وحدثني أبي ، قال : كان عندنا بجبل أنطاكية ، المعروف بجبل اللكام ، رجل يتعبد ، يقال له : أبو عبد الله المزابلي . وسمي بذلك ، لأنه كان بالليل يدخل إلى البلد ، فيتتبع المزابل ، فيأخذ ما يجده فيها ، فيغسله ، ويقات به ، لا يعرف قوتا غير ذلك ، وأن يتوغل في جبل اللكام ، فيأكل من الأثمار المباحة فيه . وكان صالحا مجتهدا ، إلا أنه كان حشويا ، غير وافر العقل ، وكانت له سوق عظيمة في العامة بأنطاكية . وكان بها موسى بن الزكوري صاحب المجون والسفه في شعره والحماقات وكان له جار يغشى المزابلي . فجرى بين موسى بن الزكوري ، وجاره ذاك شر ، فشكاه إلى المزابلي فلعنه المزابلي في دعائه ، وكان الناس يقصدونه في كل يوم جمعة غدوة ، فيتكلم عليهم ويدعو . فلما سمعوا لعنه لابن الزكوري ، جاء الناس إلى داره أرسالا لقتله ، فهرب ، ونهبت داره ، وطلبته العامة فاستر . فلما طال استتاره ، قال : إني سأحتال على المزابلي بحيلة أتخلص منه بها ، فأعيوني ، فقلت : ما تريد ؟ فقال : أعطوني ثوبا جديدا ، وشيئا من الند والمسك ، ومجمرة ، ونارا وغلمانا يؤنسوني الليل في الطريق إلى الجبل . قال أبي : فأعطيته ذلك كله . فلما كان في نصف الليل ، مضى ، وخرج الغلمان معه إلى الجبل ، حتى صعد فوق الكهف الذي يأوي إليه المزابلي ، فبخر بالند والمسك ، فدخلت الريح إلى كهف أبي عبد الله ، وصاح بحلق عظيم : يا أبا عبد الله المزابلي . فلما شم تلك الرائحة ، وسمع الصوت ، أنكرهما . فقال ما لك عافاك الله ، ومن أنت ؟ فقال ابن الزكوري : أنا الروح الأمين جبريل ، رسول رب العالمين ، أرسلني إليك . فلم يشك المزابلي في صدق القول ، فأجهش بالبكاء والدعاء ، وقال : يا جبريل ، من أنا حتى يرسلك رب العلمين إلي . فقال : الرحمن يقرؤك السلام ، ويقول لك موسى بن الزكوري غدا رفيقك في الجنة . فصعق أبو عبد الله ، وسمع صوت الثياب ، وقد كان خرج فرأى بياضها ، فتركه موسى ورجع . فلما كان من الغد ، كان يوم جمعة ، فأقبل المزابلي يخبر الناس برسالة جبريل ، ويقول : تمسحوا بابن الزكوري ، واسألوه أن يجعلني في حل ، واطلبوه لي . فأقبل العامة أرسالا إلى دار ابن الزكوري ، يطلبونه ليتمسحوا به ويستحلوه للمزابلي ، وأمن على نفسه .
পৃষ্ঠা ৬০