হুজ্জা ফি কিরাআত সাব'আ
الحجة في القراءات السبع
সম্পাদক
د. عبد العال سالم مكرم [ت ١٤٢٩ هـ] الأستاذ المساعد بكلية الآداب - جامعة الكويت
প্রকাশক
دار الشروق
সংস্করণ
الرابعة
প্রকাশনার বছর
١٤٠١ هـ
প্রকাশনার স্থান
بيروت
ـ[الحجة في القراءات السبع]ـ
المؤلف: الحسين بن أحمد بن خالويه، أبو عبد الله (المتوفى: ٣٧٠هـ)
المحقق: د. عبد العال سالم مكرم، الأستاذ المساعد بكلية الآداب - جامعة الكويت
الناشر: دار الشروق - بيروت
الطبعة: الرابعة، ١٤٠١ هـ
عدد الأجزاء: ١
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
(تنبيه): ط دار الرسالة (الأولى،١٤٢١هـ - ٢٠٠٠م) لنفس المحقق وبنفس ترقيم الصفحات
অজানা পৃষ্ঠা
مقدّمة الطّبعة الأولى
ابن خالويه
ابن خالويه شخصية لم تظفر بالدراسة الواسعة بعد؛ لأنه في مجال القراءات والنحو، واللغة لا يقل عن هؤلاء الأعلام الذين ظفروا بمثل هذه الدراسة كأبي على الفارسي، وابن جني، وغيرهما.
ولعلّي بهذه الترجمة الموجزة أنير الطّريق أمام الباحثين ليتّجهوا إلى تراث هذا الرجل المطبوع والمخطوط، ليقيموا في ضوئه دراسات وبحوثا، تظهر مكانة الرجل في عصره، ومكانة تراثه بين تراثنا الخالد.
نسبه:
سجّلت كتب الطبقات أن اسمه: الحسين بن أحمد بن خالويه بن حمدان؛ وكنيته: أبو عبد الله «١».
نشأته
- ذكر ياقوت: أنه نشأ في (همذان)، ثم وفد إلى (بغداد) بعد ذلك، ويشاركه في هذا الرأي السيوطي في البغية «٢» وقد سجّل الرّواة أنه في سنة أربع عشرة وثلاثمائة دخل بغداد ليتلقى عن شيوخها، ويأخذ عن أعلامها.
هذا، ولم تتعرض كتب الرواة لسنة مولده، وإن تعرّضت لسنة وفاته، فقد أجمعت على أنه توفي بحلب سنة سبعين وثلاثمائة «٣».
(١) البغية ١ - ٥٢٩، معجم الأدباء ٩ - ٢٠٠.
(٢) البغية ١ - ٥٢٩.
(٣) البغية ١ - ٥٢٩، معجم الأدباء ٩ - ٢٠٠، غاية النهاية ١ - ٢٣٧.
1 / 5
شيوخه
- من شيوخه الذين كان لهم أثر كبير في تكوينه العلمي والثقافي.
١ - ابن مجاهد:
تلقى ابن خالويه، على ابن مجاهد علوم القرآن الكريم والقراءات وهو: أحمد بن موسى بن العباس التميمي، كان يلقب في عصره بشيخ الصنعة، ويكفيه فخرا أنه أوّل من سبّع السبعة، وكان إليه المرجع في فن القراءات «١».
٢ - ابن دريد:
وهو أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي، تلقّى عليه ابن خالويه النحو والأدب.
وكان ابن دريد شاعرا كثير الشّعر، ومن شعره «المقصورة» المشهورة، والقصيدة المشهورة التي جمع فيها بين المقصور والممدود «٢». ولما مات هو وأبو هاشم الجبّائي في يوم واحد، ودفنا في مقبرة (الخيزران)، قال الناس: مات علم اللغة والكلام بموت ابن دريد والجبّائي.
وقد رثاه جحظة فقال:
فقدت بابن دريد كل منفعة ... لما غدا ثالث الأحجار والترب
قد كنت أبكي لفقد الجود آونة ... فصرت أبكي لفقد الجود والأدب
«٣» ٣ - ابن الأنباري:
هو أبو بكر محمد بن القاسم بن بشّار الأنباري النحوي، كان من أعلم الناس وأفضلهم في نحو الكوفيين، وأكثرهم حفظا للغة.
وكان ابن الأنباري- كما يذكر الرّواة- مهتما بالدراسة القرآنية، فقد ذكروا أنه كان يحفظ ثلاثمائة ألف بيت شاهد في القرآن الكريم. «٤»
وقال عنه: محمد بن جعفر التّميمي: «أما أبو بكر بن الأنباري فما رأينا أحفظ منه، ولا أغزر منه في علمه». «٥»
(١) غاية النهاية ١ - ١٤٢.
(٢) نزهة الألباء- ١٧٤.
(٣) نزهة الألباء- ١٧٥.
(٤) نزهة الألباء- ١٧٩.
(٥) نزهة الألباء- ١٨١
1 / 6
ويحكى أن الأنباري عن نفسه فيقول: إنه كان يأخذ الرّطب ويشمه ويقول:
«أما إنّك طيّب، ولكن أطيب منك ما وهب الله ﷿ لي من العلم» «١».
٤ - أبو عمر الزّاهد:
هو أبو عمر: محمد بن عبد الواحد بن أبي هاشم اللغوي الزاهد كان من أكابر أهل اللغة، وأحفظهم لها. أخذ عن أبي العباس ثعلب، وكان يعرف بغلام ثعلب.
وقد قال عنه أبو القاسم عبد الواحد بن برهان الأسدي: «لم يتكلم في علم اللغة من الأولين والآخرين أحسن من كلام أبي عمر الزّاهد». وقال فيه أبو العباس اليشكري يمدحه
أبو عمر أوفى من العلم مرتقى ... يزل مساميه، ويردي مطاوله
فلو أنني أقسمت ما كنت كاذبا ... بأن لم ير الراءون حبرا يعادله
إلى أن يقول:
إذا قلت شارفنا أواخر علمه ... تفجّر حتى قلت هذي أوائله
«٢» ٥ - أبو سعيد السيرافي:
هو أبو سعيد الحسن بن عبد الله بن المرزبان السيرافي النحوي، كان من ألمع نجوم عصره، فسعى إليه ابن خالويه، وجلس في حلقته، وتأثر به أثرا كبيرا ظهر في منهجه اللغوي والنحوي الذي سنتعرض له فيما بعد، ذلك لأن أبا سعيد كان كما يقول المرحوم الأستاذ أحمد أمين: «زعيم المحافظين في عصره» «٣» حيث يرى أن اللغة مرجعها الرواية والنقل، لا القياس والعقل. وبهذا المنهج استطاع السيرافي أن يهزم (متّى) المنطقي في مناظرة مشهورة، جعلت الوزير ابن الفرات- وكان مشاهدا لها- يقول في السيرافي: «عين الله عليك أيها الشيخ، فقد ندّيت أكبادا، وأقررت عيونا، وبيّضت وجوها، وحكت طرازا لا يبليه الزمان، ولا يتطرّق إليه الحدثان. «٤»
وبعد، فإذا كان التلميذ صنعة أستاذه، فقد كان حظ ابن خالويه في تكوين شخصيته، وتربية عقله، وسموّ تفكيره، كبيرا، لأنه جلس في حلقات هؤلاء الأعلام الذين ملئوا
(١) نزهة الألباء- ١٨١
(٢) نزهة الألباء: ١٨٩.
(٣) ظهر الإسلام: ٢ - ٩١.
(٤) الامتاع والمؤانسة: ١ - ١٢٨، ١٢٩.
1 / 7
الدنيا بآثارهم الفكرية، وإنتاجهم الأدبي، الذي خلّد ذكرهم، وعطر في التاريخ سيرتهم.
رحلاته
- ذكر «إنباء الرواة»: أنه دخل اليمن، ونزل ديارها، وهي رواية اللّحجي اليمني في كتابه «الأترجّة» «١» حين تعرّضه لابن الحائك اليمني وشعره، قال ما نصه:
«ومن الشاهد على ذلك أن الحسين بن خالويه الإمام لما دخل اليمن، ونزل ديارها، وأقام بها، شرح ديوان ابن الحائك، وعنى به، وذكر غريبه وإعرابه».
قال صاحب الإنباه:
«ولم أعلم أن ابن خالويه دخل اليمن إلّا من كتاب «الأترجة» هذا، وهو كتاب غريب، قليل الوجود اشتمل على ذكر شعر اليمن في الجاهلية والإسلام إلى قريب من زماننا هذا، وما رأيت منه نسخة، ولا من ذكره إلّا نسخة واحدة جاءت في كتاب الوالد أحضرت بعد وفاته من أرض اليمن» «٢».
على أية حال كانت إن صحّت هذه الرواية فمن المؤكد أن رحلته هذه إلى اليمن كانت قبل رحلته إلى حلب حيث سكنها، وعاش في كنف سيف الدولة بها، وهناك انتشر علمه. «٣»
ويزيد «الإنباه» أنه تصدّر أيضا (بميّافارقين) و(حمص) للإفادة والتصنيف «٤» وأخيرا استقر به المقام في (حلب) حيث وافاه الأجل المحتوم في سنة سبعين وثلاثمائة.
حياته الاجتماعية
- فيما يبدو أن ابن خالويه كانت معيشته ضنكا، فقد كان يجري وراء المال ليسدّ العوز، ويبعد الفاقة، يدل على ذلك قوله لسيف الدولة حينما سأل جماعة في مجلسه؛ هل تعرفون اسما ممدودا، وجمعه مقصور؟ فقالوا: لا. فقال ابن خالويه: أنا أعرف اسمين لا أقولهما إلّا بألف درهم لئلا يؤخذا بلا شكر. «٥»
ويدل على ذلك أيضا قوله:
وكم قائل ما لي رأيتك راجلا ... فقلت له من أجل أنك فارس
(١) الأترج: بضمّ الهمزة، وتشديد الجيم: فاكهة معروفة، الواحدة: «أترجّة».
(٢) الإنباه: ١ - ٣٢٦.
(٣) البغية ١ - ٥٢٩.
(٤) الإنباه: ١ - ٣٢٥
(٥) البغية ١ - ٥٣٠.
1 / 8
وقوله:
الجود طبعي، ولكن ليس لي مال ... فكيف يبذل من بالقرض يحتال
فهاك حظي فخذه اليوم تذكرة ... إلى اتساعي فلي في الغيب آمال
«١»
معاصروه:
١ - أبو علي الفارسي:
في عصر ابن خالويه ظهر رجل له شهرته، ومكانته في النحو واللغة والقراءات، ذلك هو الحسن بن أحمد بن عبد الغفار بن سليمان الفارسي.
كان الفارسي من أكابر أئمة النحو، وشغل الناس بآرائه في القياس والعلّة والمنطق والجدل حتى فضله كثير من النحويين على أبي العباس المبرد.
وقال فيه أبو طالب العبدي: ما كان بين سيبويه وأبي علي أفضل منه «٢».
هذه المنزلة التي وصل إليها أبو علي في النحو جعلت عضد الدولة يقول: أنا غلام أبي علي في النحو. «٣»
وكانت المنافسة بين ابن خالويه وأبي علي الفارسي على أشدّها. فقد كتب أبو علي كتابه «الإغفال»، وذكر فيه ما أغفله شيخه أبو إسحاق الزجاج في كتابه: «معاني القرآن»، ولكن هذا النقد الذي وجهه أبو علي إلى أستاذه الزّجاج في (الإغفال) لم يرض ابن خالويه، فتعقبه فيما كتب. وعقب على تعقيبه أبو على في كتاب سماه «نقض الهاذور» وبسط الكلام فيه كل البسط. وقد أورد البغدادي في «خزانته» طائفة من المسائل التي كانت موضع نقاش بين أبي علي وابن خالويه، أذكر منها على سبيل المثال قول ابن خالويه:
«إن الواو إذا كانت في أوائل القصائد نحو: وقاتم الأعماق ... فإنها تدل على ربّ فقط، ولا تكون للعطف، لأنه لم يتقدم ما يعطف عليه بالواو.
وقال الفارسي في «نقض الهاذور»: هذا شيء لم نعلم أحدا ممّن حكينا قوله ذهب إليه، ولا قال به» «٤».
(١) البغية ١ - ٥٣٠
(٢) نزهة الألباء: ٢٠٨
(٣) معجم الأدباء ٧ - ٢٣٤
(٤) خزانة الأدب: ١ - ٣٩.
1 / 9
وقال ابن الأنباري في (نزهة الألباء): إنه اجتمع هو وأبو علي الفارسي فجرى بينهما كلام، فقال لأبي علي: نتكلّم في كتاب سيبويه، فقال له أبو عليّ: بل نتكلم في الفصيح.
ويحكى أنه قال لأبي علي: كم للسيف اسما؟ قال: اسم واحد، فقال له ابن خالويه:
بل أسماء كثيرة، وأخذ يعدّدها نحو: الحسام، والمخذم، والقضيب ... فقال أبو علي:
هذه كلها صفات. «١»
ولم تكن منافسة ابن خالويه لأبي علي إلّا صدى لمنافسة أستاذه أبي سعيد السيرافي لأبي علي الفارسي، فقد كان أبو علي- كما يقول أبو حيان التوحيدي- «متقدا بالغيظ على أبي سعيد وبالحسد له، كيف تمّ له تفسير كتاب سيبويه من أوّله إلى آخره، بغريبه، وأمثاله، وشواهده، وأبياته، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، لأن هذا شيء ما تمّ للمبرد، ولا للزجاج، ولا لابن السراج، ولا لابن درستويه مع سعة علمهم، وفيض كلامهم» «٢».
ولمنزلة أبي سعيد السّيرافي في نفس تلميذه ابن خالويه أرسل إلى سيف الدولة ليعلمه تطاول الفارسيّ على السّيرافيّ، وهو تطاول غير محمود، لأن منزلة السّيرافي وبخاصة بعد هزيمة (متّى) المنطقي نسجت حوله ثوبا من القدسية والمهابة، فلا يليق بأبي علي أو غيره، أن ينال من هذه الشخصية التي أعلت لغة العرب، وذلّلت مصاعب كتاب سيبويه.
ولم يسكت الفارسي حينما علم خبر هذه الرقعة- فأرسل إلى سيف الدولة رقعة ينفي فيها عن نفسه التهمة، ويزيل اللّبس. ومن العبارات التي ضمتها رسالة الفارسي قوله: «من ذلك بعض ما يدل على قلة تحفظ هذا الرجل- يعني بذلك ابن خالويه فيما يقوله- هو قوله:
لو يبقى عمر نوح ما صلح أن يقرأ على السّيرافي مع علمه بأن (ابن بهراذ) السّيرافي يقرأ عليه الصبيان ومعلموهم، أفلا أصلح أن أقرأ على من يقرأ عليه الصبيان؟ هذا، مما لا خفاء فيه، كيف، وقد خلط فيما حكاه عنّي؟. وأني قلت: إنّ السيرافي قد قرأ عليّ. ولم أقل هذا، إنما قلت: تعلّم مني، أو أخذ منّي هو أو غيره ممّن ينظر اليوم في شيء من هذا العلم. وليس قول القائل: تعلّم منّي مثل قرأ عليّ، لأنه يقرأ عليه من لا يتعلّم منه، وقد يتعلّم منه من لا يقرأ عليه. وتعلّم ابن بهراذ السيرافي منّي في أيام محمد بن السّري وبعده
(١) نزهة الألباء: ٢٠٨.
(٢) الإمتاع والمؤانسة: ١٣١.
1 / 10
لا يخفى على من كان يعرفني ويعرفه كعليّ بن الورّاق، ومحمد بن أحمد بن يونس، ومن كان يطلب هذا الشأن من بني الأزرق الكتّاب وغيرهم. وكذلك كثير من الفرس الذين كانوا يرونه يغشاني في (صف شوينز) كعبد الله بن جعفر بن درستويه النحوي، لأنه كان جاري بيت بيت قبل أن يموت الحسن بن جعفر أخوه، فينتقل إلى داره التي ورثها عنه في درب الزعفراني» «١».
وإنّي حرصت على تسجيل هذا الجزء من هذه الرسالة، ليكون مثالا واضحا يدلّ على مدى التّنافس الكبير الذي كان بين الرجلين، ليظفر كلّ منهما بقلب سيف الدولة من ناحية، وازدهار هذا العصر في مجالات اللغة والنحو من ناحية أخرى.
٢ - المتنبي:
لم يكن أبو الطّيّب أحمد بن الحسين الجعفي شاعرا يملأ الدنيا بأشعاره، وتسمع كلماته من به صمم فحسب، بل كان لغويا نحويّا متضلّعا، يدلّ على ذلك أن أبا الطيب «اجتمع هو وأبو علي الفارسيّ، فقال له أبو علي: كم جاء من الجمع على وزن فعلي؟ (بكسر الفاء) فقال المتنبي: حجلى وظربى، جمع: حجل وظربان. قال أبو علي: فسهرت تلك الليلة ألتمس لهما ثالثا فلم أجد. وقال في حقه: ما رأيت رجلا في معناه مثله» «٢».
اتصل المتني بسيف الدولة يمدحه، ويكثر من المدح فيه، وكانت بينه وبين ابن خالويه في مجلس سيف الدولة مناقشات توضح مدى التنافس بين الرجلين.
يحكى أنه لما أنشد سيف الدولة بن حمدان قوله في مطلع بعض قصائده:
وفاؤكما كالزبع أشجاه طاسمه.
كان هناك ابن خالويه، فقال له: يا أبا الطيّب: إنما يقال: شجاه- توهّمه فعلا ماضيا- فقال أبو الطيّب: اسكت فما وصل الأمر إليك. «٣»
وقال له ابن خالويه النحوي يوما في مجلس سيف الدولة: لولا أن أخي جاهل لما رضي أن يدعي بالمتنبي، لأن معنى المتنبي. كاذب، ومن رضي أن يدعي بالكذب فهو جاهل فقال:
لست أرضى أن أدعي بذلك، وإنما يدعوني به من يريد الغض مني، ولست أقدر على المنع. «٤»
(١) المسائل الحلبية: لأبي علي الفارسي، ورقة ١١٤، مخطوط رقم ٢٦٦ نحو. تيمور.
(٢) نزهة الألباء: ٢٠١.
(٣) نزهة الألباء: ٢٠١.
(٤) نزهة الألباء: ٢٠٠.
1 / 11
وذكر الرئيس أبو الحسن محمد بن علي بن نصر الكاتب في كتاب: «المفاوضة»:
حدثني أبو الفرج عبد الواحد بن نصر الببغاء قال: وأذكر ليلة، وقد استدعي سيف الدولة بدرة، فشقها بسكين الدواة، فمدّ ابن خالويه جانب طيلسانه، وكان صوفا أزرق فحثا فيه سيف الدولة شيئا صالحا، ومددت ذيل درّاعتي وكانت ديباجا، فحثا إليّ فيها، وأبو الطيّب حاضر، وسيف الدولة ينتظر منه أن يفعل مثل فعلنا، أو يطلب شيئا منها، فما فعل، فغاظه ذلك، فنثرها كلها، فلما رأى المتنبي أنها قد فاتته زاحم الغلمان يلتقط معهم، فغمزهم عليه سيف الدولة، فداسوه وركبوه، وصارت عمامته وطرطوره في عنقه، واستحيا، ومضت له ليلة عظيمة، وانصرف.
وخاطب أبو عبد الله بن خالويه سيف الدولة في ذلك، فقال: ما يتعاظم تلك العظمة، ويتضع إلى مثل هذه المنزلة إلّا لحماقته. «١»
٣ - ابن جنّي:
أبو الفتح عثمان بن جنّى النحوي من معاصري ابن خالويه، فقد توفي ابن جنى سنة ٣٩٢ هـ.، على حين توفي ابن خالويه ٣٧٠ هـ. «٢» وقد تتلمذ ابن جنى على أبي علي الفارسيّ، وصحبه أربعين سنة. وكان سبب صحبته إياه أن أبا علي الفارسي سافر إلى (الموصل)، فدخل الجامع، فوجد أبا الفتح عثمان بن جنى يقرأ النحو، وهو شاب، وكان بين يديه متعلّم، وهو يكلّمه في قلب الواو ألفا، نحو: قام، وقال، فاعترض عليه أبو علي فوجده مقصّرا، فقال له أبو علي: زبّبت قبل أن تحصرم، ثم قام أبو علي ولم يعرفه ابن جني، وسأل عنه، فقيل له: هو أبو علي الفارسي النحوي فأخذ في طلبه، وصاحبه إلى أن مات أبو علي وخلفه ابن جنّى ودرس النحو ببغداد بعده، وأخذ عنه. «٣»
والذي يعنيني من هذه المعاصرة أن ابن جنّي تتلمذ على أبي علي الفارسي، وأن ابن خالويه تتلمذ على أبي سعيد السيرافي. والشيخان رأسان في عصرهما، عاشا في مجال النحو واللغة يبدعان ما شاء لهما الإبداع، ولكنهما افترقا في المنهج والطريقة. وقد أثرت هذه التفرقة في نفس تلميذيهما، فسارا على الدرب، وسلكا نفس المنهج. فالفارسي وتلميذه
(١) إنباه الرواة: ١ - ٣٢٧.
(٢) نزهة الألباء: ٢٢٢.
(٣) نزهة الألباء: ٢٢١.
1 / 12
يكثران من المنطق والعلة. وأبو سعيد وتلميذه لا يحفلان بأهمية المنطق، ولا يعيران التعليل النحوي هذا الاهتمام البالغ، وإنما يحفلان بالرواية، والأثر، والسماع، وما نقل عن العرب يدلّ على ذلك قول بعض الأدباء في رءوس النحو الثلاثة الفارسي، والرمّاني، والسيرافي:
«كنّا نحضر عند ثلاثة مشايخ من النحويين، فمنهم من لا نفهم من كلامه شيئا، ومنهم من نفهم بعض كلامه دون البعض، ومنهم من نفهم جميع كلامه، فأمّا من لا نفهم من كلامه شيئا، فأبو الحسن الرمّاني، وأمّا من نفهم بعض كلامه دون البعض فأبو علي الفارسيّ، وأمّا من نفهم جميع كلامه فأبو سعيد السّيرافيّ» «١».
هذا، وقد كان بلاط سيف الدولة يشهد في كل المجالس العلميّة والأدبيّة التي تعقد فيه مناظرات عديدة بين الفارسيّ وابن خالويه من ناحية، وبين ابن خالويه والمتنبي من ناحية أخرى ... وكان ابن جنى يشهد هذه المجالس، وتوثقت صلته بالمتنبي حتى قال فيه المتنبي:
«هذا رجل لا يعرف قدره كثير من الناس»، وهذا التقدير الأدبي من جانب المتنبي جعل ابن جنى يشرح ديوانه شرحا كما يقول المرحوم الأستاذ أحمد أمين: «استفاد منه كلّ من شرح الديوان بعده لاتصاله بالمتنبي، ومعرفته بظروف شعره التي كثيرا ما تحدّد المعنى، وتمنع التأويلات». «٢»
وكما توثقت الصلة بين ابن جنّى العالم النحوي وبين المتنبي الشاعر، كذلك توثقت الصلة بين ابن خالويه العالم النحوي وبين الشاعر أبي فراس الحمداني الذي كان الرواية الوحيد لشعره وديوانه. وقد صوّر هذه المنافسة المرحوم أحمد أمين حيث قال ما نصه:
«فكان في القصر- يقصد قصر سيف الدولة- حزبان، حزب للمتنبي منه ابن جنّى النحوي، وحزب عليه، منه ابن خالويه اللغوي وأبو فراس الشاعر» «٣».
مكانته اللغوية والنحوية:
ابن خالويه كانت له قدم راسخة في الدراسات اللغوية، فقد تتلمذ على ابن دريد- كما ذكرنا- وابن دريد له في اللغة كتاب «الجمهرة» وهو كتاب ثمين عرف قيمته أولو العلم، ورجالات الأدب منذ تأليفه، فأبو علي القالي كان يملك نسخة من «الجمهرة» بخط مؤلفها، وكان قد أعطى بها ثلاثمائة مثقال فأبى، فاشتدت
(١) نزهة الألباء: ٢١١.
(٢) ظهر الإسلام: ١ - ١٨٦.
(٣) ظهر الإسلام: ١ - ١٨٦.
1 / 13