Sheikh Saad Al-Breik's Lessons

دروس الشيخ سعد البريك

فضل الجهاد والشهادة في سبيل الله
إن الله ﷿ قد بين فضل الجهاد في كتابه سبحانه، ورتب عليه أعظم صفقة وتجارة، وهي: بيع النفس لله ﷿، وقد وردت الأحاديث المستفيضة التي تبين فضل الجهاد والشهادة والرباط في سبيل الله ﷾، ولكن الناظر في حالنا اليوم يجد خلاف ما كان عليه الصحابة من بيع نفوسهم رخيصة في سبيل الله، وإقدامهم على الموت، وفي هذه المادة بيان لفضل الموت في سبيل الله في الدنيا والآخرة.

1 / 1

المرء مع من أحب
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله؛ بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
أيها الأحبة في الله! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبادئ ذي بدء! أتوجه إلى الله جل وعلا متوسلًا إليه بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى، واسمه الأعظم، أن يجعل لي ولكم من كل همٍ فرجًا، ومن كل ضيقٍ مخرجًا، ومن كلٍ بلوىً عافية، ومن كل فاحشةٍ أمنًا، ومن كل فتنةٍ عصمة، كما نسأله سبحانه أن يجعل مجلسنا هذا روضة من رياض الجنة، وحلقةً من حِلق الذكر التي تكتب لنا في موازين أعمالنا، تغشاها السكينة، وتحفها الملائكة، وتتنزل عليها الرحمة، ويذكر الله هذه الوجوه فيمن عنده.
أحبتي في الله! شأن الجهاد والرباط والشهادة في سبيل الله عظيم، وإن من المصائب -وأقولها- أن يحدثكم في هذا الأمر واحدٌ من القاعدين، وسامح الله الإخوة حيث اختاروني للحديث في هذا الموضوع، وكان الأولى أن يختاروا واحدًا من المجاهدين الذين عرف النقع لهم أثرًا، وعرفت الميادين لهم بلاءً، ولكن:
أعيذها نظراتٍ منك صادقةً أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم
الحاصل أنهم ما أحسنوا الاختيار، وكان الأولى أن يتحدث في هذا الموضوع ممن عرفوا بالبسالة والبذل والجهاد في سبيل الله جل وعلا، ولكن: (هم القوم لا يشقى بهم جليسهم) جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: (يا رسول الله! متى الساعة؟ فقال ﷺ: وما أعددت لها؟ فقال الأعرابي: ما أعددت لها كثير عمل، ولكني أحب الله ورسوله، فقال ﷺ: أنت مع من أحببت يوم القيامة).
وجاء آخر وقال: (يا رسول الله! الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم؟ فقال ﷺ: المرء مع من أحب) وحسبنا أن نكون ممن أحبوا الجهاد، ونسأل الله أن يكون حبنا للجهاد في سبيله خالصًا لوجهه، وأن يكون حديثًا للنفس، وأن يكون بذلًا صادقًا، والله جل وعلا يقول: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ [التوبة:٤٦].
ونسأل الله ألا نكون ممن قال فيهم في بقية الآية: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ [التوبة:٤٦] نسأل الله جل وعلا أن يجعل حبنا للمجاهدين والجهاد في سبيل الله في موازين أعمالنا، والهوى نوعٌ من المحبة، والمحبة في الموازين: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به) ومن أبغض دين الله، أو أبغض شيئًا من دين الله ولو عمل به فإنها من الأمور التي تخل بعقيدته، بل قد تجعله من المارقين من الدين، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب نوّر الله ضريحه، وجمعنا به وإياكم في الجنة: ومن نواقض التوحيد: من كره شيئًا مما جاء عن الله وعن رسوله ﷺ ولو عمل به، واستدل بقول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٩].

1 / 2

التجارة العظيمة والصفقة الرابحة
أيها الأحبة: شأن الجهاد عظيم، وفضله جليل:
لا يعرف الشوق إلا من يكابده ولا الصبابة إلا من يعانيها
والحاصل أيها الأحبة! أن لذة الجهاد لا يحصرها قلم، ولا يصفها لسان، ولا يحيط بها بيان، ولكن أن نتعرف إلى الشيء بملامحه وسماته، ففي هذا خيرٌ عظيم من عند الله جل وعلا، يقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة:١١١] إن الله أصدق قيلًا، وأصدق حديثًا، وأوفى بالعهود والمواثيق: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١١١] تأملوا هذه الآية العظيمة التي فيها شراء، وفيها صفقةٌ عظيمة، ولـ ابن القيم كلامٌ أجمل مما نقول ويُقال في هذا الباب: المشتري هو الله، والمتفضل هو الله، والمنعم هو الله؛ خلق هذه النفس من العدم وأطعمها وسقاها وكفاها وآواها، ودفع عنها النقم، وأسبل عليها وابل النعم، ثم هو جل وعلا يشتريها من صاحبها ويبذل له عوضًا وثمنًا ألا وهو الجنة؛ فيها مالا عينٌ رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
ولو أن القلوب سليمة، كما قال ابن القيم في نونيته:
والله لو أن القلوب سليمةٌ لتقطعت ألمًا من الحرمان
يا سلعة الرحمن لست رخيصةً بل أنت غاليةٌ على الكسلان
يا سلعة الرحمن سوقك كاسدٌ فلقد عرضت بأيسر الأثمان
يا سلعة الرحمن كيف تصبّر الخطاب عنك وهم ذوو إيمان
يا سلعة الرحمن ليس ينالها في الألف إلا واحدٌ لا اثنان
إذا كان الثمن هو الجنة، فإنه لا يجتهد في هذه الصفقة أو أن يكون ممن يبتاعها إلا واحدٌ ممن عرف الثمن وعرف القيمة والعوض والمعوض.
أيها الأحبة في الله! هذا فضلٌ من الله، والله دعانا أن نستبشر بقوله: ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ﴾ [التوبة:١١١] أي: اضمنوا أنها صفقةٌ رابحةٌ لا تَندُّم بعدها، لو أن أحدًا اشترى بضاعةً أو عقارًا أو دارًا، ثم عاد وخلا بنفسه وأخذ يقلب الحال، هل غُبن في هذه الصفقة؟ وهل اشتراها بأكثر من قيمتها؟ أما هذه فهي صفقةٌ مربحةٌ رابحة: ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١١١].
واعلموا أن هذه السعلة العظيمة الجليلة الكريمة قد عُرضت والناس قد اختلفوا في التوجه إليها، ولكن لا يستوي من طار على خيله، أو انطلق والشوق يدفعه والهوى يجعله محبًا لما عند الله وفي سبيل مرضاته، لا يستوي مع من قعد عنها.
خودٌ تزف إلى ضريرٍ مقعدٍ يا محنة الحسناء بالعميان
شمسٌ لعنِّينٍ تزف إليه ما حيلةُ العنِّين في الغشيان
حينما تصف أروع الجمال لرجلٍ لا يبصر هذا الجمال، فما حيلة هذا الوصف، انطلق أقوامٌ إلى هذه السلعة، وأرادوا هذه السلعة العظيمة: (ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة) انطلق لها أقوامٌ وقعد آخرون: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾ [التوبة:٤٦] ونسأل الله ألا نكون ممن قال الله فيهم: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة:٤٧] فإن القعود عن الجهاد مظنة أن يشك الإنسان في نفسه، ما الذي أقعده عن الجهاد؟! أهو نفاق في قلبه؟! أهو تقصيرٌ في صدق تحقيقه وإيمانه واعتقاده بأمر الله وأمر رسوله، ووعد الله ووعد رسوله ﷺ؟! يقول جل وعلا: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٩٥] وإن الله جل وعلا قد أعد مائة درجةٍ في الجنة للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجة والدرجة كما بين السماء والأرض، فما ظنكم بالبون الشاسع والفرق الواسع بين درجات المجاهدين ودرجات القاعدين؟ إنها تجارة فمن دُل عليها ونالها فقد هدي إلى خيرٍ عظيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [الصف:١٠ - ١٢] إلى آخر ما بين الله من فضله العظيم وخيره العميم، فيما أعده لعباده المؤمنين.

1 / 3

حقيقة الدنيا وحقارتها
أحبتنا في الله! هذه الدنيا ما الذي يجعلنا نقعد عن الجهاد بألسنتنا وبأنفسنا قبل ألسنتنا، وبأموالنا أيضًا؟! ما الذي يجعلنا نتعلق بها أهي دنيا قد سلمت من المنغصات؟! لا والله.
ما أضيق العيش ما دامت منغضةً لذاته بادكار الموت والهرم
هذه الدنيا:
طبعت على كدر وأنت تريدها صفوًا من الأقذاء والأكدار
ومكلف الأيام ضد طباعها متطلبٌ في الماء جذوة نار
فاقضوا مآربكم عجالًا إنما وأعماركم سفرٌ من الأسفار
إننا في هذه الدنيا على سفرٍ وعلى رحيلٍ، فنسأل الله جل وعلا أن يعيننا بالزاد النافع، وأن يثبتنا بفضله ودينه.
فما دامت هذه الدنيا لذاتها مُنَغصة، ما رأينا صحيحًا إلا وأعقب المرض صحته، وما رأينا رجلًا سعيدًا باجتماع أحبته إلا وفرق الموت أحبابه وشتت شملهم، وما رأينا قومًا في عزٍ إلا ونالهم من طوارق الزمان، ومآسي الحدثان ما أصابهم:
لكل شيءٍ إذا ما تم نقصان فلا يغر بطيب العيش إنسان
هي الحياة كما شاهدتها دولٌ من سره زمنٌ ساءته أزمان
وهذه الدار لا تُبقي على أحدٍ ولا يدوم على حالٍ لها شان
أين الملوك ذوي التيجان من أرمٍ وأين ما ساسه في الفرس ساسان
أين أولئك جميعًا؟
أتى على الكل أمرٌ لا مرد له حتى قضوا فكأن القوم ما كانوا
هذه الدنيا التي نتعلق بها ونقعد فيها بخلًا بالنفوس أن تنال منازل المجاهدين وفضل الشهداء، نتعلق بأي شيءٍ في هذه الدنيا؟! هل نتعلق باجتماعها الذي يعقبه الفراق؟ أم بعزتها التي يكدرها الذل؟ أم بمالها الذي يعقبه الفقر؟ أحوالٌ لا يعلمها إلا الله:
يا نائم الليل مسرورًا بأوله إن الحوادث قد يطرقن أسحارًا
والذين تعلقوا بالدنيا، لأنهم في حالٍ من اللذة والنعيم، لا يعرفون ما يحوي هذا الزمان في جوانبه وأحشائه
والليالي من الزمان حبالى مثقلات يلدن كل عجيبه
فيا أيها الأحبة! اعلموا أن هذه الدنيا التي نخاف عليها، ونتعلق بها، وتشدنا بالطين إلى أوحال الأرض، وتجذب النفوس من أن تُحلق في ملكوت الله، وتدنو من رحمة الله جل وعلا، إنها دنيا لا يؤسف عليها، هذه الدنيا: (لو كانت تعدل عند الله جناح بعوضةٍ، ما سقى منها كافرًا شربة ماء) ولكن: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود:٧].
أيها الأحبة! ثم هذه الدنيا وقد تأملنا وإياكم في ملذاتها وما فيها، ليس فيها والله أمرٌ يدعوك إلى أن تتعلق بها غاية التعلق، الطعام الذي تأكله: في أي بلادٍ زُرع؟ وبأي أيدٍ حصد؟ وعلى أي سفينة نُقل؟ وعلى أي شاطئ نزل؟ وبأي أيدٍ وصل؟ حتى وصل إليك، فجمعت أخلاطه وأنواعه؛ من طعامٍ وشراب وألوانٍ، حتى إذا تهيأ وأصبح لقمةً تزخرفت لآكلها، وسال لعاب مشتهيها إليها وعليها، لم يجد لذتها إلا وقت وضعها على لسانه، ثم لما دخلت في جوفه أصبحت حبيسة الجوف، يعذب بها عذابًا شديدًا، لولا أن الله فرج عنه بأن جعل له منها مخرجًا، وهذا أمرٌ عجيب!! غاية اللذة التي تريدها سرعان ما ترجو الله أن تتخلص منها! وغاية الشراب الذي تبذل كل شيءٍ من أجله سرعان ما تسأل الله أن يُفرج لك لو احتبس شأنه! قيل: إن أحد الخلفاء كان في فلاة، فجاءه من الصالحين رجلٌ فقال: أيها الأمير! أرأيت لو عُدمت الماء أكنت تشتري شربةً بنصف ملكك؟ قال: إي والله أشتري هذه الشربة بنصف ملكي، قال: فإذا شربت فاستقرت الشربة في جوفك واحتبست ولم تجد سبيلًا لإخراجها إلا بنصف ملكك الآخر، أكنت تبذل نصف ملكك في إخراجها؟ قال: إي والله لأخرجنها ولو بنصف ملكي، قال: فتبًا لملكٍ لا يساوي شربة ماء! من أجل هذا نعلق النفوس بالله، وما عند الله، وبنعيم فضل الله.
أيها الأحبة! وهذه الدنيا التي نتعلق بها، ما رأينا أحدًا فيها إلا وفيه من الهموم والمصائب ما الله به عليم، ولا يخلو أحدٌ فيها من عداوة:
ليس يخلو المرء من ضدٍ ولو حاول العزلة في رأس جبل
إن نصف الناس أعداء لمن ولي الأحكام هذا إن عدل
كيف تجد إنسانًا في هذه الدنيا يريد أن يسلم من عداوة أهلها، لا والله لا يستطيع أحدٌ أن يسلم من عداوة الناس في هذا الزمان، أو أن يناله الناس من منتقدٍ أو مجرحٍ أو حاقدٍ أو حاسدٍ، أو ممن ينال من عرضه، أقل من ذلك أو أكثر، وما دامت هذه أحوال الناس فلا تغبطوا أحدًا على دنيا مهما تنافسوا في التطاول بالقصور أو تفاخروا بسعة الدور، أو تشاحوا على المراكب والمفارش وغيرها، هذه الدنيا شأنها عجيب:
يلقى الغني لحفظه ما قد حوى أضعاف ما يلقى الفقير لفقره
وأبو العيال أبو الهموم وحسرة الرجل العقيم كمينةٌ في صدره
أو ما ترى الملك الكبير بجنده رهن الهموم على جلالة قدره
فتراه يمضي مشغلًا في باله همٌ تضيق به جوانب قصره
ولقد حسدت الطير في أوكارها فرأيت منها ما يُصاد بوكره
ولرب طالب راحةٍ في نومه جاءته أحلامٌ فهام بأمره
والحوت يأتي حتفه في بحره والوحش يأتي موته في بره
كيف التخلص يا أخي مما ترى صبرًا على حلو القضاء ومُرِّه
إذًا: هذه الدنيا كما قال الله تعالى فيها: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد:٤] وأقول هذه المقدمة وأسوقها لكي نعلم أن الذين يتعلقون بالدنيا قعودًا بها، ولأجلها ولشأنها ولملذاتها عن الجهاد في سبيل الله، والبذل لدين الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله؛ إنما يدعون هذه اليواقيت والدرر العظيمة من أجل دنيا لا يؤسف على فراقها.
وكما قال أحد الصحابة -ولعله معاذ بن جبل - لما حضرته الوفاة وكأنه أجهش، فقالوا: وأنت صاحب رسول الله تبكي، قال: [والله ما على فراق دنياكم هذه أبكي، وإنما أبكي على فراق ليالي الشتاء -طول القيام والتهجد- وظمأ الهواجر -أطول النهار في هاجرة الصيف- ومجالسة أقوامٍ ينتقون أطايب الكلام كما ينتقي أطايب التمر آكله].
نعم.
لا يحزن على الدنيا إلا لأجل هذه الثلاث، أما ملذاتها وغير ذلك فهو لا يحزن على فراقها بأي حالٍ من الأحوال.

1 / 4

نهاية الرحلة وبداية النهاية
أيها الأحبة في الله! وبعد رحلة طويلة في هذه الدنيا من الصغر والنمو والترعرع والشباب ومصائب الزمن وما يلقى الإنسان في ذلك، تأتي نهاية الرحلة، وخاتمة المطاف، إن لكل بداية نهاية؛ ولكل نهاية غاية.
من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آتٍ آت، تأتي الآتية، وتأتي القيامة الصغرى ألا وهي: الموت؛ وهذه القيامة أول ما تبدؤك في أنامل رجليك، تأتي ملائكة الموت فتجذب هذه الروح جذبًا بعد أن أقفلت الأرصدة، وأعلن الحساب الختامي، ما بقي ريالٌ إلا كسبته، ولا درهمٌ إلا أنفقته، ولا شربة إلا شربتها، ولا أكلة إلا أكلتها، ثم يأتي الوداع والختام: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ [الرعد:٣٨] ولكل بداية نهاية، وهذه بداية النهاية، تأتي الملائكة فتجذب الروح من أنامل قدميك، ثم تأتي إلى ساقيك فتبرد الرجلان، ثم ترتفع إلى فخذيك وتبرد الساقان، ثم تنزع من جوفك نزعًا فتحشرج في صدرك حشرجةً عظيمة.
ثم بعد ذلك تصل إلى مخارجها، ثم تخرج مع أنفك ويقال: فلانٌ مات حتف أنفه؛ لأن الروح تخرج مع الأنف، رحلةٌ شاقةٌ طويلة في بداية النهاية، في نزع الروح وآلام السكرات، تعوذ منها النبي ﷺ بقوله: (إن للموت لسكرات، اللهم أعني على سكرات الموت).
فما دامت هذه بداية النهاية، وفيها ما فيها من الآلام والمصائب والمشاق إلا أن الله جل وعلا قد جعل لطائفةٍ من عباده اختصارًا سهلًا، وإيجازًا لذيذًا يختصر رحلة الحياة كلها، ويختصر عملية الموت بأكملها ألا وهو الجهاد في سبيل الله في حال الشهادة التي تختصر عملية الموت، وخروج الروح من أطراف القدمين إلى أطراف الأنف بقرصةٍ، لا يجد الشهيد من آلام الموت إلا كما يجد أحدكم ألم القرصة، لأنه مات شهيدًا في سبيل الله فأعانه الله وثبته ويسر ميتته.

1 / 5

الحديث عن الجهاد والرباط

1 / 6

سبب الحديث عن الجهاد
أيها الأحبة! لماذا نتحدث عن الجهاد؟ ولماذا نتحدث عن الرباط؟ ولماذا نتحدث عن الشهادة؟ لأن أمة الإسلام في هذه الزمان ذاقت ألوانًا من الذل والهوان لا يعلمها إلا الله، بعد أن كانت حاكمةً أصبحت محكومة، وبعد أن كانت مسيطرةً أصبحت مسيطرًا عليها، وبعد أن كانت آمرةً ناهية أصبحت مأمورةً منهية، وما ذاك إلا لترك الجهاد، ما ترك قومٌ الجهاد إلا ذلوا، وبينه ﷺ: (إذا تبعتم أذناب البقر، وتبايعتم بالعينة، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد؛ سلط الله عليكم ذلًا لا يرفعه عنكم حتى تراجعوا دينكم) فإن الذلة قد كتبت على أمة المؤمنين ما لم يعودوا إلى الجهاد في سبيل الله، وما لم يكن كل واحدٍ منكم يُحدث نفسه أن يقدم واحدًا من أبنائه، يراق دمه، وتُقطع أشلاؤه قربانًا لدين الله.
حق على الأيام ألا تهزموا النصر ينبت حيث يرويه الدم

1 / 7

مؤهلات الشهيد عند ربه
والدماء شأنها في قضايا المسلمين عجيبة!! ما رأينا قضية للمسلمين نضجت وأثمرت وأينعت، وقطف المجتنون ثمارها إلا يوم سقيت بالدماء، ورحم الله سيد قطب يوم أن قال: إن كلماتنا وعباراتنا تبقى جوفاء هامدةً لا حراك لها حتى نسقيها من دمائنا.
ووالله إننا لنتمنى أن يبسط الله لنا في الذرية والولد، ونسأل الله ألا يحرمنا هذا الأجر أيضًا لكي نبذل من أولادنا مجاهدين يموتون في سبيل الله، ولعل الله بمنه وكرمه أن يختارنا من الشهداء في سبيله، لماذا نخشى الموت في سبيل الله والموت ساعةٌ لا تتقدم أو تتأخر؟ لو قلنا لأحدنا: سيموت فلان بن فلان غدًا الساعة العاشرة صباحًا، فما الفرق بين أن يموت على السرير الأبيض تحت أجهزة الإنعاش، ومساعدة التنفس، وضربات القلب، وأن يموت في لحظة غبار المعركة فيها طائر، وصليل السيوف فيها ملتهب، وأصوات القنابل والمدافع فيها يتأجج؟ تلك الميتة التي على السرير الأبيض ميتة طويلة، وأحوال ضعفٍ وهوان.
وأما ميتة الشهادة في سبيل الله في المعركة فتطير الروح إلى باريها، تبقى معلقةً في أجواف طير خُضرٍ في قناديل الجنة تأوي من غُصنٍ إلى غصن، ومن فننٍ إلى فنن، فمن ذا يا عباد الله يحرم نفسه هذه الميتة؟!
إذا غامرت في شرفٍ مرومٍ فلا تقنع بما دون النجوم
فطعم الموت في أمرٍ حقيرٍ كطعم الموت في أمرٍ عظيم
يقول قطري بن الفجاءة وهو من شعراء الخوارج وهم على باطلٍ عجيب يقول يخاطب نفسه:
أقول لها وقد طارت شعاعًا من الأبطال ويحك لن تراعي
فإنك لو سألت بقاء يومٍ على الأجل الذي لك لم تُطاعي
فصبرًا في مجال الموت صبرًا فما نيل الخلود بمستطاع
ويقول عبد الله بن رواحة:
لكنني أسأل الرحمن مغفرةً وطعنةً ذات فرغٍ تقذف الزبدا
وضربة بيدي حران مجهزةٍ بحربةٍ تنفذ الأحشاء والكبدا
حتى يقال إذا مروا على جدثي يا أرشد الله من غازٍ وقد رشدا
يسأل ربه أن تكون ميتةً يتفنن فيها، يتفنن في نوع الميتة، قال:
لكنني أسأل الرحمن مغفرةً وطعنةً ذات فرغٍ تقذف الزبدا
أي: يقول: أريد الدم أن يفور من بدني فورانًا عجيبًا.
وضربة بيدي حران؛ برجلٍ مجهز، برجلٍ يريد أن يشفي غليله، بيدي حران مجهزةٍ؛ بحربةٍ حادةٍ، مسنونةٍ نافذةٍ من أجل أن تُخرج الأحشاء والكبدا، حتى يقول: يا رب! هذه شهادتي، إذا أراد الناس منصبًا أو منزلًا أو وظيفة فماذا يقولون؟ يقولون: مؤهلاتنا ماجستير، مؤهلاتنا دكتوراه، فيقال: ادخل، أنت عندك دكتوراه تفضل، أنت عندك ماجستير تفضل، أنت عندك بكالوريوس أو ثانوية عامة تفضل، بحسب مؤهلك تدخل، لكن مؤهلات المجاهدين لدخول الجنة يقول: يا رب! هذه مؤهلاتي، يأتي يوم القيامة بمؤهله الدم والجرح، اللون لون دم والريح ريح مسك، هذه مؤهلات المجاهدين التي بها يُؤمّنون من فتان القبر، ويلبسون حلل الوقار والمنزلة العظيمة، ويُشفعون في سبعين من أهل بيتهم.

1 / 8

مؤهلات تنتصر بها الأمة على أعدائها
أيها الأحبة! إن أمة الإسلام يوم أن أصبحت تخاف الموت أصابها ما أصابها من الذُل، وقد كنا فيما مضى يقول قائلنا:
لنا فرسٌ لم تنجب الخيل مثلها فتحنا بها الدنيا يقال لها الردى
هذه مؤهلات الأمة التي جعلت الأعداء والحضارات التي سادت مئات السنين وقرونًا متوالية تتهاوى أمام سيوفهم القصيرة المثلمة، وخيلهم الهزيلة، وثيابهم البالية المرقعة، لما أرسل قائد المسلمين رسوله يفاوض رستم، قال: ماذا تريدون منا؟ قال: ندعوكم إلى دين الله جل وعلا، وترك عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.
قال: فإن لم نجبكم؟ قال: تعطون الجزية عن يدٍ وأنتم صاغرون.
قال: فإن لم نفعل؟ قال: فقد جئناكم بقومٍ يحبون الموت كما تحبون الحياة، هذا الأمر الذي كان يروع أعداء المسلمين من الكافرين، هذا الأمر الذي روع الكفار جميعًا عربهم وعجمهم، بعض الناس يتوقع أننا حينما نتكلم عن الكفر نتكلم عن العجم.
الكفر ملة واحدة، واللغة لا تغير في الكفر شيئًا، فإن كان كُفرًا بعثيًا أو غيره فكله كفر، والكفر ملةٌ واحدة عربه وعجمه.
فيا أيها الأحبة! لما ضاعت من نفوس المسلمين هذه المعاني العظيمة أصبح الأعداء يفاوضون عليهم بحبهم بالدنيا، بملذات الدنيا ونعيمها، ومن أجل هذا أصاب الأمة ما أصابها من الذلة ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! كان الصحابة يعدون الكلام في الموت مسألة انتهى أوانها، يقول علي بن أبي طالب:
أي يومي من الموت أفر يوم لا قُدِّر أم يوم قُدِر
يوم لا قُدِّر لا أرهبه ومن المقدور لا يغني الحذر
فما الذي يجعل الأمة بهذه الذلة أو هذا الخوف؟! نخاف من الموت في يومٍ ما قُدر فيه!! لن يأتي، ونخاف من الموت في يومٍ قدر فيه!! قدر الله نافذ: ﴿إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [يونس:٤٩].

1 / 9

صور إيمانية عظيمة

1 / 10