يباح في الحضر للمشقة كالجمع في المطر. وترك استقبال القبلة لا يباح مع الإمكان في الحضر على حال من الأحوال. فلما كان للحضر مدخل في جواز الجمع أبيح الجمع في السفر القصير لأن أقصى مراتبه أن يكون كالحضر. ولما كان ترك استقبال القبلة مع الإمكان لا مدخل للحضر فيه لم يكن للسفر القصير فيه مدخل مع أن الجمع بين الصلاتين لا يوقع في فعل الصلاة في غير وقتها الذي هـ واجب اعتباره. فسومح به في السفر القصير. ولما كانت المسامحة بالصلاة على الدابة في السفر القصير توقع في تر استقبال القبلة الذي يجب اعتباره لم تصح المسامحة به.
والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: أما التنفل في السفينة حيث ما توجهت به ففيه قولان: الجواز قياسًا على الدابة. والمنع. لأن التوجه إلى القبلة يمكن لكون الراكب فيها يحكم نفسه. والدابة لا يمكنه ذلك فيها. فعفي له عن ذلك في الدابة لتعذر الإمكان، ولم يعف له في السفينة لوجود الإمكان.
والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: اختلف الناس في الصلاة في الكعبة. فذهب الشافعي إلى الجواز على الإطلاق. وذهب الطبري إلى المنع على الإطلاق. وفصل مالك فمنع الفرائض والسنن وأجاز النوافل. فللشافعي ما روي أنه ﷺ صلى في الكعبة (١) وهو ﷺ وإن كان متنفلًا فلا فرق بين الفرض والنافل في وجوب استقبال القبلة للحاضر. وللطبري قوله تعالى: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (٢) وشطره إن كان بمعنى قصده ونحوه وقبالته، فمن صلى داخل الكعبة لم يصل نحو الكعبة وقصدها وقبالتها. وأيضًا فقد صلى النبي (٣) ﵇ خارج الكعبة وقال هذه القبلة (٤). وأيضًا فإن التكليف إنما يتصور إذا كان فيه معنى الابتلاء بأن يؤثر المكلف رضا الله سبحانه على اختياره وهواه.
وينصرف عن معصية الله إلى تمكنه إلى طاعته. ومن كان خارج الكعبة فهذا
(١) أخرجه مالك والبخاري ومسلم وغيره. إرواء الغليل ج ١ ص ٣٢٠.
(٢) سورة البقرة، الآية: ١٥٠.
(٣) فقد صلى ﷺ -ح-.
(٤) رواه البخاري ومسلم. الهداية في تخريج أحاديث البداية ج ٢ ص ٣٨٩.