الدعوة الإسلامية في عهدها المكي مناهجها وغاياتها

الدعوة الإسلامية في عهدها المكي مناهجها وغاياتها

প্রকাশক

دار القلم

সংস্করণ

الثالثة

জনগুলি
The Call and Its Principles
•
অঞ্চলগুলি
মিশর
مقدمة
...
الإهداء:
إلى أرواح شهداء الدعوة الإسلامية الذين يسبشرون بنعمة من الله وفضل، ويسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم..

1 / 1

تقديم الكتاب: لفضيلة الإمام الأكبر الدكتور عبد الحليم محمود
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أفضل مخلوق وخير مبعوث، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، ومن اتبع هديه، ودعا بدعوته إلى يوم الدين.
أما بعد..
فإن من رحمة الله ﷾ بخلقه أن رسم لهم سبيل السعادة في دنياهم وفي أخراهم، وهو طريق لا استحالة فيه ولا مشقة، لقد جربه الكثيرون ففازوا، ولقد ضمن الله لهم حياة هنيئة في الدنيا والآخرة.
﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .
هذه السعادة تتحقق للفرد باتباعه، إذا حقق ما اشترطه الله عليه.
وتتحقق للأسرة إذا وفرت لحياتها ما اشترطه الله عليها.
وتتحقق للدولة إذا سهرت على تطبيق ما اشترطه الله على الأمة.

1 / 2

ولقد رسم القرآن الكريم شروط هذه السعادة فيما بينه من قوانين تتعلق بالحياة السلوكية للفرد والأسرة والجماعة، لقد بينها الوحي بالتعبير الإلهي، في دقته وروعته، وجلاله، وبينها الرسول الكريم في تطبيق واضح وسلوك نقي وسنة مطهرة، وإذن فالدعوة الإسلامية هي مناط السعادة للناس جميعا: أفراد وأسر وجماعات ودول.
لقد ظهرت الدعوة الإسلامية في مجتمع تعج فيه الآراء الدينية، والتقاليد البشرية، فكانت الدعوة هي البلسم الشافي.
إنه في الآونة التي كانت الآراء الدينية تتصارع في جزيرة العرب قام رسول الله ﷺ بدعوته، وهي دعوة ربانية لم تنشأ عن تفكير إنساني شخصي، ولكنها وحي الله المعصوم، وهي معصومة لأنها وحي، إنها معصومة عن التخبط والهوى في الرأي، ومعصومة عن ضلالات الأوهام ومتاهات الخيال وانزلاق التفكير.
وأساس هذه الدعوة هو القرآن الكريم؛ إنه حبل الله المتين، والنور المبين، والشفاء النافع، وهو عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن اتبعه، لا يزيع من استمسك به ولا تنقضي عجائبه، ولا يشبع منه العلماء ولا يخلق عن كثرة الرد.
والدعوة الإسلامية بهذا القرآن الكريم تحمل في طياتها قيمتها الذاتية، وذلك سر انتشارها وسيادتها.
إنها تمتاز عن النصرانية المنتشرة -إذ ذاك- بنظام اقتصادي خلت منه الأنانية وبمنطق عقلي لا يوجد فيما كان من مأثور حنيذاك

1 / 3

من الكلام الذي نسب للسيد المسيح ﵇. ثم هي تصحيح للفكرة الدينية جملة.
وهي كذلك تمتاز عن اليهودية بما فيها من البساطة والنضرة وتنزيه الله ورسله وأنبيائه جميعا.
إنها معصومة لأنها وحي الله وليست رأيا يجوز مناقشته أو تعديله.
وهي دعوة موحدة لا مفرقة. إنها دعوة نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ﵈:
﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ .
إنها إذن دعوة الرسل من قبل فهي موحدة تقرر أصولا في ناحية العقيدة، وشعائر العبادة، ومبادئ القانون والأخلاق.
ومع أن الدعوة الإسلامية لخير الناس جميعا، وليست دعوة لأنانية أو عصبية، فإن العرب قابلوها بصراع متعدد الألوان غير أن الدعوة اتخذت من أجل هدايتهم أحكم الوسائل وأعظم المناهج.
ولقد كان إثبات الرسالة لسيدنا محمد ﷺ من الأهداف الأساسية في بدء الرسالة.

1 / 4

وإن أشق مرحلة يصادفها كل رسول من الرسل إنما هي إقناع الناس برسالته وقد اختلفت وسائل هذا الإقناع واختلفت أساليبه.
ولقد بدأ الرسول الأمين ﷺ كأسلافه بإثبات أنه رسول، وأنه متصل بالسماء، وأن الذي يأتيه إنما هو وحي يوحى، ولكن العرب سخروا من دعوته فتحداهم بعنف، وتحداهم متدرجا بهم، ومع أنهم أساطين البلاغة وأهل الفراسة غير أنهم أفحموا وانتهى الأمر إلى أن الذي يأتيه إنما هو وحي من عند الله.
قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ .
لقد لبث فيهم رسول الله ﷺ من قبل أربعين عاما ولم يحدثهم بنبوة، ولم يحدثهم برسالة، ولم يكن من مشاهير رجال الشعر، فلم الشك في أمره؟ مع أنه ﷺ لو أخبرهم أن خيلا وراء هذ الوادي تريد أن تغير عليهم لصدقوه، لقد قالوا له: ما عهدنا عليك كذبا. فلم الشك في أمره؟ ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ .
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ .
إنه صلوات الله عليه وسلامه بشر، وما يجول في خلد مسلم قط أن يخرجه عن البشرية، ولكنه ﷺ بشر خاص. إنه بشر يوحى إليه، وما يتأتى قط أن يوحى إليه إلا وقد اصطفاه الله.

1 / 5

﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ .
﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ .
غير أن بعض الناس حينما يقرأ قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ يقف عند كلمة ﴿بَشَرٌ﴾، ويحاول التركيز عليها، واستقطاب الانتباه حولها، فيتحدث في إسهاب عن خصائص البشرية العادية، ويندفع في هذا الاتجاه المنحرف اندفاعا لا يتناسب مع عجز الآية: ﴿يُوحَى إِلَيَّ﴾ وينسى قول الله تعالى:
﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ .
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ .
والله سبحانه ببيانه ذلك في هذه المواضع التي كان من الممكن أن يقف فيها الرسول صلوات الله عليه، مع العدالة الحاسمة، فعدل عن ذلك إلى الرأفة والرحمة. إن الله ﷾ ببيانه ذلك إنما يمدح الرسول صلوات الله عليه وسلامه يبين أن منزع الرحمة إنما هو الغالب عليه صلوات الله عليه وسلامه.
ولم يلغ الله جل شأنه اتجاها عاما سار فيه الرسول ﷺ ولم ينقص كلمة أقرها صلوات الله عليه وسلامه، ولم ينف مبدأ أثبته رسوله الأمين فيما كان يسير عليه، ولقد شهد له الله بذلك فقال:
﴿وإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، صِرَاطِ اللَّهِ﴾ .

1 / 6

ولقد جعل الله طاعة رسوله ﷺ طاعة لجلاله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ .
ومن هنا فإن من يركز على "بشر" فقط من المستشرقين ومن لف لفهم إنما يتبع في ذلك زعم الجاهلين عندما قال: إنما أرى يتيم أبي طالب.
إن النظرة إلى الدعوة الإسلامية من الوسائل التي تثبت صدق الرسول ﷺ ولقد تابع هذا الاتجاه العالم الكبير ابن خلدون فقال:
ومن علامتهم أيضا: دعاؤهم إلى الدين والعبادة: من الصلاة والصدق والعفاف.
وقد استدلت خديجة على صدقه ﷺ بذلك وكذلك أبو بكر ولم يحتاجا في أمره إلى دليل خارج عن حاله وخلته.
وهرقل حين جاءه كتاب النبي ﷺ يدعوه إلى الإسلام أحضر من وجده في بلدة من قريش وفيهم أبو سفيان يسألهم عن حاله، ثم انتهى من مناقشته لأبي سفيان إلى قوله: "إن يكن ما تقول حقا فهو نبي وسيملك ما تحت قدمي هاتين".
وكان في الجو العربي نزعات تتجه نحو توحيد الله، لقد كان هناك الحنفاء الموحدون، والحمس الذين يفتخرون بالنسب إلى سيدنا إبراهيم ﵇، وكان هناك غيرهم من الذين أشركوا مع الله غيره في العبادة لا في الخالقية فتصدت الدعوة الإسلامية إلى

1 / 7

هؤلاء في استفاضة وفي تنوع من الأدلة لا لإثبات وجود الله فإن هذه القضية لم تكن في يوم هدفا من أهداف القرآن، ولم تكن في يوم من الأيام هدفا من أهداف الرسول ﷺ أو أحد أصحابه رضوان الله عليهم، وذلك لأن الإيمان بوجود الله مسلة بدهية، ولذلك فإن الهدف الأكبر كان هو إثبات التوحيد لله جل شأنه، فيستدل القرآن بالمشاهد الصادقة ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ .
ويستدل بالمنطق الوجداني:
﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ .
﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ .
لقد كانت هذه الرسالة التي نقدم لها اليوم واحدة من الاتجاهات السلفية التي اتخذت منهاج بحثها الاعتزاز بالذاتية الإسلامية، كأساس للدراسة فإن من أصبح وأمسى وقد رضي بالله تعالى ربا وبالإسلام دينا، فقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه.
وهذا الكتاب الذي أعده واحد من أبنائنا الذين نعتز بهم جدير بالاهتمام، لأنه يوضح جانبا من الثقافة الإسلامية على منوال سلفي واضح.
نسأل الله له التوفيق والسداد.
هذا وبالله التوفيق.
١٧ من رجب ١٣٩٣هـ
١٦ من أغسطس ١٩٧٣م
عبد الحليم محمود
شيخ الأزهر

1 / 8

مقدمات
مقدمة الطبعة الثالثة
...
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة الطبعة الثالثة:
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين بإحسان إلى يوم الدين وبعد:
فإن حاجة العالم أجمع للدعوة الإسلامية كان أمرا حتميا تمليه الظروف الحضارية والسياسية والعسكرية والدينية والاقتصادية التي كان يعيشها الإنسان الجاهلي: في أمة العرب، أو في أمة فارس، أو في أمة الرومان.
ذلك لأن العقيدة وهي غاية الغايات لبني آدم إذ لم يخلقوا إلا ليعرفوا ربهم الواحد الأحد الفرد الصمد. هذه العقيدة كان قد تراكم عليها حطام الزنادقة في جميع بلدان العالم:
- فقد كان العرب في اعتقادهم قد انحرفوا عن ملة إبراهيم وتوجهوا نحو أصنام لا تضر ولا تنفع.
- وكان الفارسيون قد تخبطوا في اثنينية ماني بن فاتك ذلك الحكيم الفارسي الذي ظهر في زمان "سابور بن أردمشير" وقتله "بهرام بن هرمز بن سابو".
فقد ذهب ذلك الحكيم المخرف إلى أن العالم مصنوع من النور والظلمة ثم اختلفوا بعد ذلك في العلاقة بين النور والظلمة.
هل امتزجا بالخيط والإتقان أو بالقصد والاختيار.

1 / 1

كما اختلفوا في سبب هذا المزاج هل هو التشاغل، أو شيء آخر، ثم قالوا: إن المزاج القديم هو:
امتزاج الحرارة والبرودة، والرطوبة واليبوسة.
وأن المزاج الحديث هو:
الخير والشر.
ولم يكن في حلبة المحكمة سوى ماني بل كان هناك مزدك الذي ظهر أيام قباذ والد أنوشروان، ونهاية مذهبه شيوع في النساء والأموال والخلاص بالانتحار.
- كما تخبط الرومانيون في عقائدهم فالألوهية عندهم أسرة تتناسل: تعيش وتموت، وتحب وتكره، وتغار وتكيد.
فالإله "جوبيتر" يغضب على إله العلم والصناعة "برومثيوس" لأنه يعلم الإنسان كيف يستخدم النار في الصناعة فيعطيه قوة تصارع قوة الأرباب.
كما كان "جوبيتر" يخدع زوجته "هيرة" فيرسل إليها الغمام ليحجب عنها الشمس حتى لا تراه مع عشيقاته.
كذلك كان الإله "جوبيتر" شرها يحب الطعام لذلك كان يغضب على الإله "استولاب" إله الطب، لأنه يداوي المرضى وبذلك يحجبه عن جباية الضرائب على أرواح الموتى.
- وفي الهند عجب عجاب آلهة تتوالد وتتناسل وبعضها لما يوجد فبينما الآلهة: براهما، وفشتو، وسيفا تتصاهر نجد لهما زميلا لما يولد بعد هو الإله كلاكي kalaki فهو إله بلا وظيفة، بل إن وظيفته لما تحدد بعد.

1 / 2