جرى بيني وبين أبي الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله بن الحسين ، الكاتب الأهوازي ، وهذا الرجل من معقلي الناس وفضلائهم ، عقلا ، ونبلا ، وبراعة في صناعته ، وتقدما ، وقد ولي كبار الأعمال للسلطان ، وخلف أبا عبد الله البريدي على الأهواز ، وتولاها لمعز الدولة مكان أبي عبد الله البريدي ، عقيب هربه من معز الدولة ، ثم استخلفه بعد ذلك ، أبو القاسم البريدي على البصرة ، ثم خلف أبا علي الطبري ، وأبا محمد المهلبي وكان إذ ذاك على كور الأهواز ، ثم تقلد عمالة البصرة لسباشي الحاجب الخوارزمي التركي ، ثم لمعز الدولة ، رئاسة في أيام وزارة أبي محمد المهلبي ، وحلب الدهر أشطره ، وجرب الأمور ، وسبر الزمان ، ذكر الزمان وتصرفه ، وفساد الإخوان فيه وقلة المودات ، وما بلغني عهن ابن الحسن بن الفرات ، أنه قال : جزى الله عنا من لا نعرفه ولا يعرفنا خيرا ، وأنه قال : أحصيت ما أنا فيه من المكاره ، فما وجدت منه شيئا لحقني ، إلا ممن أحسنت إليه . فقال لي أبو الحسن : هذا صحيح ، ولكن حدث عند فساد الزمان ، وإلا فالأكثر من عدد الناس ، كان قديما ، على تصرف زمانهم ، ما يعتقدونه من مودات إخوانهم ، فلما فسدت الطباع ، وتسمح الناس في شروط موداتهم ، صار الإنسان ساكنا ممن لا يعرفه ، لا يلحق به شره ، ولا يناله ضره ، وإنما يلحق الآن الضرر من المعارف ، ومن يقع عليه اسم الإخوان ، ذلك إنهم يطالبون في المودة بما لا يفعلون مثله ، فإن أسدى إليهم إحسانا عرف طبعه فهي العداوة القليلة ، وإن حفظ الإنسان ما يضيعونه أبدا حصل تحت الرق ، وإن قارضهم الأفعال ثارت العداوة ، وتواترت عليه المكارم ، هذا إذا سلم من أن يبدأك من تظنه صديقا بالشر والتجني ، والمعاملة القبيحة بالتوهم والتظني ، من غير تثبت ولا استصلاح ، فأما إذا كان ليس بينكما أكثر من المعرفة فالضرر معها بالثقة ، لأن كل مكروه يلحقك ، إذا حصلته ، كان ممن يعرفك ويقصدك به على علم بك ، فأما الضرر ممن لا تعرفه ، فبعيد جدا ، مثل لصوص يقطعون عليك الطريق ، غرضهم أخذ المال منك ، أو من غيرك ، أو ما يجري هذا المجرى ، وعلى أن أشد الضرر من اللصوص ، ما وقع عن تعيين ، وعلى معرفة بالإنسان . فمهما أمكن للعاقل أن يقل من المعارف ، واجتلاب من يسمى أخا في هذا الزمان ، فليفعل ، وليعلم أنه قد أقل من الأعداء ، وكلما استكثر منهم ، فقد استكثر من الأعداء . وكأن ابن الرومي جمع هذا المعنى ، فقال : عدوك من صديقك مستفاد . . . فلا تستكثرن من الصحاب فإن الداء أقتل ما تراه . . . يكون من الطعام أو الشراب
পৃষ্ঠা ৪১২