التمهيد لشرح كتاب التوحيد
التمهيد لشرح كتاب التوحيد
প্রকাশক
دار التوحيد
সংস্করণ
الأولى
প্রকাশনার বছর
١٤٢٤هـ - ٢٠٠٣م
জনগুলি
•Salafism and Wahhabism
অঞ্চলগুলি
•সৌদি আরব
সাম্রাজ্যসমূহ ও যুগসমূহ
আল সৌদ (নাজদ, হিজাজ, আধুনিক সৌদি আরব), ১১৪৮- / ১৭৩৫-
مقدمة شرح كتاب التوحيد
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه: هذا شرح لكتاب التوحيد، شرحته في مجالس متصلة في مسجد شيخ الإسلام ابن تيمية بحي سلطانة في مدينة الرياض عاصمة المملكة العربية السعودية، وقد فرغ من الأشرطة المسجلة وأصلحت بعض الألفاظ بما يناسب المكتوب، فلم أقصد إلى تأليف شرح، ولذلك فإني أرغب من المحققين في مقاصد التأليف أن يغضوا الطرف عما قد يرد في الشرح من عدم استيعاب أو علو عبارة، والله أسأل أن يجزي مؤلف الأصل الجد الإمام محمد بن عبد الوهاب خير الجزاء عن أهل السنة لقاء ما قرب لهم من علوم الكتاب والسنة، وصلى الله على نبينا محمد وسلم تسليما.
صالح بن عبد العزيز آل الشيخ
- أ -
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي بعث عباده المرسلين بتوحيده، وأقام بهم الحجة على عبيده، فاتفقوا أولهم وآخرهم على توحيده وتفريده، ونبذ الشرك وتنديده، وأنه الإله الحق المستحق للعبادة دون من سواه، وعبادة غيره - كائنا من كان - باطلة؛ فإنه ما عُبد غير الله إلا بالبغي، والظلم، والعدوان.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تأكيدا بعد تأكيد؛ لبيان مقام التوحيد، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله، صلى عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين، أما بعد: -
فهذا الكتاب - كتاب التوحيد - من مؤلفات الإمام المصلح المجدد شيخ الإسلام والمسلمين، محمد بن عبد الوهاب، وهو- ﵀ غني عن التعريف؛ لما جعل الله - جل وعلا - لدعوته من أثر ظاهر النفع في جميع أنحاء الأرض: شرقا وغربا، جنوبا وشمالا، ولا غرو في ذلك فإن دعوته- ﵀ إحياء لدعوة محمد بن عبد الله - عليه أفضل الصلاة والسلام-.
وكتاب التوحيد- الذي نحن بصدد شرحه - كتاب عظيم جدا، أجمع علماء التوحيد، على أنه لم يصنف في الإسلام في موضوعه مثله، فهو كتاب وحيد وفريد في بابه، لم ينسج على منواله مثله؛ لأن المؤلف ﵀ طرق في هذا الكتاب مسائل توحيد العبادة، وما يضاد ذلك التوحيد، من أصله، أو يضاد كماله، فامتاز الكتاب بسياق أبواب توحيد العبادة
- ب -
مفصلة، مُدَلَّلَةً، وعلى هذا النحو، بتفصيل، وترتيب، وتبويب لمسائل التوحيد، لم يوجد من سبق الشيخ إلى ذلك، فحاجة طلاب العلم إليه، وإلى معرفة معانيه ماسة؛ لما اشتمل عليه من الآيات، والأحاديث، والفوائد.
وقد شبه بعض العلماء هذا الكتاب بأنه قطعة من صحيح البخاري ﵀ وهذا ظاهر، ذلك أن الشيخ ﵀ نَسَج كتابه هذا نَسْج الإمام البخاري صحيحه من جهة أن التراجم التي يعقدها، تحتوي على آية وحديث - غالبا - والحديث والآية على الترجمة، وما بعدها مفسِّرٌ لها، وكذلك ما يسوقه ﵀ من كلام أهل العلم من الصحابة، أو التابعين، أو أئمة الإسلام، هو نسق طريقة الإمام أبي عبد الله البخاري ﵀ فإنه يسوق أقوال أهل العلم في بيان المعاني.
وهذا الكتاب صنفه إمام الدعوة ابتداء في البصرة لمَّا رحل إليها، وكان الداعي إلى تأليف ما رأى من شيوع الشرك بالله ﷻ ومن ضياع مفهوم التوحيد الحق عند بعض المسلمين، وما رآه عندهم من مظاهر الشرك: الأكبر، والأصغر، والخفي، فابتدأ في البصرة جمع هذا الكتاب، وتحرير الدلائل لمسائله، ذكر ذلك تلميذه، وحفيده الشيخ الإمام عبد الرحمن بن حسن ﵀ في "المقامات"، ثم إن الشيخ لمَّا قدم نجدا حرر الكتاب، وأكمله، فصار كتابه هذا - بحق- كتاب دعوة إلى التوحيد الحق؛ لأن الشيخ ﵀ بين فيه أصول دلائل التوحيد، وبين فيه معناه وفصله، كما بين فيه ما يضاده، والخوف مما يضاده، وبين - أيضا- أفراد توحيد العبادة، وأفراد
- ج -
توحيد الأسماء والصفات إجمالا، واعتنى ببيان الأكبر والأصغر وصورهما، والذرائع المؤدية إليهما، وبيَّن ما يُحْمى به التوحيد، والوسائل إلى ذلك، وبين أيضا شيئا من أفراد توحيد الربوبية. فـ "كتاب التوحيد" كتاب عظيم النفع جدا، جدير بأن يعنى به عناية حفظ، ودرس، وتأمل؛ فالعبد محتاج إليه للعمل به، ولتبليغ ما فيه من العلم لمن وراءه من الناس، سواءً أكانوا في المسجد، أم في البيت، أم في مقر عمله، أم في أي جهة أخرى. والمقصود: أن مَن فهم هذا الكتاب فقد فهم أكثر مسائل توحيد العبادة، بل يكون قد فهم جل مسائله وأغلبها.
وقد كنت نظرت في الكيفية التي ينبغي أن يشرح بها هذا الكتاب، وطريقة ذلك؛ لأن الكتاب - كما يُعلم - طويل لا يمكن استيعاب شرحه شرحا متوسطا أو مبسوطا في نحو ثمانية عشر مجلسا، فتأملت منهج العلماء الذين شرحوه، فوجدت شروحهم: ما بين بسيط، ووجيز، ووسيط، فرأيت أن يقتصر الشرح على ذكر الفوائد التي يكثر التباسها على طلبة العلم، مع بيان مناسبة الآي والأحاديث للترجمة، وإبراز وجه الاستدلال من الآية أو من الحديث على المقصود، وذكر شيء من تقرير الحجاج مع الخصوم في هذه المسائل، ربما لا يطالعه كثير من طلبة العلم في الشروح. وهذه الطريقة التي سنسلكها: طريقة مختصرة، سوف نأتي بها- إن شاء الله-على الكتاب كله، مع عدم الإخلال بإفهامه، وعدم الإقلال من معانيه، ونسأل الله تعالى المدد، والإعانة، والتوفيق.
অজানা পৃষ্ঠা
[كتاب التوحيد]
(كتاب التوحيد) قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] [الذاريات: ٥٦]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] الآية [النحل: ٣٦]، وقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] الآية [الإسراء: ٢٣]، وقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦] الآية [النساء: ٣٦] وقوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: ١٥١] الآيات [الأنعام: ١٥١] .
قال ابن مسعود: «من أراد أن ينظر إلى وصية محمد ﷺ التي عليها خاتمه فليقرأ قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: ١٥١] إلى قوله ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ [الأنعام: ١٥٣] الآية» (١) .
وعن معاذ بن جبل ﵁ قال «كنت رديف النبي ﷺ على حمار فقال لي: " يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله"؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "حق الله على العباد: أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله: أن لا يعذب من
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
قوله: كتاب التوحيد، وقول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] [الذاريات: ٥٦] جرت عادة المصنفين والمؤلفين، أن يضعوا بعد البسملة والحمدلة خطبة للكتاب، يبينون فيها طريقتهم فيه، ومرادهم من تأليفه، وهاهنا سؤال معروف، وهو: لماذا خالف الشيخ ﵀ طريقة المصنفين فلم يجعل للكتاب خطبة يبين فيها طريقته، بل قال: " كتاب التوحيد" وقول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] [الذاريات: ٥٦]، فأخلاه من الخطبة؟ والسبب في ذلك، والسر فيه- فيما يظهر لي- أن التوحيد الذي سيبينه الشيخ ﵀ في هذا الكتاب هو توحيد الله ﷻ، وتوحيد الله قد بينه الله - جل وعلا- في القرآن، فكان- لذلك - من الأدب في مقام التوحيد ألا يَجعل فاصلا بين الحق والدال على الحق وكلام الدال عليه، فالحق الذي لله هو التوحيد، والذي دل على هذا الحق هو الله ﷻ والدليل عليه هو كلامه، وكلام رسوله ﷺ، وهذا من لطائف أثر التوحيد في القلب، وهذا كصنيع الإمام البخاري، ﵀ في صحيحه. (٢) إذ لم يجعل لصحيحه خطبة، بل جعل صحيحه مبتدأ بالحديث؛ ذلك أن كتابه كتاب سنة، ومن المعلوم أن من الأدب، أو من مراعاة الأدب: ألا يُتقدَّم بين يدي الله ورسوله، فلم يقدِّم كلامه على كلام
(١) أخرجه الترمذي (٣٠٧٢) والبيهقي في شعب الإيمان في الدر المنثور (٣ / ٣٨١) .
(٢) انظر البخاري في كتاب بدء الوحي ص١.
1 / 1
لا يشرك به شيئا ". قلت: يا رسول الله، أفلا أبشر الناس؟ قال: "لا تبشرهم، فيتكلوا» أخرجاه في الصحيحين (١) .
فيه مسائل: الأولى: الحكمة في خلق الجن والإنس.
الثانية: أن العبادة هي التوحيد؛ لأن الخصومة فيه.
الثالثة: أن من لم يأت به لم يعبد الله. ففيه معنى قوله: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٣]
الرابعة: الحكمة في إرسال الرسل.
الخامسة: أن الرسالة عمت كل أمة.
السادسة: أن دين الأنبياء واحد.
السابعة: المسألة الكبيرة: أن عبادة الله لا تحصل إلا بالكفر بالطاغوت، ففيه معنى قوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: ٢٥٦]
الثامنة: أن الطاغوت عام في كل ما عُبد من دون الله.
التاسعة: عظم شأن ثلاث الآيات المحكمات في سورة الأنعام عند السلف وفيها عشر مسائل. أولها: النهي عن الشرك.
العاشرة: الآيات المحكمات في سورة الإسراء. وفيها ثماني عشرة مسألة بدأها الله بقوله: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء: ٢٢]
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(١) أخرجه البخاري (١٢٨) و(١٢٩) و(٢٨٥٦) و(٥٩٦٧) و(٦٢٦٧) و(٦٥٠٠) و(٧٣٧٣) ومسلم (٣٠) .
1 / 2
وختمها بقوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ٣٩] ونبهنا الله سبحانه على عظم شأن هذه المسائل بقوله: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ [الإسراء: ٣٩]
الحادية عشرة: آية سورة النساء التي تسمى آية الحقوق العشرة، بدأها الله تعالى بقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]
الثانية عشرة: التنبيه على وصية رسول الله ﷺ عند موته.
الثالثة عشرة: معرفة حق الله علينا.
الرابعة عشرة: معرفة حق العباد عليه إذا أدوا حقه.
الخامسة عشرة: أن هذه المسألة لا يعرفها أكثر الصحابة.
السادسة عشرة: جواز كتمان العلم للمصلحة.
السابعة عشرة: استحباب بشارة المسلم بما يسره.
الثامنة عشرة: الخوف من الاتكال على سعة رحمة الله.
التاسعة عشرة: قول المسؤول عما لا يعلم " الله ورسوله أعلم ".
العشرون: جواز تخصيص بعض الناس بالعلم دون بعض.
الحادية والعشرون: تواضعه ﷺ لركوب الحمار، مع الإرداف عليه.
الثانية والعشرون: جواز الإرداف على الدابة.
الثالثة والعشرون: فضيلة معاذ بن جبل.
الرابعة والعشرون: عظم شأن هذه المسألة.
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
1 / 3
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
رسوله ﷺ، فجعل البخاري صحيحه مفتتحا بقول الرسول ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (١) لأن كتابه كتاب سنة، فجعل كتابه في ابتدائه مبتدأ بكلام صاحب السنة ﵊. وهذا من لطيف المعاني التي يرعاها من نور الله قلوبهم لمعرفة حقه، وحق رسوله ﷺ.
قوله: (كتاب التوحيد) التوحيد: مصدر وَحَّدَ يوحِّد توحيدًا، وقد جاء هذا اللفظ (التوحيد) بقلة، وجاء في السنة الدعوة إلى توحيد الله، كما ورد في صحيح البخاري أن النبي ﷺ لما بعث معاذ بن جبل إلى اليمن قال له: «إنك تأتي قوما أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه إلى أن يوحدوا الله» (٢) فـ "يوحدوا" مصدره " التوحيد "، وفي الرواية الأخرى من حديث ابن عباس ﵄ الذي فيه قصة بعث معاذ إلى اليمن - وهي في الصحيحين - أنه ﷺ قال: «فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله» (٣) فدل هذا على أن التوحيد هو: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأن تحقيق هاتين الشهادتين، هو: تحقيق للتوحيد.
(١) أخرجه البخاري (١) و(٥٤) و(٢٥٢٩) و(٣٨٩٨) و(٥٠٧٠) و(٦٦٨٩) و(٦٩٥٣) ومسلم (١٩٠٧) .
(٢) أخرجه البخاري (١٤٥٨) و(١٤٩٦) و(٢٤٤٨) و(٤٣٤٧) و(٧٣٧١) ومسلم (١٩) (٣١) .
(٣) أخرجه البخاري (١٣٩٥) و(١٤٩٦) و(٤٣٤٧) و(٧٣٧١) ومسلم (١٩) (٣١) .
1 / 5
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وتوحيد الشيء: جعله واحدا، تقول: وَحَّدْتُ المتكلم: إذا جعلتَه واحدا، ووحد المسلمون الله: إذا جعلوا المعبود واحدا، وهو الله - جل وعلا-. والتوحيد المطلوب يشمل ما أمر الله- جل وعلا - به في كتابه من توحيده، وهو ثلاثة أنواع:
١ - توحيد الربوبية.
٢ - وتوحيد الألوهية.
٣ - وتوحيد الأسماء والصفات.
فأما توحيد الربوبية: فمعناه توحيد الله بأفعاله. وأفعال الله كثيرة، منها: الخلق، والرِّزْق، والإحياء، والإماتة، وتدبير الملك، والنفع، والضُّر، والشفاء، والإجارة كما قال تعالى في التنزيل: ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ [المؤمنون: ٨٨] [المؤمنون: ٨٨] وإجابة دعوة المضطر، وإجابة دعوة الداعي، ونحو ذلك من أفراد الربوبية، فالمتفرد بذلك على الكمال هو الله - جل وعلا- فتوحيد الربوبية: هو توحيد الله بأفعاله - سبحانه-.
وأما توحيد الألوهية: فالألوهية مأخوذة من: ألَه يأْلَه إِلهة وأُلُوهةً: إذا عُبد مع المحبة والتعظيم. يقال: تَأَلَّه إذا عُبد مُعَظَّمًا مُحَبًّا، ففرقٌ بين العبادة والألوهة، فإن الألوهة عبادة فيها المحبة، والتعظيم، والرضا بالحال، والرجاء، والرغب، والرهب، فمصدر أَلَه يأْلَه: أُلُوهة وإلهة؛ ولهذا قيل: توحيد الإلهية، وقيل توحيد الألوهية، وهما مصدران لأَلَه يأْلَه.
ومعنى (أَلَه) في لغة العرب: عبد مع المحبة، والتعظيم. والتأَلُّه: العبادة على ذاك النحو، قال الراجز:
1 / 6
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
لله درُّ الغانيات المدَّهِ ... سَبَّحن واسترجعن من تألهِ
يعني: من عبادتي، فتوحيد الإلهية، أو توحيد الألوهية: هو توحيد العبادة، يعني: جَعْل العبادة لواحد، وهو الله ﷻ، فالعبادة التي يفعلها العبد أنواع، والله - جل وعلا - هو المستحق للألوهة وللعبادة، فهو ذو الألوهة، وهو ذو العبادة على خلقه أجمعين.
فـ " توحيد " الألوهية: هو توحيد الله بأفعال العبد المتنوعة، التي يوقعها على جهة التقرب، فإذا توجه بها لواحد وهو الله- جل وعلا- كان موحدا إياه توحيد الإلهية، وإذا توجه العبد بها لله ولغيره كان مشركا في هذه العبادة.
وأما النوع الثالث من التوحيد: فهو توحيد الأسماء والصفات، ومعناه: أن يعتقد العبد أن الله ﷻ واحد في أسمائه وصفاته لا مماثل له فيها، وإن شَرِكَ بعضُ العباد الله -جل وعلا- في أصل بعض الصفات فإنهم لا يَشْرَكُونه -جل وعلا - في كمال المعنى، بل الكمال فيها لله وحده دون من سواه، ومثال ذلك: أن المخلوق قد يكون عزيزا، والله ﷻ هو العزيز، فللمخلوق من صفة العزة ما يناسب ذاته الحقيرة الوضيعة الفقيرة، والله -جل وعلا - له من كمال هذه الصفة منتهى ذلك، ليس له فيها مثيل، وليس له فيها مشابه على الوجه التام، قال -جل وعلا-: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] [الشورى: ١١]
فهذه الأنواع الثلاثة من التوحيد ذكرها الشيخ-﵀ في هذا الكتاب، لكن لما كانت التصانيف قبله اعتنى فيها العلماء- أعني علماء السنة والعقيدة - ببيان النوعين: الأول، والثالث، وهما توحيد الربوبية وتوحيد
1 / 7
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
الأسماء والصفات، لما اعتنى العلماء بهما لم يبسط الشيخ- ﵀ القول فيهما، وإنما بسط القول فيما الناس أحوج إليه، ويفتقدون التصنيف فيه، وهذه طريقة الإمام ﵀ فإن كتاباته المختلفة، ومؤلفاته المتنوعة: إنما كانت بحسب حاجة الناس إليها، ليست للتكاثر، أو للاستكثار، أو للتفنن، وإنما كتب فيما الناس بحاجة إليه، فلم يكتب لأجل أن يكتب، ولكن كتب لأجل أن يدعو، وبين الأمرين فرق، فالشيخ- إذًا- بيَّن في هذا الكتاب توحيد الإلهية والعبودية، وبين أفراده من: التوكل، والخوف، والمحبة، والرجاء، والرغبة، والاستعانة، والاستغاثة، والذبح، والنذر، ونحو ذلك، فكل هذه عبادات لله - سبحانه وحده - دون من سواه. ثم إن الشيخ- ﵀ لما بسط ذلك بَيَّنَ أيضا ضده وهو الشرك. فهذا الكتاب الذي هو كتاب التوحيد، فيه بيان توحيد العبادة، والربوبية، والأسماء والصفات، وفيه -أيضا - بيان ضد ذلك، وضد التوحيد: الشرك. والشرك معناه: اتخاذ الشريك، وهو: أن يُجْعَلَ واحدٌ شريكًا لآخر؛ يقال: أشرك بينهما: إذا جعلهما اثنين، أو أشرك في أمره غيره: إذا جعل ذلك الأمر لاثنين: فالشرك فيه تشريك، والله - جل وعلا - نهى عن الشرك، كما سيأتي الكلام على ذلك - إن شاء الله -.
وقد بين أهل العلم عند كلامهم عن الشرك: أنه بحسب ما دلت عليه النصوص: يُقسَّم إلى قسمين باعتبار، ويقسم إلى ثلاثة أقسام باعتبار آخر؛ فهو إما أن يقسَّم إلى: شرك أكبر، وشرك أصغر. فهذا باعتبار انقسامه إلى قسمين، أو يقسم إلى شرك أكبر، وشرك أصغر وشرك خفي. فهذا باعتبار انقسامه إلى ثلاثة أقسام.
1 / 8
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
والشرك: هو اتخاذ شريك مع الله- جل وعلا - في الربوبية، أو في العبادة، أو في الأسماء والصفات. والمقصود هنا: النهي عن اتخاذ شريك مع الله - جل وعلا - في العبادة، والأمر بتوحيده - سبحانه-.
التقسيم الأول: وهو تقسيم الشرك إلى أكبر وأصغر، فالأكبر: هو المخرج من الملة، والأصغر: ما حكم الشارع عليه بأنه شرك. وليس فيه تنديد كامل يُلْحِقُهُ بالشرك الأكبر، وعبَّر عنه بعض العلماء بقوله: ما كان وسيلة إلى الشرك الأكبر، فعلى هذا يكون الشرك الأكبر منه ما هو ظاهر، ومنه ما هو باطن خفي.
فمثال الظاهر من الشرك الأكبر: عبادة الأوثان، والأصنام، وعبادة القبور، والأموات والغائبين. ومثال الباطن: شرك المتوكلين على المشايخ، أو على الآلهة المختلفة، أو كشرك المنافقين؛ لأن المنافقين مشركون في الباطن؛ فشركهم أكبر، ولكنه خفي، أي في الباطن، وليس في الظاهر.
وكذلك الشرك الأصغر- على هذا التقسيم- منه ما هو ظاهر، ومنه ما هو باطن خفي، فمثال الظاهر من الشرك الأصغر: لبس الحلقة، والخيط، وتعليق التمائم، والحلف بغير الله، ونحو ذلك من الأعمال والأقوال. ومثال الباطن الخفي منه: يسير الرياء ونحو ذلك. فيكون الرياء- على هذا التقسيم أيضا- منه ما هو أكبر كرياء المنافقين الذين قال الله في وصفهم: ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢] [النساء: ١٤٢]، ومنه: ما يقع فيه بعض المصلين المتصنعين في صلواتهم؛ لأجل نظر الناس إليهم، ومنه ما هو أصغر كمن يحب التسميع أو المراءات.
1 / 9
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
التقسيم الثاني للشرك -وهو جعله ثلاثة أقسام-: أكبر، وأصغر، وخفي، وهذا التقسيم يعني به أن الأكبر: ما كان مخرجا من الملة؛ مما فيه صرف العبادة لغير الله- ﷻ، والأصغر: ما كان وسيلة لذلك الشرك الأكبر، وفيه تنديد لا يبلغ به أن يخرج من الإسلام، وقد حكم الشارع على فاعله بالشرك، وحقيقة الحال: أنه ندد وأشرك.
وأما الشرك الخفي، فهو: كيسير الرياء، ونحو ذلك. وبعض أهل العلم يقول بالتقسيم الأول، ومنهم من يقول بالثاني. والتحقيق أنهما متساويان، أحدهما يوافق الآخر، وليس بينهما اختلاف. فإذا سمعت من يقول: إن الشرك ينقسم إلى أكبر، وأصغر: فقوله هذا صحيح، وإذا سمعت من يقول - وهو قول أئمة الدعوة -: إن الشرك ينقسم إلى أكبر وأصغر وخفي: فهذا -أيضا- قوله صحيح.
فإذا تبين ذلك، فاعلم أن الشرك يعبر عنه بالتنديد، كما قال - جل وعلا -: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة: ٢٢] [البقرة: ٢٢]، «وقال النبي ﷺ حينما سئل أي الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله ندا، وهو خلقك» (١) .
فالتنديد منه ما هو تنديد أعظم، ومنه ما هو تنديد أصغر ليس فيه صرف العبادة لغير الله، فإذا كان التنديد بجعل العبادة لغير الله: صار التنديد شركا أكبر، وإذا كان التنديد بجعل غير الله -جل وعلا - ندا لله في عمل، ولم يبلغ ذلك الشرك الأكبر: فإنه يكون تنديدا أصغر، وهو المسمى بالشرك الأصغر،
(١) أخرجه البخاري (٤٧٦١) و(٦٨١١) و(٧٥٢٠) مسلم (٨٦) (١٤١) .
1 / 10