Islamic Civilization: Its Foundations, Means, Applications by Muslims, and Its Impact on Other Nations
الحضارة الإسلامية أسسها ووسائلها وصور من تطبيقات المسلمين لها ولمحات من تأثيرها في سائر الأمم
প্রকাশক
دار القلم
সংস্করণ
الأولى المستكملة لعناصر خطة الكتاب ١٤١٨هـ
প্রকাশনার বছর
١٩٩٨م
প্রকাশনার স্থান
دمشق
জনগুলি
•Islamic thought
অঞ্চলগুলি
সিরিয়া
المقدمات:
فاتحة كتاب الحضارة الإسلامية أسسها ووسائلها وصور من تطبيقات المسلمين لها ولمحات من تأثيرها في سائر الأمم:
الحمد لله الرحمن الرحيم، ذي السلطان العظيم، والمن القديم، والوجه الكريم، والكلمات التامات، والدعوات المستجابات، والمشيئات النافذات، الذي لا يتم شيء من ذوي الإرادات إلا بإذنه وتيسيره، وإمداده بالحول والقوة، فإنه لا حول ولا قوة إلا به.
والصلاة والسلام على خاتم أنبياء الله ورسله محمد بن عبد الله الذي ختم به وبما أنزل عليه رسالاته للناس، وعلى سائر الأنبياء الطاهرين الأبرار، والمرسلين المصطفين الأخيار الذين بلغوا رسالات ربهم، فأدوا الأمانة، وجاهدوا في الله حق جهاده، وكانوا بناه مخلصين صادقين في صرح الحضارة المجيدة التي اصطفاها الله للناس أجمعين، وكان كل لاحق منهم عاملًا في إكمال بنائه النظري الفكري والتدريب على بنائه العملي، حتى ختم الله ذلك بمحمد بن عبد الله العربي الهاشمي الأمين، الذي أنزل عليه القرآن المبين، ومثله معه من وحي وتبيين.
وبعد:
فقد مضى قرابة "٢٨" سنة على إخراجي لكتاب "أسس الحضارة الإسلامية ووسائلها" الذي كنت قد وعدت فيه بأن أُتِم -إن شاء الله- الخطة العامة لكتاب "الحضارة الإسلامية" بكتاب لاحق يشتمل على البابين الثالث والرابع من الخطة
1 / 7
- صورة من تطبيقات المسلمين للحضارة الإسلامية النظرية.
- لمحات من تأثير الحضارة الإسلامية وتطبيقاتها في سائر الأمم التي لم تدن بالإسلام، ولكنها التقت بالمسلمين لقاء مودة أو لقاء خصام.
وخلال هذه المدة الطويلة قضى الله ﷻ بأن تشغلني عن إكمال الكتاب بهذين البابين اجتهادات في إخراج مؤلفات كثيرات زادت على "٢٨" مؤلفًا، في موضوعات مختلفات، وبعد طبعتين من كتاب "أسس الحضارة ووسائلها" توقفت دار القلم بدمشق التي تنشر كتبي عن تجديد طباعته؛ لانشغالها بطباعة المؤلفات الأخرى.
وقبيل أواخر سنة "١٤١٧هـ" اتصل بي صاحب دار القلم وطلب مني أن أوافق على إعادة طبعه، فألهمني الله ﷻ أن أطلب منه التريث، لعل الله جلت قدرته يقضي لي بإكمال ما سبق أن وعدت به، فوجهت العزيمة والمهمة، وسألت الله العون والتوفيق والإمداد بالحول والقوة، وشرعت في إعادة النظر في الكتاب، وفي كتابة البابين الذين كنت وعدت بأن أوافي القراء بهما إن شاء الله ﵎.
وقد شاء الله بفضله ومنه وكرمه بعد نحو "٢٨" عامًا بأن أحقق ذلك؛ إذ كان وعدي معلقًا على مشيئته ﷻ كما أمرنا في كتابه بقوله: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤] .
واخترت أن أجعل الأصل واللاحق في كتاب واحد بعنوان "الحضارة الإسلامية" أسسها ووسائلها وصور من تطبيقات المسلمين لها، ولمحات من تأثيرها في سائر الأمم.
فالحمد لله على ما يسر ووفق وقضى، وأسأله أن يعينني على ذكره وشكره وحسن عبادته.
والآن أدفع الكتاب للنشر، بعد أن تمت العناصر التي كانت مرسومة في خطته.
1 / 8
والله أسأل أن ينفع به علمًا للجاهلين، وتنبيهًا للغافلين، وإقناعًا للشاكين، وتبصيرًا للمتأثرين بزيوف الضالين المضلين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الطائف في صباح يوم السبت ١٣ من ربيع الآخر ١٤١٨هـ الموافق لـ"١٦" من شهر آب "أغسطس" ١٩٩٧م.
عبد الرحمن حسن حنبكة الميداني
1 / 9
مقدمة الطبعة الثانية لكتاب "أسس الحضارة الإسلامية ووسائلها":
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وجعل دينه الذي اصطفى للناس دين حضارة سليمة وارتقاء صحيح إلى مجد الإنسان في دار الابتلاء ثم في دار الجزاء.
وبعد: فأقدم لقراء العربية الطبعة الثانية من كتابي هذا "أسس الحضارة الإسلامية ووسائلها" بعد أن نفدت نسخ الطبعة الأولى منه، سائلًا الله تعالى أن ينفع به شباب هذه الأمة، فيعملوا على بناء الحضارة الإسلامية بناء صحيحًا، مستهدين في ذلك بكتاب الله وسنة رسوله محمد خاتم الأنبياء والمرسلين -صلوات الله وسلامه عليه- والمتمم لرسالات من سبقه من رسل الله.
والمطلع على هذا الكتاب من ذوي الثقافة الواعية، يرى أنني في تصور الحضارة الإسلامية وتحديد مفاهيمها قد جعلت مرجعي كتاب الله وسنة رسوله وسيرته في حياته، ولم تحرفني عن ذلك مفاهيم قاصرة أو منحرفة للحضارة، أخذت بها الحضارات غير الإسلامية القديمة والحديثة. والحق الذي جاء به الإسلام بطريقة فذة كاملة لا بد أن يتفق مع عناصر الحق الموجودة لدى المفاهيم الإنسانية، ويختلف مع عناصر الباطل الموجودة لديها، فما كان من لقاء بينه وبينها فهو اتفاق في الحق، وما كان من افتراق بينه وبينها فهو اختلاف بين الحق الذي جاء هو به، والباطل الذي أخذت هي به.
1 / 11
رب أرزقنا العلم الصحيح، والعمل الصالح، والإخلاص في القول والعمل، واجعلنا هادين مهديين، ولا تجعلنا ضالين ولا مضلين، بفضلك ومنك وكرمك يا رب العالمين.
مكة المكرمة ١/ ١/ ١٣٩٨هـ
عبد الرحمن حسن حنبكة الميداني
1 / 12
فاتحة كتاب؛ "أسس الحضارة الإسلامية ووسائلها":
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسله منشئي الحضارات الإنسانية الراقية، وفاتحي سبل التقدم والرقي الإنسانيين، وأتم الصلاة والتسليم على من كملت ببعثته الأسس الحضارية محمد النبي العربي الذي اصطفاه الله لتبليغ رسالته للناس جميعًا، فأدى الأمانة، وأخلص النصيحة، ووضع الإنسانية بتعاليمه وتربيته في طريق المجد الصاعد إلى قمم الحضارة المثلى الفكرية والروحية والنفسية والمادية، الفردية والاجتماعية، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان من الذين أسهموا في بناء حضارة المسلمين، مستهدين بهدي كتاب الله، وسنة رسوله، وبعد فقد كلفت تدريس مادة "الحضارة الإسلامية" في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بمكة المكرمة، بدءًا من العام الدارسي ١٣٨٩-١٣٩٠ للهجرة النبوية، فأمعنت النظر في هذه الحضارة المجيدة، فوجدت أن البحث فيها لا بد أن يتناول عدة جوانب تقع في مخطط كلي عام ذي أربع شعب:
الشعبة الأولى: البناء الفكري لهذه الحضارة، وهو يشمل الأسس الفكرية، والكليات الكبرى التي تقوم عليها هذه الحضارة.
الشعبة الثانية: وسائل بناء هذه الحضارة بناءً واقعيًّا.
الشعبة الثالثة: أثر البناء الفكري للحضارة الإسلامية، وأثر وسائلها في المسلمين، ونماذج وأمثلة مما أنجزه المسلمون من أعمال حضارية، دفعتهم إليها أسس الحضارة الإسلامية.
الشعبة الرابعة: أثر الحضارة الإسلامية في الأمم الأخرى التي احتكت بالمسلمين، غالبة أو مغلوبة.
1 / 13
ومن أجل ذلك قسمت البحث في هذه المادة العلمية إلى أربعة أبواب، فجعلت لكل شعبة من الشعب الآنفة الذكر بابًا خاصًّا بها، التزامًا بمتطلبات التقسيم المنطقي السليم، وتسلسلًا مع ما تمليه طبيعة البحث العلمي المتدرج من أسس موضوع البحث إلى فروعه، فثمراته، فكل مظاهر زينته.
وبعد البحث المقرون بشيء من الأناة والتبصر كان هذا الكتاب الذي أقدمه إلى طلاب المعرفة، عسى أن يستنير به المستبصرون، وينتبه به الغافلون، ويصحو به المفتونون، ويفرح به المؤمنون.
وكلي أمل ورجاء أن يعود المسلمون إلى رشدهم، ويأخذوا بأسباب الحضارة الإسلامية المجيدة، حتى يعود لهم مجدهم الغابر، ومجد جديد يبنونه عليه في ارتقاء وتقدم تتطلبهما حاجات التطلع الإنساني إلى الكمال.
والله أسأل أن يهيئ للمسلمين وسائل النصر والتأييد، والرجوع إلى مركز القيادة الذي كانوا يحتلونه من قبل يوم كان الإسلام فيهم عقيدة وعملًا، ولقد تصادف أيها القارئ الكريم كثرة في الاستشهادات القرآنية بالنسبة إلى بعض البحوث، والداعي إلى ذلك أن البحوث أبكار، ومما تختلف فيه وجهات الأنظار، وقد أردت أن تشاركني ما استبان لي منها بالتأمل، فرأيت أن أضع بين يديك الشواهد القرآنية، وما تتضمنه من دلالات واضحات. وعلى الله قصد السبيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
مكة المكرمة في ١/ ٦/ ١٣٩٠هـ
عبد الرحمن حسن حنبكة الميداني
1 / 14
الفصل الأول: تحليل معنى الحضارة وموقف الإسلام من التقدم الحضاري
المقولة الأولى: تحليل معنى الحضارة والسبيل إلى تحقيق التقدم الحضاري
...
المقولة الأولى: تحليل معنى الحضارة والسبيل إلى تحقيق التقدم الحضاري
١- تحليل معنى الحضارة:
إذا كانت الحضارة تعني في أصل اللغة إقامة مجموعة من الناس في الحضر، أي في مواطن العمران، سواء كانت مدنًا أم حواضر أم قرى، فإن معناها قد توسع عند المؤرخين والباحثين الاجتماعيين حتى صار شاملًا لجميع أنواع التقدم والرقي الإنسانيين؛ لأنهما لا يزدهران إلا عند المستقرين في مواطن العمران.
وبإحصاء صور التقدم والرقي عند الإنسان نستطيع أن نرجعها إلى الأصناف الثلاثة التالية:
الصنف الأول: ما يخدم الجسد ويمتعه من وسائل العيش، وأسباب الرفاهية والنعيم، ومعطيات اللذة للحس أو للنفس.
ويدخل في هذا الصنف أنواع التقديم العمراني والزراعي والصناعي والصحي والأدبي والفني، والتقدم في الإنتاج الحيواني، واستخراج كنوز الأرض، والاستفادة من الطاقات المنبثة فيها، وما أشبه ذلك. ويدخل ضمن هذا جميع أنواع العلوم والثقافات التي تخدم هذا الصنف.
الصنف الثاني: ما يخدم المجتمع الإنساني، ويكون من الوسائل التي تمنحه سعادة التعاون والإخاء والأمن والطمأنينة والرخاء، وتمنحه سيادة النظام والعدل والحق، وانتشار أنواع الخير والفضائل الجماعية.
ويدخل في هذا الصنف أنواع التقدم الاجتماعي الشامل للنظم الإدارية، والحقوقية، والمالية، والأحوال الشخصية، والشامل للأخلاق والتقاليد والعادات
1 / 19
الفاضلات، وسائر طرق معاملة الناس بعضهم بعضًا في علاقاتهم المختلة. وكل أنواع الثقافات والعلوم التي تخدم هذا الصنف.
الصنف الثالث: ما يأخذ بيد الإنسان فردًا كان أم جماعة إلى السعادة الخالدة التي تبدأ منذ مدة إدراك الإنسان ذاته والكون من حوله، وتستمر مع نفسه وروحه الخالدتين إلى ما لا نهاية له في الوجود الأبدي، الذي ينتقل من حياة جسدية مادية يكون فيها الابتلاء، إلى حياة نفسية روحية برزخية يكون فيها بعض الجزاء، ثم إلى معاد جسدي نفسي وروحي يكون فيه كامل الجزاء.
ويدخل في هذا الصنف أنواع التقدم الفكري القائم على التأملات الحكمية، التي توصل الإنسان إلى معرفة الخالق، وسر وجود الإنسان، وغايته ومصيره، وواجبه في الحياة الدنيا، وسبل سعادته الأبدية الخالدة، وهي الأمور التي تحمل اسم المعتقدات والواجبات الدينية وسائر التكاليف والآداب الشرعية الإسلامية.
٢- السبيل إلى تحقيق التقدم الحضاري:
ولتحقيق التقدم والرقي الحضاريين عدة سبل:
١- ما ينزل به الوحي، أو يفيض به الإلهام.
٢- ما يتوصل إليه العقل بالبحث العلمي.
٣- ما يكتسبه الإنسان عن طريق الاختبار والتجربة والممارسة التطبيقية مع الملاحظة الدقيقة لجوانب الخطأ والنقص، وما يستدعيه الكمال.
أما الصنف المادي لصور التقدم والرقي عند الناس فالسبيل الطبيعي إليه إنما هو استخدام العقل في البحث العلمي والاختبار والتجربة والممارسة التطبيقية العملية، مع الملاحظة الدقيقة لجوانب الخطأ والنقص وما يستدعيه الكمال.
1 / 20
وقد يُسعف الوحي أو يفيض الإلهام بشيء من ذلك فنجده أخصر طريق إلى الكمال فيه.
وأما الصنف الذي يخدم المجتمع الإنسان فللتقدم والرقي فيه سبيلان:
السبيل الأول: التلقي التعلمي عن طريق الوحي، وذلك في كل ما تكفلت الشرائع الربانية ببيانه، ولا يعدل عن ذلك إلا متنكب سواء السبيل.
السبيل الثاني: استخدام العقل في البحث العلمي والاختبار والتجربة والممارسة التطبيقية العملية، مع الملاحظة الدقيقة لجواجب الخطأ والنقص، وما يستدعيه الكمال.
وأما الصنف الذي يأخذ بيد الناس إلى السعادة الخالدة، وهو المشتمل على المعتقدات والواجبات الدينية، وسائر التكاليف والآداب الشرعية التعبدية فالسبيل إلى تحقيق التقدم والرقي فيه إنما يكون بالتلقي التعليمي عن طريق الوحي فقط.
وبدهي أن تلقي ما يأتي به الوحي وينطق به الرسل عليهم الصلاة والسلام لا بد أن يرافقه إعمال العقل في التأمل، والتدبر، والفهم الصحيح، والتحليل والتركيب، والاستنباط، وقياس الأشباه والنظائر بعضها على بعض، ولا بد أن يرافقه أيضًا إعمال العقل في التحقق والتثبت من سلامة النصوص من التحريف والتبديل، بحثًا في الرواية، ونظرًا في صحة المعنى.
ترتيب الأصناف الثلاثة:
بالنظر إلى الثمرات التي يجنيها الإنسان من كل صنف من أصناف التقدم والرقي السابقة لا بد أن نلاحظ أن سلم الرقي مرتب الدرجات بشكل صاعد، بدءًا من الصنف الأول الذي يخدم الجسد الفانين وارتقاء إلى الصنف الثاني الذي يخدم المجتمع الإنسان، ثم إلى الصنف الثالث الذي تنضوي تحته أسباب
1 / 21