حدثني أبو الحسين ، قال : سمعت أبا الحسن علي بن الحسن ، الكاتب المعروف بابن الماشطة ، وكان يتقلد قديما العمالات ، ثم صار من شيوخ الكتاب ، وتقلد في أيام حامد بن العباس ، ديوان بيت المال ، قال : سمعت أبا الفضل ، وهو يحكي عن أبيه ، وهو ابن الفضل بن مروان ، قال : كان في نفس الواثق ، على محمد بن عبد الملك الزيات ، العظائم ، مما كان يعامله به في أيام أبيه . فمن ذلك : أن المعلم شكا إلى المعتصم ، أن الواثق لا يتعلم ، فإذا طالبه بذلك ، شتمه ، ووثب عليه ، فأمر المعتصم محمدا ، بأن يضرب الواثق أربعة مقارع . فخرج محمد ، واستدعى الواثق ، وضربه ثلاث عشرة مقرعة ، حتى مرض . فلما عرف أبوه الخبر ، أنكر ذلك ، وحلف للواثق ، أنه ما أمر محمدا ، إلا أن يضربه أربع مقارع ، فأخفاها في نفسه ، فكان يبغضه . وعلم محمد بذلك ، فكان يقصده في ضياعه وأملاكه ، لما ترعرع وصار أميرا . فوقع المعتصم يوما ، أن يقطع الواثق ، ما ارتفاعه ألف ألف درهم ، فمحاها محمد ، وكتب : ما قيمته ألف ألف درهم . فلما دخل إليه الخادم ، وعرفه ما عمله محمد ، وثب إلى أبيه ، وعرفه ذلك ، وعرض التوقيع عليه . فقال له المعتصم : ما أغير ما وقعت به ، وما أرى في التوقيع إصلاحا ، وكان محمد قد أجاد محوه . وعلم المعتصم ، أن رأي محمد في الاقتصاد ، أصلح ، فبطل ما كان يريده الواثق ، وانصرف . فقال للخادم : قد تم علي من هذا الكلب ، كل مكروه ، فإن أفضت الخلافة إلي ، فقتلني الله إن لم أقتله . ثم قال له : أنت خادمي ، وثقتي ، فإن أفضى هذا الأمر إلي فاقتله ساعة أخاطب بالخلافة ، ولا تشاورني ، وجئني برأسه . قال : فمضت الأيام ، وتقلد الواثق ، فحضر الدار في أول يوم ، محمد ابن عبد الملك ' 5 ' ، مع الكتاب . فتقدم الواثق إلى الكتاب دونه ، بأن يكتب كل منهم نسخة ، بخبر وفاة المعتصم ، وتقلده الخلافة ، فكتبوا بأسرهم ، وعرضوا ذلك عليه ، فلم يرضه . فقال لمحمد : اكتب أنت . فكتب في الحال ، بلا نسخة ، كتابا حسنا ، وعرضه ، فاستحسنه ، وأمر بتحرير الكتب عليه . ولم يبرح من حضرته ، حتى أقره على الوزارة ، وخرج من بين يديه ، والناس كلهم خلفه . قال الخادم : فعجبت من ذلك ، وقلت : تراه أنسي ما كان أمرني به ؟ لم لا أستأذنه في ذلك ، وأذكره به ؟ فتقدمت إليه لما خلا ، وأذكرته الحديث ، واستأذنته ، فقال : ويحك ، السلطان إلى محمد بن عبد الملك ، أحوج من محمد إلى سلطان ، دعه . قال : فرقاه الواثق إلى ما لم يرقه إليه المعتصم . قال الفضل بن مروان : ولا نعلم وزيرا ، وزر وزارة واحدة ، بلا صرف لثلاثة خلفاء متسقين ، غير محمد بن عبد الملك .
পৃষ্ঠা ২৫৬