কিশর ফাসর

قشر الفسر

সম্পাদক

الدكتور عبد العزيز بن ناصر المانع

প্রকাশক

مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية

সংস্করণ

الأولى

প্রকাশনার বছর

١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م

প্রকাশনার স্থান

الرياض

بسم الله الرحمن الرحيم
توكلت على الله، والحمد لله خير ما افتتح به الكلام وأختتم. وصلى الله على محمد وآله وسلم. قال الشيخ العميد أبو سهل محمد بن الحسن بن علي، ﵁، أما بعد: فإني رأيت أكثر أهل العصر المتحلين بالأدب والمنتمين إليه والشائمين برقه والحائمين حواليه غورًا ونجدًا وقربًا وبعدًا، مقبلين على ديوان أبي الطيب أحمد بن الحسن المتنبي متناظرين عليه متجاذبين طرفيه متخاصمين فيه متوسمين لمعانيه، كما قال هو:
أنامُ ملَء جُفوني عن شواردِها ... ويَسهرُ الخَلْقُ جَرَّاها ويختصمُ
فالشادي يتقلب نحوه بأنفاسه، والمتوجه يبذل كنه الوسع في اقتباسه، والمدرس الماهر قاصر عن ظاهر روايته فكيف عن الغوص على جواهره؟ وكان من الاتفاق أن حفظت في الصبا ديوانه، فقرأته على أبي جعفر محمد بن محمد بن الخليل، وكان يرويه عن علوي عن المتنبي بمعانيه وأغراضه، وذاكرت به حينًا من الدهر من لاقيت من أدباء ذلك العصر، ثم ترامت بي الأحوال إلى (غزنة) ولقيت بها أبا عبد الله الحسين بن إسماعيل التوزي، وكان يحفظه ظاهرًا، ويقوم

1 / 3

بكثير من معانيه مذاكرًا ومناظرًا، ويروي عن المتنبي (العميديات) من ديوانه قراءة عليه بالأهواز، وقرأته عليه به (غزنة) ضابطًا لروايته وحافظًا ما أودعته من معاني أبياته، وكان بيني وبينه معرفة ومودة قبلها بديار (خراسان)، ثم لم أزل أباحث عنه الفضلاء، الفاحص الأدباء، وأطارحه العلماء به والخبراء، وأتأمل ما أجده من الشرح له والتعاليق فيه، فألفيت شرح عقيل لا يلائم العقول، ولا يوافق المروي عنه والمنقول، وشرح الأبيوردي لا يؤبه له ولا يعبأ به، وبعض تعاليق الخوارزمي وتآليف المعتوه البلخي الذي يعرف بالتميمي تميمة لديوانه عن العيون وعوذة له عن سوء الظن، ووجدت كتاب الفسر لأبي الفتح عثمان بن جني، ﵀ النهاية في الإيضاح لإعرابه ولغاته والدلالة بالشواهد على صحة عباراته، فعنيت بتبيين ما يحويه والنظر فيه فعثرت على عثرات في رواياته ومعانيه لا تقال، ولا يطلق بأمثالها اللسان ولا تقال، ويضيق نطاق الإغضاء عن احتمالها، ولا يسع العارف بها الرضا بإغفالها، وكنت أحيانًا أفاتح منها بالشيء بعد الشيء بعض

1 / 4

الأصحاب منبهًا على فساده ومعقبًا له بالمعنى الصحيح السافر عن مراده، ومقيمًا عليهما الحجج الواضحة التي تثني الجاحد عن جحوده، وتصرف المعاند عن عناده لأفهم إلا أن يبتلى بطبع طبع وقريحة قريحة وذهن عليل وخاطر كليل،
لا يفهم التعريف إلا من ألسنة النعال ولا يحسن التثقيف إلا من جانب القذال، فما زالوا بي حتى تصفحت أبيات الفسر لمعانيها، وضربت بالحجة على كل معنى فاسد فيها، ثم بينت صحيحها وأظهرت (ما) فيها، ولم أتعرض لغيرها خلا أبياتًا قليلة القيمة لقصة فيها ظريفة أو نكتة خفيفة، فإن ساعد العمر عطفت على ما أعرض عنه من أبياته فشرحته، وأوضحته كيلا يبقى بيننا له بيت غير مشروح ولا غلق من معانيه غير مفتوح، والله تعالى الموفق للصواب والعمل الثواب، فما التوفيق إلا بالله عليه أتوكل، وإليه أنيب.

1 / 5

قافيةُ الهمزة
قال المتنبي على قافية الهمزة:
(القلبُ أعلمُ يا عذولُ بدائهِ ... وأحقُّ منكَ بجفنهِ وبمائهِ)
فسره أبو الفتح، فقال: أي يصرف الدمع إلى حيث يريد، لأنه مالكه، والهاء في (مائه) تعود على الجفن، ويجوز أن يصرف إلى القلب، وفيه بُعد.
قال الشيخ: هو عندي مشوب الصواب بغيره، لأنه يقول: القلبُ أعلمُ منكَ بدائهِ، وإذا كان أعلم بدائه كان أعلم بعلاجه ودوائه، وهو البكاء الذي يخفف وطأة الأحزان عن القلوب، ويفثأ لوعة الشوق والنزاع إلى المحبوب، فمالك تصده عما فيه شفاؤه بعذلك، فترده عن تعاطيه بجهلك؟ ويوضح هذا المعنى قوله بعده:
(. . . . . . . . . . . . . . . ... وأحقُّ منكَ بجفنهِ وبمائهِ)

1 / 6

والطبيب مل لم يقف على الداء لم يُصب في العلاج والدواء، ولو أراد به أنه يصرف الدمع إلى حيث يريد لقال: أملك يا عذول لدمعه، والهاء في (مائه) تعود على الجفن لا غير، ولا وجه لصرفها إلى القلب في المعنى، والجفن حائل من القلب وإناء، وإن كان جائزًا في العربية، وكان ينظر إلى بيت أبي تمام:
لا تسقني ماَء الملامِ فإنَّني ... صَبٌّ قدِ استعذبتُ ماَء بُكائي
(ما الخِلُّ إلاَّ مَنْ أوَدُّ بقلبهِ ... وَأَرى بطَرفِ لا يرى بسِوائِهِ)
قال أبو الفتح: أي ليس لك خليل إلا نفسك، فلا تلتفت إلى قول أحد، قال: إنني خليلك، أي: قد فسد الناس، كقوله:

1 / 7

خليلُكَ أنتَ لا من قلتَ خِلِّي ... وإن كَثُرَ التَّجمُّلُ والكلامُ
ويجوز أن يكون المعنى: ما الخل إلا من لا فرق بيني وبينه، فإذا وددت فكأني بقلبه أود، وإذا رأيت فكأني بطرفه أرى، أي: إنما يستحق أن أسميه خلًا من كان كذا.
قال الشيخ: وهذا أيضًا مشوب عندي، لأن الفصل من شرحه الأول يبين البيت، ولا يلائمه، فإن قوله:
(ما الخِلُّ إلاَّ مَنْ أوَدُّ بقلبهِ ... . . . . . . . . . . . . . . .)
غيره بلا خلاف.
وقوله: خليلك أنت. . .
نفس المخاطب بلا دفاع، وشتان ما هما، والفصل الثاني أقرب إلى المعنى، وإن كان قاصرًا عن أدائه بجميع أجزائه، فإنه يقول: ما الخل إلا من أود لا فرق بيني وبينه كما فسره غير أنه يريد: ما الخل إلا من يكون باطنه باطني وظاهره ظاهري، فإذا وددت شيئًا فقلبه يوده، وإذا رأيت شيئًا فطرفه يراه ولا يرده، إغراقًا في الوداد وغلوًا في المصافاة والاتحاد وموافقات في نظرات العين وخطرات الفؤاد، والإنسان إذا وافق صديقه بقلبه وفاقًا صادقًا كانت الحواس الخمس التي هي جواسيسه وخدمه تبعًا له في وفاقه ومددًا لمراده في رفاقه. وتمام المعنى أنه يود بقلبه وهو يرى بطرفه، وإذا كان يرى بطرفه، فهو أيضًا يود بقلبه، فإن سبب الود نظر العين، ألا ترى إلى قوله؟
ومَا هيَ إلاَّ نظرةٌ بعدَ نظرةٍ ... إذا نزلت في قلبهِ رحَلَ العَقلُ
وقوله:
يا نظرةً نفتِ الرُّقادَ وغادرت ... في حَدَّ قلبي ما حييتُ فُلولا
كانت منَ الكحلاءِ سُؤلي إنَّما ... أجَلِي تمثَّل في فؤاديَ سُولا

1 / 8

وقوله:
فلو طُرحَت قلوبُ العشقِ فيها ... لما خافت منَ الحَدَقِ الحِسانِ
وقوله، وإن كان في غير الحب:
كَأنِّي عَصَت مُقلتي فيكم ... وَكاتَمتِ القلبَ ما تُبصِرُ
وكأن الجميع ينظر إلى قول الأول:
إنَّ لِلَّهِ في العبادِ منايا ... سَلَّطتها على القُلوبِ العَيونُ
(إنَّ المُعينَ على الصَّبابةِ بالأسَى ... أَولى برحمةِ رَبُها وإِخائِه)
قال أبو الفتح: أي إن المعين على الصب، أي: ذي الصبابة، بالأسى أولى بأن يرحمه ويكون أخاه، إما لأنه هو الذي جنى عليه ما جنى، وإما لأنه هو أعرف الناس بدوائه وأطبهم بدائه، ويجوز أيضًا أن يكون له قوله على الصبابة، أي: مع ما أنا فيه من الصبابة وهذا القول أكشف من الأول، أي: لا معونة لي عنده إلا إيراده عليّ الأسى والحزن، كقولهم:

1 / 9

عتابك السيف، أي: لا عتاب عندك لكن السيف.
قال الشيخ: هذا الشرح أحوج عندي من بيت المتنبي إلى الشرح، ولست أعرف بقوله: وإما لأنه أعرف الناس بدوائه وأطبهم بدائه معنى وفائدة إلى أخر تفسيره لهذا البيت، والشاعر لا يقصد ببيت يقوله غير معنى واحد فما يزاد عليه يدل على الجهل بمراده في إصداره وإيراده عنه. وعندي أن معنى البيت: كف العذل والملامة عن نفسه كيلا يزيد في حزنه وبثه، فيقول: إن المعين على الشوق الذي يؤذيه بالعذل، وهو أسى المشوق أولى بأن يرحمه ويؤاخيه، ويؤيده، قوله بعده:
(مَهلًا فإِنَّ العَذْلَ منْ أسقامهِ ... وَتَرَفُّقًا فَالسَّمْعُ مِن أَعضائهِ)
وهذا قريب من قول ابن الرومي:
فَدَعِ المُحِبَّ منَ الملامةِ إِنَّها ... بئسَ الدَّواَء لموجَعٍ مِقلاقِ
لا تُطفِئنَّ جوىَّ بلومٍ إنَّهُ ... كالرِّيحِ تُغري النَّارّ بالإِحراقِ
وما أكثر ما قيل في هذا المعنى، كقول الحسن بن هانئ، وإن لم يكن في العشق:
دَع عَنَكَ لومي فإنّ اللَّومَ إِغراءُ ... . . . . . . . . . . . . . . .

1 / 10

وكقول أبي فراس:
اللَّومُ للعاشقينَ لُومُ ... لأنَّ خَطبَ الهوى عظيمُ
في نظائر لها تضيق عنها صدور الصحف، ولا تسعها بطون الكتب.
(مَهلًا فَإنَّ العذلَ منْ أسقامهِ ... وترفُّقًا فالسَّمعُ من أعضائهِ)
قال أبو الفتح: أي أرفق برب هذه الصبابة يعني نفسه، فإن العذل أحد أسقامه، وترفق به لأنه كثير الأسقام، فعذلك أحد أسقامه، وترفق به فإن السمع من أعضائه، أي: لا تعنف عليه بالعذل، فيذهب سمعه في جملة أعضائه الذاهبة، فإنك إن لم ترفق به ذهب سمعه، ولم
يسمع لك عذلًا.
قال الشيخ: هذا المعنى عندي مدخول، لأن العذل ليس من جنس الأسقام والسمع غير ذاهب بالعذل، ولم يسمع ذهاب سمع به، ولا أحد قاله. وعندي: أنه يكفه عن العذل، ويقول: لا تعذله، فإن العذل من ضروب أسقامه التي تحل به وتؤلمه، والسمع من أعضائه التي تؤلم السقم، فكما أن الصداع يؤلم رأسه، والرمد يؤلم عينه، فكذلك سائر أعضائه في سائر الأجسام تؤلمها سائر الأسقام.

1 / 11

(فَأتيتَ مِن فوقِ الزَّمانِ وتحتهِ ... مُتَصلْصِلًا وأمامهِ وورائِهِ)
قال أبو الفتح: أي أحطت بالزمان الذي هو أم النوائب، ولم تعبأ بالنوائب.
قال الشيخ: الملوك لا تُمدح بأن لا تعبأ بالنوائب، سيما إذا كان المادح مثل المتنبي والممدوح مثل سيف الدولة، وعندي يقول: فأتيت الزمان ضابطًا وباهرًا وقاهرًا له من جوانبه علوًا وسُفلًا وأمامًا ووراء، حتى لم يتفرغ عن الشغل بنفسه إلى إنشاء النوائب لأهله، فانقطعت عني وعن غيري.
وقال في قصيدة أولها:
(أَمِنَ ازديارَكِ في الدُّجى الرُّقباءُ ... . . . . . . . . . . . . . . .)
(أسَفي على أسَفي الذي دلَّهْتِني ... عن علمِهِ فبهِ عَليَّ خَفاءُ)

1 / 12