আল-মানতিক
المنطق
وهذا الموضع ليس له عناد علمي، وله عناد جدلي. أما أنه ليس له عناد علمي، فهو أنه إذا لم يكن للشيء معنى بوجه من الوجوه، فليس له ذلك المعنى أقل أو أكثر. فإن الأقل والأكثر يجب أن يكون معه الشيء موجودا، حتى يكون قليلا، أو يكون كثيرا. وأما عناده الجدلي، فأن يقول قائل: إن خمود الشهوة خير من الفجور؛ ومع ذلك فليس خيرا على الإطلاق. فهذا مقبول في المشهور؛ وأما في الحقيقة فإنه ليس خيرا من الفجور، فإنه لا شركة بينه وبين الفجور في الخيرية حتى يجوز أن تكون حصته منه أوفر، بل هو أقل إيجابا لأمور شرية منه. وأما في نفسه فهو ردي مثله. وأما بالقياس إلى مت يلزمه من الشر فهو أكثر شرا، وذلك أقل شرا لا لمزاج خير معه، بل لقلة عدد الشر الصادر عنه، وفقد بعض الشر أن يكون منه. وأنه وإن كان فقد الخير شرا فيما وجوده فيه خير، وفقد الشر خيرا فيما وجوده فيه شر، وهو لا يخلو عن وجود ذلك أو فقده، فذلك باب آخر؛ وهو باب ما يكون الخير والشر فيه. وأما الشيء الذي يقال له خير أو شر، بأن الخير يصدر عنه، والشر يصدر عنه، فليس الأمر فيه كذلك. فليس إذا كان الشيء ليس سببا للشر، فهو سبب للخير إلا بالعرض؛ وبالعكس. وأما إذا كان الشيء القابل لهما ليس فيه شر، ففيه بإزائه خير.
وموضع آخر مشاكل بوجه من الوجوه لهذا المعنى، وهو أنه إذا كان الشيء ممكنا، أو موجدا، أو حسنا، أو نافعا في وقت من الأوقات، وموضع من المواضع، وموضوع من الموضوعات، فهو أيضا بذلك الحال على الإطلاق؛ فإن ما ليس بممكن في نفسه، فليس بممكن عند حال، وما ليس بحسن البتة، فليس حسنا عند حال. وهذا أيضا للإثبات.
ويعاند هذا الموضع بأمثلة مشهورة، مثل أنه قد يوجد الشيء فاضلا في أمر وليس فاضلا على الإطلاق، ويكون الشيء غير فاسد في وقت، وليس غير فاسد على الإطلاق، وينفع دواء في وقت، وفي موضع، وفي موضوع عليل، وليس نافعا على الإطلاق؛ وقد يحسن قتل القريب إذا كفر بالله تعالى، وليس حسنا على الإطلاق.وكذلك يكون الشيء حسنا عند قوم، وليس حسنا على الإطلاق، فإن من الناس من استحسن قتل الأب، وليس حسنا على الإطلاق.
وتفسير الإطلاق هو أن يقال المعنى من غير أن يزاد عليه شيء يقيد به، كما يزداد فيقال: إنه حسن عند قوم، أو حسن في وقت؛ فهذا هو الحكم المشهور، لكمنه يجب أن ننظر في هذا من جهة الحق، فنقول: إذا كان الإطلاق بالحقيقة في مثل هذا الموضع هو أن لا يكون عليه زيادة اعتبار البتة إلا معناه، فإن كان معناه إضافيا كان الإطلاق أن توجد إضافة مطلقة، مثل النافع إذا أخذ نافعا لشيء ما وحال ما، فإن هذا الإطلاق بلا زيادة لأن المضاف إليه داخل في معنى المضاف غير مزيد عليه من دوام، أو عموم، أو غير ذلك، لكن المشهور ربما لم يفصل بينه وبين الدائم وبين الذي عند كل مكان وكل وقت؛ فإذا لم يجده دائما أوهم أنه معاند.
وأيضا فإن المشهور يأخذه مهملا، وفي العلوم يجب أن يؤخذ محصورا. فإذا راعيت هذا، فاعتبر الأمثلة التي وقع بها العناد، فيجب أن يكون الفاضل في أمر ما فاضلا على الإطلاق، أي فاضلا بلا زيادة. ولا يكون فاضلا على الإطلاق بمعنى أنه فاضل في كل شيء؛ فإن هذا ليس هو الفاضل على الإطلاق الذي نقصده إلا باشتراك الاسم، لأنه فاضل مع زيادة، وتلك الزيادة أنه في كل شيء. وتجد الممكن للقوى ممكنا على الإطلاق، وإن كان ليس ممكنا في كل وقت، ولكل واحد. ونجد ما يس فاسدا في وقت، ليس فاسدا - إلا بزيادة - أبدا. ونجد الدواء النافع للشيء نافعا على الإطلاق، لا بزيادة كل شيء، بل لشيء ما هو مضايفه المنفوع.
وأما قتل القريب فخذه محصورا، فيتبين لك الكذب في أن كل قتل قريب حسن، بل قتل ما للقريب عسى أن يكون حسنا. فذلك القتل الذي لذلك القريب نجده حسنا على الإطلاق، وإن لم يكن حسنا في كل موضوع، وكل اعتبار.
وأما المستحسن عند قوم، فذلك لا يجب أن يكون حسنا على الإطلاق، وأنت تعني بالإطلاق الوجود، لأنه معنا أنه حسن في الظن، لا في الوجود. والواجب أن تعتبر تقييد الشيء في الظن بإطلاقه في الظن، أو تقييده في الوجود بإطلاقه في الوجود؛ اللهم إلا أن يكون قد يفهم من الإطلاق أمر يعمهما جميعا، فيكون الإطلاق حينئذ حقا.
পৃষ্ঠা ৭৮