Muhammad in the Torah, Gospel, and Quran

محمد في التوراة والإنجيل والقرآن

প্রকাশক

دار المنار

জনগুলি
General Creed
•
অঞ্চলগুলি
ইরাক
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الكتاب: محمد في التوراة والإنجيل والقرآن
المؤلف: الشيخ / إبراهيم خليل أحمد
(من كبار علماء النصارى مَنَّ الله عليه بالإسلام)
الناشر: دار المنار - ١٤٠٩ هـ - ١٩٨٩ م
عدد الأجزاء: ١
تنبيه:
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
جَزَى اللَّهُ كَاتِبَهُ وَمَنْ تَحَمَّلَ نَفَقَةَ الْكِتَابَةِ خَيرَ الجَزَاءِ وَأَوفَاهُ.

1 / 8

تقديم للمؤلف
الحمد لله الذي هداني للإسلام دينًا قيمًا ملة إبراهيم حنيفًا، والصلاة والصلام على سدينا محمد وعلى آل بيته أجمعين ... أما بعد:
فقد نشأت نشأة دينية، وكان طبيعيًا أن خصصت حياتي وجهادي ومالي في سبيل الله مخلصًا متفانيًا ابتغاء مرضاته.
والله ﷾ قد خلق الإنسان وفضله على سائر خلقه بما حباه وكمله بنعمة العقل والقدرة على التعقل والإدراك، وكان لهذا حقًا لله سبحانه أن يخاطب الإنسان على ما يفعله إن كان خيرًا فخير، وإن شرًاَ فشر.
والله ﷾ تمكينًا للإنسان من العزة وبالعقل لم يفرض كيانه فرضًا سواء أرضى أو لم يرض، بل توخى هبته للإنسان من العقل، ومن العقل أراد أن يدخل إلى قلب الإنسان بالإيمان، لهذا قيل في الإنجيل للباحثين عن الحق: "وتعرفون الحق والحق يحرركم".
وفي هذا المعنى يقول رسول الله ﷺ: "رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم"
[رواه أحمد وابو داود والترمذي]
ويقول تعالى: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ بَلْ يتجه الله جل شلأنه إلى أُلئك الذين لم ينهموا بنعمة البصر فيستلهمهم البصيرة بقوله تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ .
وهكذا يهدي الله الإنسان إلى الطاقات العظمى لنعمة العقل لتكون أساس الإيمان.
والتاريخ شاهد صدق كل رجال من كبار اللهوتيين الذين نشدوا الحق واستبسلوا له، فهذا آريوس في القرن الثالث الميلادي الذي استبسل لعقيدته عن المسيح ﵇ بما يتقارب مع عقيدة المسلم عنه.
وذاك لوثيروس الذي نادى بالإصلاح الديني وحمل لواء الإصلاح في عزم وتصميم

1 / 9

ونادى بأن الله وحده هو الغفور الرحيم وأن البشر جميعهم سواسية أمامه لا فضل لكاهن على مواطن بالتقوى.
وفي هذا يقول نبي الله داود ﵇: "باركي يا نفسي الرب ولا تنسي كل حسناته، الذي يغفر جميع ذنوبك، الذي يشفي كل أمراضك"
بل يؤكد أن الغفران لله جل شأنه وحده فيقول: " عند كثرة همومي في داخلي تغرياتك تلذذ نفسي".
وبهذا يخلص إلى الحقيقة التي يؤمن بها المسلم والتي يوضحها قول داود ﵇: "كنت تراقب الآثام يارب يا سيد فمن يقف. لأنه عندك المغفرة لكي يخاف منك".
إذن الطريق إلى الله واضح العالم، والوصول إليه رائده المنطق والعقل، والرسالات السماوية جميعها تناشد الإنسانية ما قاله المسيح ﵇:
"الله روح والذين يسجدون له فبالروح والحق ينبغي أن يسجدوا"
وفي هذا المعنى يقول ﷾:
﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾
والذي حفزني إلى البحث بغية النفع العام هو ما تنبأ به المسيح ﵇ عن الرسول الكريم سيدنا محمد ﷺ بقوله: "الحجر الذي رفضه البناءون هو قد صار رأس الزاوية من قبل الرب كان هذا وهو عجيب في أعيننا. لذلك أقول لكم إن ملكوت الله ينزع منكم ويعطى لأمة تعمل أثماره"
ومن دواعي الاطمئنان واليقين، أن هذا السند يرتبط ارتباطًا وثيقًا بقوله تعالى:
﴿الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾
من هنا بدأت في اطمئنان ويقين تام أبحث عن هذا الرسول النبي الأمي الذي تنبأ عنه المسيح ﵇ وأشار إليه بقوله، "المسيا المنتظر"

1 / 10

ومن هنا بدأت أربط بين رأي آريوس في القرن الثالث الميلادي، وآراء لوثيروس في القرون الوسطى، والنبوءات العديدة في التوراة والإنجيل، والأنبياء والمزامير عن الرسول المصطفى حتى مكنني الله من إخراج هذا المؤلف الطيب لأمة خيرة.
وكان ما استرعى نظري عن الإعداد لهذا البحث العناصر الآتية:
١ - الوحدانية.
٢ - الغفران.
٣ - المبادئ وتقويمها بالأشخاص.
٤ - الرسالات السماوية.
١ - الوحدانية.
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾
وأخذت أتامل الوحدانية في القرآن الكريم، الأمر الذي يستطيع العالم وغير العالم فهمه واستيعابه وإدراكه والإيمان بما يتضمنه من المعاني، من غير إجهاد الفكر، أو عناء الدرس والتحصيل.
وقارنتها بالوحدانية التر وردت في إنجيل متى في الباب الأول والعدد الأخير: الآب والابن والروح القدس "إله واحد آمين" وعند دراستي النص الأصلي علمت أن هذه العبارة لم ترد في الأصل اليوناني.
هذا بالإضافة إلى بلبلة أفكار عامة الناس وحيرة جهابذة العلماء في الدفاع عن هذه العقيدة السقيمة التي كشف التاريخ عنها القناع. وأكد العلامة جارسلاف كرينى أستاذ الحفريات من جامعة أكسفورد في كتابه "ديانة قدماء المصريين" أن عقيدة التثليث مستمدة من الوثنية الفرعونية.
٢ - الغفران:
قرأت بتأمل وتقكر قوله تعالى:

1 / 11

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾
وقارنت بين هذه الآية وما ورد في الإنجيل عن الغفران: "بدون سفط دم لا تحصل مغفرة"، وبالقول: "هكذا أحب الله حتى بذل ابنه الحبيب لكيلا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية".
قارنت بين العقيدتين:
الأولى: أن رحمة الله ومغفرته تكون لعباده دون قيد أو شرط مادي.
الثانية: أنها مقيدة بقيود من جانب الله ببذل ابنه الحبيب حسبما يعتقدون، ومن جانب المرء بضرورة الإيمان بهذا الابن.
ومن هذه العقيدة نشأت فريضة كنسية تعرف بسر الأفخار ستبا، أو سر الشكر، وفيخا يؤمن المسيحي باستحالة الخبز إلى جسد المسيح، واستحالة الخمر إلى دم المسيح حقيقة، وبتناولهما تصير في حياة أبدية.
ومن هذه العقيدة نشأت صكوك الغفران، وما أدراك ما صكوك الغفران! إنها بدعة وخروج عن الحق الإلهي، وكم ندد بها زعماء الإصلاح في القرن الخامس عشر وعلى رأسهم لوثيروس الألماني ثك زوينجلي ثم كلفن وغيرهم.
فحمدت الله على رحمته الواسعة ومغفرته اليقينة بدون قيد ولا شرط مادي، بل بتوبة صادقة وعزم على الحياة الطاهرة:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [صدق الله العظيم]
٣ - المبادئ وتقويمها بالأشخاص:
قرأت قول الله تعالى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾
وقرأت ما جاء بالإنجيل: "إذن لسنا أولاد جارية، بل أولاد حرة".
وزال عني العجب للتفرقة العنصرية عند الأمرييكن في أيامنا هذه بين البيض

1 / 12

والسود، وزاد إعجابي وإجلالي للمسلمين أن سيد القوم يقف بجانب المواطن العامل والمزارع والتاجر والموظف، كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا، راكعين، ساجدين يخشون ربهم ويرجونه الرضا والعفو، فأيقنت أن مجد الإسلام والمسلمين في هذا التساند الجميل، والتآخي الحبيب، "لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى".
٤ - الرسالات السماوية:
قرأت قول المسيح ﵇، ومثاله: "خرج الزارع ليزرع وفيما هو يزرع سقط بعض على الطريق" وقرأت كتابة بولس. ومثاله: "فإني أسر بناموس الله بحسب الإنسان الباطن ولكني أرى قاموسًا آخر في أعضائي يحارب ناموس ذهني ويسبيني إلى ناموس الخطية الكائن في أعشائي، ويحى أنا الشقي من ينقذني من جسد الموت هذا؟! ".
قولان: أحدهما للمسيح يمتاز بالبساطة ووضوح التعبير، وثانيهما يمتاز بعمق وغور المعاني، وكلاهما ينسب إلى الله جل شأنه.
وقرأت في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ...﴾ . وما قبل فاتحة القرآن الكريم إلى قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ﴾ إلخ السورة، وتأملت وتدبرت، وإذا بالله العزيز الحكيم يحسم الأمر بقوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ ثم يتحدى الله خلقه بقوله: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ .
فازددت إيمانًا ورسوخًا، وقرتت قرارًا، واعتزلت الخدمة الدينية وظيفة، وانتهجت نهج الأعمال الحرة. فعملت بشركة استندر ستيشيزي بالقاهرة من سنة ١٩٥٥ إلى سنة ١٩٥٩ لكسب عيشي بالحق والأمانة، ومازالت تربطني بالكنيسة روابط كثيرة.
ويشاء الله أن يهيدني إليه، أليس هو القائل: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾، ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ .

1 / 13

ويشاء الله أن يعقد بيني وبينه حبًا وودًا قائمًا، فيهدي إلى سيادة الدكتور محمد عبد المنعم الجمال حيث تلاقينا على تفسير القرآن الكريم، فوسعني في قلبه حبًا، وإعجابًا، ووسعني بمنزلة منزلة وكرامة في دراسة وتفسير للقرآن الكريم، وآليت على نفسي أن أعلنها صراحة بقبول الإسلام دينًا، وبراءتي من كل دين يغاير ويخالف دين الإسلام.
ودخلت وأبنائي الأربعة إلى دين الله أفواجًا، نسبح بحمده وتمت كل الإجراءات القانونية من تغيير شهادات الميلاد بموجب قرار وزاري صادر من وزارة الصحة قسم المواليد بتاريخ ٣٠/٥/١٩٦٠ م.
وبهذا انتهيت من الجهاد لاعتناق الإسلام حيث بدأت الجهاد في سبيل الله ورسوله الكريم بحياة إسلامية مضيئة مشرقة نقية طاهرة، وبالدعوة القوية المفعمة بالحب والإخلاص للقرآن الكريم والإسلام الحنيف.
وفقنا الله لما يريد، والعزة لله ولرسوله وللمؤمنين.
إبراهيم خليل أحمد
سابقًا: القس إبراهيم خليل فيلبس
* * *

1 / 14

تقريظ للمغفور له الأستاذ علي حسب الله
الأستاذ بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة (سابقًا)
﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين، وإمام المتقين، أرسله الله بالهدي ودين الحق ليظهره على الدين كله، ففتح به قلوبًا غلفًا، وأعينًا عميًا، وارتفع شأنه وعلا ذكره بأولئك الطيبين الطاهرين، الذين سبقوا إلى الإيمان به، ونصروا الرسول بأموالهم وأنفسهم، فسجل الله ذكرهم في كتابه الكريم.
﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾
﴿سَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾
لقد أرسل الله محمدًا ﷺ بقواعد الحق، ومبادئ الفطرة السليمة، التي تصلح بها أمور الناس في الدنيا والآخرة، والتي يتقبلها العقل البشري بقبوب حسن إذا بعد التأثر برواسب الجهل، وبواعث الانحراف والضلال، ومن تقليد الآباء، والاعجاب بمظاهر دنيوية لا تمت إلى الحق والخير بصلة، وإذا أراد الله بعبد من عباده الخير والهداية بصره بما في الحق من جمال وانسجام، وبما في تلك العوامل والبواعث من انحراف عن الصراط المستقيم، واتجاه إلى سوء المصير، فسلك إلى الحق طريقه، وبعد عن طريق الهلاك:

1 / 15

﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾
والأخ السيد "إبراهيم خليل أحمد" من المثل الطيبة للتحول من الضلال إلى الهدى بتوفيق من الله تعالى، وبدارسة عاقلة بصيرة، وهو من الأدلة الصادقة على أن توجه إلى الله قبله، ومن تقرب إليه شبرًا تقرب الله منه ذراعًا، ومن تقرب إليه ذراعًا تقرب منه باعًا.
لقد أثار العليم الخبير وجدانه بآية سمعها من كتابه الكريم:
قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾
فكانت مصباحًا أضاء جوانب قلبه، ووجهه إلى البحث عن الحقيقة، فأخذ يصارع - بإرادة قوية، وعقل واع، ونية طيبة - عقيدة قديمة، تغلقت بقلبه منذ وجد عليها الآباء وقد بوأته متعبًا وجاها، وأغدقت عليه رزقًا حسنًا، واستمر في ضالة العقلي والنفسي دون أن يلويه عن غرضه منصب أو جاه، أو يفكر فيما هو فيه من سعة الرزق، وما يمكن أن يصير إليه من حاجة. حتى شرح الله صدره وهداه إلى دين الحق أغناه عن كل ما كان فيه:
﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾
لقد رأى من أول الواجبات عليه أن يضع تحت سمع الناس وبصرهم ما وفقه الله إليه من دلائل الحق ومعالم الهدى، فقد يهدي الله به رجلًا واحدًا فيكون خيرًا له من الدنيا وما فيها، فجعل باكورة عمله في الإسلام ذلك الكتيب، الصغير في حجمه، والكبير في قيمته: "محمد ﷺ في التوراة والإنجيل" لينبه به الغافلين، ويحفز إلى التفكير همم العاقلين.

1 / 16

وكان من أظهر ما وجه إليه الأذهان في هذا الكتيب أمور تعتبر في الدين من أصول العقيدة والسلوك المستقيم، وهي من الوضوح بحيث لا ينبغي أن يماري فيها عقل الإنسان، ومن هذه الأمور:
١ - وحدة الإله:
إن وجود هذا الكون - بما فيه من نظام محكم، وتناسق دقيق - يقتضي عقلًا وجود موجد متصف لكل صفات الكمال التي تلائم دقة نظامه وأحكام تناسقه، وهذه قضية سهلة لا التواء فيها، ومن زعم أن الكون لا خالق له، فهو مكابر، يعترف بالأثر وينكر المؤثر. ومن زعم أن له أكثر من خالق فعليه الدليل، ولن يجد دليلًا على وجود معدوم، وإذا لم نكن مطالبين بإقامة الدليل على نفي التعدد، لأن المطالب بالدليل هو المثبت لا النافي - فقد تفضل العليم الحكيم على المنحرفين القائلين بالتعدد بالتنبيه على ما في مقالتهم من فساد بقوله سبحانه:
﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾
وبهذا يتقرر في العقل ما قرره القرآن الكريم في قوله سبحانه:
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾
ويقابل هذه العقيدة السهلة السمحة في الإسلام - عقيدة التثليث المعقدة في المسيحية، التي تنزل الله من عليائه ليحل في بعض خلقه، أو ترفع بعض المخلوقين إلى منزلة الخالق، مما يبلبل أفكار عامة الناس، ويحير جهابذة العلماء.
وقد بين السيد إبراهيم في بحثه أن هذه العقيدة دخيلة على المسيحية، وليس لها وجود في الأصل اليوناني للإنجيل، بل هي مأخوذة من الوثنية الفرعونية، والمبادئ البابلية التي وجدت في لوحة أثرية عثر عليها في بابل، ويرجع تاريخها إلى سنة ١٢٠٠ ق. م ولم تقرر هذه العقيدة عند المسيحيين إلا في مجمع نيقية المنعقدة سنة ٣٢٥ م م بدعوة من الإمبراطور قسطنطين بسبب الخلاف بين الأسقف آريوس والشماس أثناسيوس الإسكندريين.
قال الأسقف: إن المسيح مخلوق لله، ومتصف بكل الصفات الإنسانية وتعتريه كل العواطف البشرية، من نوم ويقظة، وفرح وحزن، وغير ذلك، فلا يكون إلهًا بحال.

1 / 17