزة الأمور كل حد، فعرض اشتراك أمور كثيرة في لفظ واحد. فهكذا ينبغي أن تفهم هذا الموضع؛ وهو متكلف مجرور إلى الصواب كرها. وقد قلنا في الفنون الماضية ما دل على استنكارنا أن يكون السبب في اشتراك الاسم تناهى الالفاظ، وغير تناهى المعاني. وإذا فهم على هذه الصورة كان أقرب إلى الصواب. فهذا هو من أسباب أن وقع الاشتراك في الأسماء، ووقعت المغالطة بسببه، وعرض منه ما يعرض من عقد الحساب؛ فكما أن الحاسب إذا كان غير متمهر يغلط نفسه، ويغلطه غيره، كذلك يعرض لمن لا خبرة له بما يعرض من الألفاظ وغيرها من وجوه الغلط التي سنذكرها.
ويشبه أن يكون بعض الناس، بل أكثرهم، يقدم إيثاره لظن الناس به أنه حكيم، ولا يكون حكيما، على إيثاره لكونه في نفسه حكيما، ولا يعتقد الناس فيه ذلك. ولقد رأينا وشاهدنا في زماننا قوما هذا وصفهم: فإنهم كانوا يتظاهرون بالحكمة، ويقولون بها، ويدعون الناس إليها، ودرجتهم فيها سافلة؛ فلما عرفناهم أنهم مقصرون، وظهر حالهم للناس، أنكروا أن تكون للحكمة حقيقة، وللفلسفة فائدة. وكثير منهم لما لم يمكنهم أن ينتسب إلى صريح الجهل، ويدعى بطلان الفلسفة من الأصل، وأن ينسلخ كل الانسلاخ عن المعرفة والعقل، قصد المشائين بالثلب، وكتب المنطق والبانين عليها بالعيب، فأوهم أن الفلسفة أفلاطونية، وأن الحكمة سقراطية، وأن الدراية ليست إلا عند القدماء من الأوائل.
والفيثاغوريون من الفلاسفة، وكثير منهم قال: إن الفلسفة، وإن كان لها حقيقة ما، فلا جدوى في تعلمها؛ وإن النفس الإنسانية كالبهيمية باطلة؛ ولا جدوى للحكمة في العاجلة؛ وأما الآجلة فلا آجلة. ومن أحب أن يعتقد فيه أنه حكيم، وسقطت قوته عن إدراك الحكمة، أو عاقه الكسل والدعة عنها لم يجد عن اعتناق صناعة المغالطين محيصا. ومن ههنا نتجت المغالطة التي تكون عن قصد، وربما كانت عن ضلالة.
والمغالطون طائفتان: سوفسطائى، ومشاغبى. فالسوفسطائى هو الذي يتراءى بالحكمة، ويدعى أنه مبرهن ولا يكون كذلك، بل أكثر ما يناله أن يظن به ذلك. وأما المشاغبى فهو الذي يتراءى بأنه جدلى، وأنه إنما يأتي في محاوراته بقياس من المشهورات المحمودة ولا يكون كذلك، بل أكثر ما يناله أن يظن به ذلك.
والحكيم بالحقيقة هو الذي إذا قضى بقضية - يخاطب بها نفسه أو غير نفسه - يعني أنه قال حقا صدقا، فيكون قد عقل الحق عقلا مضاعفا؛ وذلك لاقتداره على قوانين تميز بين الحق والباطل، حتى إذا قال صدقا، فهذا هو الذي إذا فكر وقال أصاب، وإذا سمع من غيره قولا، وكان كاذبا، أمكنه إظهاره؛ والأول له بحسب ما يقول، والثاني بحسب ما يسمع. فبالحرى أن يكون أول ما يصرف إليه السوفسطائى وكده أن يستقرئ الألفاظ المشتركة، ويجمعها، وينصبها حذاء عينه، بل أن يحيط علما بجميع المخاطبات والمحاورات السوفسطائية وأصنافها، لتكون مادة معدة له لما يفعله. ويكاد أن يكون اشتراك الاسم هو أنفع شيء له في أن يظن به أنه حكيم.
ولا حاجة لنا إلى إثبات وجود هذه الألفاظ المشتركة وأجناس المخاطبات المضللة، إذ الأمر في وجودها ظاهر؛ ونقول: إن أجناس المحاورات القياسية المتعلقة بالأمور الكلية أربعة: البرهانية، والجدلية، والامتحانية، والمشاغبية؛ وقد عرفتها فيما سلف لك، وعرفت الفرق بين المشاغبية والسوفسطائية، وعرفت أن المغالطية تجمعها جميعا؛ وقد عرفت البرهانية والجدلية والامتحانية، وبقيت المشاغبية، فنقول: إن أجزاء الصناعة المشاغبية خمسة: واحدها التبكيت المغالطي؛ وثانيهما التشنيع بما يتسلم مما يسلمه أو يقوله المخاطب؛ وثالثها سوق الكلام إلى الكذب وإلى خلاف المشهور؛ ورابعها إيراد ما يتحير فيه المخاطب ويشتبه عليه معناه من جهة اللفظ، والإغلاق، والإعجام، وعلى ما سنوضح بعد؛ وخامسها الهذيان والتكرير.
والتبكيت منه ما هو داخل في اللفظ، ومنه ما هو داخل في المعنى. والفرق بين التبكيت وبين غيره: ان التبكيت هو نفس القول الذي يراد به إنتاج نقيض الوضع؛ ونظير الحق مطلوب معلوم. وأما الآخر فليس المغالط يوردها على هذه السبيل، بل قد يبتدئ بها، ولا يعلم المخاطب مقصوده بها.
وكثيرا ما يسأل السوفسطائى عن طرفي النقيض، فإن سلم له الموجبة مثلا عقد منها التبكيت، وإن سلمت له السالبة لم ينتفع بها في التبكيت، وشنع بأن هذا الذي سلمت مخالف وغير مشهور، فيكون صنيعه هذا من باب التشنيع، ليس من باب التبكيت. وعلى هذا القياس صنيعه فيما بقى.
পৃষ্ঠা ১৪৬