قال : وحدثني شيوخنا : أن محمد بن سليمان بن علي الهاشمي ، كان في ضيعته التي يقال لها : المحدثة ، خارج البصرة ، جالسا في مجلس على بستان ، وفي بعض زوايا البستان ، إجانة صيني كبيرة ، مملوءة غالية . فدخل إليه قوم من العامة ، في حاجة لهم ، وكان أحدهم ، خسيس الحال ، فلما رأى الغالية ، سرق منها شيئا كثيرا ، اغترفه ملء كفه ، فوضعه على رأسه وأطبق عمامته عليه ، وأطال القوم الجلوس ، وهو معهم ، فلما قاموا ، قام معهم ، فلم يبصر ، فقال : خذوا بيدي فقد عميت . فاغتم محمد بن سليمان ، لذلك ، وجاء بطبيب في الحال ، وقال : ما دهاك ! فلم يصدقه . فأمر الطبيب بكشف رأسه ، فرأى الغالية ، فصب عليها الماء البارد ، حتى لم يبق لها أثر ، ثم طلاه بالصندل والماورد ، والكافور ، وأقامه في الهواء ساعة ، فعاد بصره إلى حال الصحة ، وانصرف .
مثل من الأمانة
وحدثني ، قال : حدثني أبو الحسن محمد بن إسحاق بن عباد النجار ، وهو شيخ من وجوه التمارين بالبصرة ، طال عمره ، وحدث ، وكتبت عنه ، ولم أسمع هذه الحكاية منه ، قال : كان في جوارنا فلان ، فتصدق ليلة على ضرير اجتاز به ، وهو لا يعرفه ، فأراد أن يفتح إحدى صرتين في كمه ، في إحداهما دنانير ، وفي الأخرى دراهم ، فيعطيه درهما ، فأعطاه دينارا . وانصرف الضرير ، وهو لا يشك أن معه درهما . فبكر به إلى بقال يعامله ، فقال : خذ هذا الدرهم ، واحسب ما لك علي ، وأعطني بالباقي كذا وكذا . فقال له البقال : يا هذا ، من أين لك هذا ؟ قال : أعطانيه البارحة فلان . قال : إنه دينار ، فخذه . فأخذه الضرير ، وجاء به من الغد إلى الرجل ، وقال : إنك تصدقت علي بهذا ، وأظنك أردت أن تعطيني درهما ، وغلطت ، وما أستحل أخذه مغالطة ، فخذه . فقال له الرجل : قد وهبته لك ، وإذا كان في رأس كل شهر ، فتعال إلي ، أعطيك شيئا آخر ، مجازاة لأمانتك . وكان يجيئه في رأس كل شهر ، فيعطيه خمسة دراهم . قال : فلم أر أعجب من أمانة البقال والضرير ، ولو كان في هذا الوقت ، لجرى الأمر بضد ذلك .
পৃষ্ঠা ১০২