حدثنا أبو العباس هبة الله بن المنجم ، قال : سمعت أبا عبد الله الموسوي العلوي ، يقول : قصدني أبو جعفر محمد بن يحيى بن شيرزاد في أيام تدبيره الأمر ، قصدا قبيحا ، وعمل لي كتابة مؤامرة في خراجاتي ، بمائة ألف درهم ، أكثرها واجب علي ، وباقيها كالواجب . وأحضرني للمناظرة عليها ، فاعتقلني في داره . فضقت ذرعا بما نزل بي ، وعلمت أن المال سيؤخذ مني إذا نوظرت ، وأنه يؤثر في حالي ، ويهتك جاهي ، فلم أدر ما أعمل . فشاورت بعض من يختص به ، فقال : طمعه فيك - والله - قوي ، وما ينفعك معه شيء غير المال . فقلت : فكر في حيلة أو مخادعة . ففكر ، ثم قال : لا أعرف لك دواء إلا شيئا واحدا ، أن سمحت به نفسك ، وتركت العلوية عنك ، وفعلته ، نجوت . فقلت : ما هو ؟ قال : هو رجل سمح على الطعام ، محب لأكله على مائدته ، موجب لحرمته ، وأرى لك ، إذا وضع طعامه ، أن تخرج إليه ، فإنك معه في الدار ، ولا يمنعك الموكلون من ذلك ، فتجيء بغير إذن ، فتجلس على المائدة ، وتأكل ، وتنبسط ، وتخاطبه في أمرك عقيب الأكل ، وتسأله ، وترفق به ، وتخضع له ، فإنه يسامحك بأكثرها ، ويقرب ما بينك وبينه . فشق ذلك علي ، ثم نظرت ، فإذا وزن المال أشق منه . وكان أبو جعفر ، لا يأكل إلا بعد المغرب ، في كل يوم مرة ، فلم آكل ذلك اليوم شيئا ، وراعيت مائدته ؟ ، فلما وضعت المائدة ، قمت . فقال الموكل : إلى أين ؟ قلت : إلى مائدة الوزير ، فما قدر أن يمنعني ، وجاء معي . فلما رآني أبو جعفر ، أكبر ذلك ، وتهلل وجهه ، وقال : إلى عندي يا سيدي ، إلى عندي ، وأجلسني إلى جنبه ، وأقبلت آكل ، وأنبسط في الأكل والحديث ، إلى أن رفعت المائدة ، وقام أبو جعفر ، وقمنا ، وشيلت المائدة ، واستدعاني إلى موضعه ، فغسلت يدي بحضرته . فلما فرغت ، أردت أن أبتدأه بالخطاب ، فقال لي : قد آذيتك يا سيدي أبا عبد الله بتأخيرك عن منزلك ، فامض إلى بيتك ، وما أخاطبك بشيء مما في نفسي ، ولا فيما أردت مخاطبتك فيه ، ولا مطالبة عليك من جهتي بعدما تفضلت به . فشكرته ، وقلت : إن رأى سيدنا أيده الله ، أن يتمم معروفه علي بتسليم المؤامرة إلي ، فعل . فقال : هاتموها ، فما برحت ، إلا وهي معي في خفي ، وانصرفت إلى منزلي ، وسقط المال عني . ولزمته للسلام ، وصرت أتعد مؤاكلته ، والتخصص به ، فسلمت عليه طول أيامه ، وسلم مالي وجاهي عليه ، إلى أن مضى .
পৃষ্ঠা ৫১