আল-মানতিক
المنطق
فيقال " حد " بوجه ما لما هو قول يشرح الاسم ويفهم المعنى الذي هو مقود بالذات في ذلك الاسم، لا بالعرض، ولا يدل على وجود ولا على سبب وجود، اللهم إلا أن يتفق أن يكون معنى الاسم موجودا معروف الوجود، فيكون فيه حينئذ دلالة ما بالعرض على سبب الوجود. وذلك لأنه من جهة ما هو شرح الاسم ليس ذات؛ وإن كان لا يكون حد ذات إلا وهو شرح اسم. فإن أخذ في الابتداء على انه شرح اسم للشك في وجود معنى الاسم وتضمن بيان سبب معنى الاسم لو كان موجودا، فهو بالعرض معط للعلة، مثل ذكر حد المثلث قبل ثبوت وجود المثلث : فإنه إنما يورد وتؤخذ أولا على أنه شرح اسم، ولا يدري من أمره هل هو موجود المعنى. ومع أنه يؤخذ شرح اسم، لابد من أن يعطى أسباب المثلث وهي الأضلاع الثلاثة. فيكون مثل هذا يعطي أسبابا لما لو كان موجودا كانت أسبابه هذه. فإذا اتفق أن صح عند إنسان أنه موجود انقلب ذلك بالقياس إلى ذلك الإنسان حدا ومعطيا للعلة. وإعطاؤه للعلة - من جهة ما هو شرح اسم - بالعرض. وكذلك دلالته على الوجود. وهذا الحد المقول بحسب الاسم إذا لم يوافق معنى الوجود، كان اتحاد أجزائه شيئا معتبرا من وجه. فإذا كان بحسب الذات كان اتحاد أجزائه معتبرا من وجه آخر : وذلك لأن القول إنما يكون واحدا على أحد وجهين : إما لأنه متصل الأجزاء بالأربطة الجامعة كما مضى منا ذكره فيما سلف مثل قصيدة أو كتاب فما دونه. وإما لأن أجزاءه تصير شيئا واحدا في النفس يدل على شيء واحد في الوجود. والحد الذي يكون بحسب الاسم فيشبه أن يكون اتحاد أجزائه - ما دام ليس مطابقا لموجود واحد - اتحادا بالأربطة، إلا أن يؤخذ بالقياس إلى خيال واحد في النفس. وإلى هذا القسم والوجه ذهب قوم. فكأنه غير مستمر في جميع الحدود التي هي بمعنى شروح الاسم. فإنه إذا كان المعنى محالا لا خيال له في النفس البتة، فكيف يكون خياله وجدانيا؟ وإن كان محالا وله خيال في النفس ذو أجزاء لا تجتمع في الطبع، فكيف يكون ذلك الخيال واحدا؟ مثل تخيلنا إنسانا يطير. فإن كان هذا الخيال واحدا، فعساه أن يكون واحدا بجهة غير الجهة التي بها تكون )116 أ( المعاني العقلية والخيالات الصحيحة واحدة. فإن " الواحد " يقال على وجوه كثيرة، ونحن لا نذهب إلى هذا المعنى في قولنا معنى واحد وشيء واحد، بل نشير إلى اتحاد طبيعي جوهري.
هذا، وأما الحد الكائن بحسب الذات فهو متحد الأجزاء بالحقيقة لأنه الخيال أو لمعنى أو لموجود واحد بالحقيقة بوحدة طبيعية. وهذا وجه مما يقال عليه الحد.
ويقال " حد " بوجه آخر لما يعطي علة وجود معنى المحدود ويؤخذ بعينه في البرهان حدا أوسط فيكون مبدأ للبرهان. وإذا أخذ هذا الحد وضم إليه كماله - وهو إضافته إلى المعلول - ووضع المحدود، اجتمع فيه ثلاثة أشياء : أعني المحدود، وحدا يعطي العلة، وكماله في إعطاء العلة وهو ذكر المعلول. وهذه الأشياء الثلاثة ينعكس بعضها على بعض، وإلا لما كان محدود وحد وكمال للحد : لأن المحدود والحد متساويان، وكمال الحد هو معلول الحد الذي يوجد عنه فقط، ويوجد لجميع المحدود، وهو أيضا مساو للأولين. وهذه الأمور الثلاثة موضوعة لأن يكون منها برهان ينتج كمال الحد لموضوع ما بقياسين.
إلا أن الأمر في وضع حدود البرهان بالعكس من وضع أجزاء الحد. مثال هذا : ليكن الغيم هو الموضوع للمحدود الثلاثة، وليكن هذا الحد الذي هو العلة هو طفوء النار في الغيم. وليكن كماله هو حدوث صوت، فنقول : إن الغيم رطوبة قد طفئت فيها نار، وكل رطوبة طفئت فيها نار يحدث فيها صوت، فالغيم يحدث فيه صوت، وكل صوت يحدث في الغيم فهو رعد، فالغيم يحدث فيه رعد. فقد صارت هذه الأمور الثلاثة أجزاء برهانين مرتين أصغر حدودهما موضوع الأمور الثلاثة وهو الغيم. فكان طفوء النار أول مذكور من هذه الثلاثة، ثم حدوث الصوت. وكان حدوث الصوت يثبت في نتيجة البرهان الأول وطفوء النار لا يثبت، بل هو مبدأ برهان لا نتيجة. والمحدود - وهو الرعد - هو آخر مذكور من هذه الثلاثة في البرهان الثاني ومذكور في النتيجة الثانية.
فإذا رددت هذه الحدود إلى تأليف حدي عكس فذكرت أول شيء الرعد، ثم الصوت الحادث في الغمام، ثم طفوء النار في الغمام : فقلت إن الرعد صوت حادث في الغمام لطفوء النار فيه. فقد انقلب ما كان مبدأ البرهان فصار آخر الحد، وما كان نتيجة للبرهان فصار مبدأ الحد. وصار المحدود الذي كان محمولا آخر الأمر موضوعا للجميع. ونظير هذا الحد قولنا في حد الغضب إنه شهوة الانتقام؛ ونظير كماله غليان دم القلب، وهو نتيجة البرهان. فإذا حددت قدمت غليان دم القلب وأردفته بالعلة وهو شهوة الانتقام. وإذا برهنت قلت : فلان يشتهي الانتقام، وكل من اشتهى الانتقام على دم قلبه. فقدمت شهوة الانتقام وأخرت غليان دم القلب. والجنس دائما مع الحد الذي هو نتيجة البرهان.
পৃষ্ঠা ১০