আল-মানতিক
المنطق
قيل : ولكن أن يسأل سائل فيقول : إذا كان من الحدود الوسطى التي توضع عللا للكبريات ما يساويها مثل توسط الأرض بين القمر والشمس لكسوف القمر، ومثل كون الورق عريضا لانتشاره، فإنه سبب مساو للانتشار وإن كان بعيدا، والقريب هو سرعة انقشاش الرطوبة الماسكة، وهو أيضا مساو، فيمكن أن يبين العلة بالمعلول أيضا كما يبين المعلول بالعلة ويصير البيان دورا. فإنه إن شئنا قلنا إن القمر انكسف فقد توسطت الأرض بينه وبين الشمس، وإن شئنا قلنا إن القمر توسطن الأرض بينه وبين الشمس فقد انكسف. وأيضا هذه الشجرة عريضة الورق فينتثر ورقها، وهذه الشجرة انتثر ورقها فهي عريضة الورق. وهذا دور ظاهر. فيقال في جوابه إن هذا البيان فيهما ليس دورا ولا وجه البيان فيهما واحدا. أما أن البيان فيهما دورا فذلك انه لا يخلو إما أن يكون الأمران مجهولين فيكون ذلك هو الدور - ولا كلام لنا في مثله. وإن سبق التوسط إلى الذهن فعرف بحساب ثم أثبت بتوسيطه الكسوف، لم يكن دورا إلا أن يحاول إثبات التوسط من الكسوف الذي ثبت من المتوسط، فإن الكسوف مجهول. وإن سبق الكسوف إلى الحس ثم أثبت بتوسيطه التوسط، لم يكن دورا إلا أن يحاول نظير ما ذكرناه. وأما إن كان كسوف ما يدل على توسط ما، وتوسط آخر - لا ذلك بعينه - يدل على كسوف آخر - لا ذلك الول بعينه - فليس هناك كما علمت دور. وإنما يكون البيان في هذه الأشياء دورا إذا كان مثلا الكسوف مجهولا ويثبت بالتوسط : وهو مجهول إنما يثبت بالكسوف.
وبعد هذا فإن التوسط يعطى برهان اللم للكسوف، والكسوف يعطى قياس الإن للتوسط. ألا ترى أن التوسط على للكسوف فيؤخذ في حد الكسوف، وليس الكسوف علة للتوسط فليس يؤخذ في حده؟ ونقول إنا قد نبرهن على نتيجة واحدة بوسائط من أسباب مختلفة : فتارة من الفاعل وتارة من الصورة وتارة من الغاية وتارة من العنصر. مثاله أنا نبرهن على أن الإنسان يجب أن يموت ببيان العلة الفاعلة للموت وهي الحرارة المفنية للرطوبة التي تتعلق بها الحياة. وتارة من جهة العلة المادية : فإن كل مادة موضوعة للكون فهي موضوعة للفساد : وذلك لأنه إذا كان للشيء مادة، يلزمها هيئة ما بالضرورة، وكان أيضا هناك علة فاعلة يلزم عنها تلك الهيئة بالضرورة. فواضح أن توسيط المادة صالح لإنتاج وجود الهيئة؛ وكذلك توسيط الفاعل؛ وكذلك توسيطهما مجتمعين. لكنه إذا وسط أيهما، كان وحده يضمن في القوة توسيط الآخر : لأن المادة لا تخرج إلى الفعل إلا بفاعل، والفاعل في ذوات المادة لا يفعل إلا في مادة. فيكون التوسط التام هو مجموعهما جميعا إما بالقوة وإما بالفعل، فيكون كأن مجموع ذلك هو العلة الموجبة للنتيجة، وإن كان فيها علل مجتمعة. مثال أنك إذا قلت إن القمر ينكسف لتوسط الأرض، فقد أعطيت السبب الفاعل للكسوف وضمته في القوة السبب الفاعل من الكسوف - إذ المتوسط يستر قابلا للضوء - فيكون تمام التوسط اجتماع الأمرين : ستر وهو فعل الفاعل، وقبوله وهو حال القابل، وإن أعطيت العلة في هيئة قبول الضوء، وجعلت كريته وهو من السبب القابل، فلا يتم ذلك إلا أن تضيفه إلى الشمس على وضع ما، فتكون ضمنته السبب الفاعل والقابل أيضا. وكذلك إن أعطيت الغاية في أمر، فقد ضمنت الفاعل والقابل فيه، وإلا لم يجب المعلول. ولولا قبول الستر لما كان التوسط علة الكسوف. ولولا مكان المتأثر القابل للضوء من المفيد، لما كانت الكرية علة لذلك النحو من القبول. فمن هذه الجهة تكون العلة الموجبة للنتيجة شيئا واحدا هو مجموع الجملة.
وأما أنه يجب أن يعطى فاعل دون قابل أو دون غاية، أو أن يعطى فاعل فقط بالفعل، والقابل بالقوة، أو القابل فقط والفاعل بالقوة، وسائر الأقسام، فأمر باطل. بل يجب أن يعلم من حال إعطاء الأسباب الكثيرة حدودا وسطى أنها تكون في قوة له واحدة في الحقيقة : لأن الإعطاء ما لم يشر إلى مجموعهما لم يكن تاما موجبا. وقد يظن بسبب هذا الفصل أنه لا يجوز أن يوسط في مطلوب واحد إلا سبب واحد، وليس كذلك على الإطلاق، بل على النحو الذب بينا.
পৃষ্ঠা ২৪