يا رسول الله عندنا شراب يصنع من العسل يقال له البتع وشراب يصنع من الذرة يقال له المزر؟ قال: -وكان قد أوتى جوامع الكلم- فقال: "كل مسكر حرام" فأجابهم ﷺ بقضية كلية بين بها أن كل ما يسكر فهو محرم وبين أيضا أن كل ما يسكر فهو خمر.
وهاتان قضيتان كليتان صادقتان متطابقتان العلم بأيهما كان يوجب العلم بتحريم كل مسكر إذ ليس العلم بتحريم كل مسكر متوقفا على العلم بهما جميعا.
فان من علم أن النبي ﷺ قال: "كل مسكر حرام " وهو من المؤمنين به علم أن النبيذ المسكر حرام ولكن قد يحصل له الشك هل أراد القدر المسكر أو أراد جنس المسكر وهذا شك في مدلول قوله فإذا علم مراده ﷺ علم المطلوب.
وكذلك إذا علم أن النبيذ خمر والعلم بهذا أو كد في التحريم فان من يحلل النبيذ المتنازع فيه لا يسميه خمرا فإذا علم بالنص أن كل مسكر خمر كان هذا وحده دليلا على تحريم كل مسكر عند أهل الإيمان الذين يعلمون أن الخمر محرم وأما من لم يعلم تحريم الخمر لكونه لم يؤمن بالرسول فهذا لا يستدل بنصه.
وإن علم أن محمدا رسول الله لكن لم يعلم أنه حرم الخمر فهذا لا ينفعه قوله كل مسكر خمر بل ينفعه قوله كل مسكر حرام وحينئذ يعلم بهذا تحريم الخمر لأن الخرم والمسكر اسمان لمسمى واحد عند الشارع وهما متلازمان عنده في العموم والخصوص عند جمهور العلماء الذين يحرمون كل مسكر.
وليس المقصود هنا الكلام في تقرير المسألة الشرعية بل التنبيه على التمثيل فان
1 / 112
مقدمة
المقام الأول: المقام السلبي في الحدود والتصورات (في قولهم: أن التصورات غير البديهية لا تنال إلا بالحد)
المقام الثاني: المقام الإيجابي في الحدود والتصورات (وهو أنه هل يمكن تصور الأشياء بالحدود)
المقام الثالث: المقام السلبي في الأقيسة والتصديقات في قولهم "إنه لا يعلم شيء من التصديقات إلا بالقياس"
المقام الرابع: في قولهم أن القياس يفيد العلم بالتصديقات