وقد يحتج له بقول ابن مسعود كان النبي ﷺ يجلس في التشهد الأول كأنه على الرضف (١). وكأن مالكًا قاسه في أحد قوليه على التشهد الثاني وأجاز فيه الدعاء. وقد فرق بينهما بأن الجلوس الثاني قد كملت فيه الصلاة فيجلس (٢) جلسة مطمئن يحسن فيه الدعاء. وهو في الجلسة الأولى غير مطمئن؛ لأنه متشوف للإتيان بما بقي عليه فلم يحسن الدعاء.
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: اختلف الناس في التشهد الآخر والجلوس له. فقال مالك ليس بواجبين. وروي ذلك عن علي ﵁.
وقال الشافعي هما واجبان وروي ذلك عن عمر وابنه ﵄. وقد روى أبو مصعب عن مالك إيجاب التشهد الآخر. فالجلوس على هذا يجب كما قال الشافعي. وقال أبو حنيفة الجلوس بقدر التشهد واجب والتشهد في نفسه غير واجب. فأما مالك وأبو حنيفة فيحتجان على سقوط وجوب التشهد لأن النبي ﷺ لم يعلمه للأعرابي. ولو كان واجبًا لعلمه إياه. ولأن الأذكار المفعولة في الأركان كالركوع والسجود واجبة. فكذلك الذكر المفعول في التشهد. وقوإنفصل عن هذا القياس بأن القعود (٣) لما كان يقع عادة وعبادة، فميز بين العادة والعبادة بإيجاب الذكر فيه. ألا ترى أن القيام لما كان عادة وعبادة ميزت العبادة عن العادة بإيجاب الذكر وهو القرآن. والركوع والسجود لا يقعان عادة. فلهذا لم يجب الذكر فيهما. فإذا سقط وجوب التشهد بما احتججنا به لمالك وأبي حنيفة. اعتبر مالك الجلوس بالتشهد لأنه إنما يراد له. فإذا سقط وجوب التشهد المراد سقط وجوب الجلوس الذي إنما يراد له. ولم يعتبر أبو حنيفة الجلوس بالتشهد كما قال مالك: بل قال بوجوبه خاصة لفعل النبي ﷺ له. ولم يقم دليل على سقوط وجوبه كما قيل في التشهد. ويعتمد أيضًا على قوله لعبد الله بن مسعود: فإذا رفعت رأسك من السجود وقعدت قدر
(١) عارضة الأحوذي ج ١ ص ١٦١. حسنه الترمذي وصححه ابن العربي. ورواه أبو داود والنسائي وأحمد.
(٢) فجلسته.
(٣) بالقعود -و-.