تاريخ التراث العربي لسزكين - العلوم الشرعية
تاريخ التراث العربي لسزكين - العلوم الشرعية
প্রকাশক
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
জনগুলি
•Islamic history
অঞ্চলগুলি
তুরস্ক
-[تصدير]-:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه.
أما بعد، فإن الله ﷿، منذ أكرم هذه الأمة بالإسلام، وهداها سبيل الرشاد بالقرآن، وأنار لها طريق الحق باتباع سنة رسوله محمد ﷺ، وهو يأخذ بيد العلماء وطلاب العلم من أبنائها، نحو الدرس الجاد، والبحث الدقيق، ويمكّن لهم من الصبر على مشقة الطريق، والدأب فى تحمل أمانة العلم، وإخلاص النية فيه، ما يراه الناس آية من الآيات التى تبهر العيون، وتدهش العقول.
فمنذ بدأ الصحابة رضوان الله عليهم يتلقون عن رسول الله ﷺ ما يوحى إليه من ربه، ثم ينقلون هذا العلم ويبلغونه إلى التابعين من بعدهم، ومسيرة الثقافة الإسلامية تنمو يوما بعد يوم، ويجدّ فيها من العلوم والمعارف، وينضم إليها من ثقافة الأمم الأخرى ما يكوّن حضارة عظيمة، استنارت بها الدنيا قرونا متطاولة، وما زالت تستمد من هذه الحضارة. وتبنى على علومها ومعارفها، ومن هنا كان اهتمام السابقين من علماء الغرب بتراثنا الثقافى جمعا وفهرسة ودراسة وتحقيقا، ثم أصدر المستشرق الألمانى كارل بروكلمان كتابه الشامل تاريخ الأدب العربى، مؤرخا للثقافة العربية الإسلامية فى عصورها المختلفة، دالا على أماكن وجود مخطوطاتها في مكتبات العالم، وكان صدور هذا الكتاب أمرا حفز العالم المسلم الدكتور فؤاد سزگين لاستكمال هذا العمل فى أول الأمر، ثم أتيح له من التوفيق ما أنشأ به العمل إنشاء على نحو جديد، جعله سجلا للثقافة العربية الإسلامية يضم بين دفتيه أعلامها ومؤلفاتهم، وديوانا للعلوم والمعارف يسجل نشأتها ومراحل تدوينها وتطورها، ويثير قضاياها، ويناقش ما دار فى فلك تاريخها، فاستحق شكر الباحثين وثناءهم، وتكريم مؤسسة الملك فيصل ﵀ الخيرية، حيث كان أول فائز بجائزتها.
وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية التى اعتمدت البحث العلمى مجالا رائدا للدراسة فيها، وسبيلا قويما للنمو والتطور، تدرك ما لكتاب الدكتور فؤاد سزگين من أهمية،
1 / 5
وتحرص على أن يفيد منه الدارسون فى اللغة الأصلية التى حوى تاريخ تراثها، وكان قد سبق للهيئة المصرية العامة للكتاب بالقاهرة إصدار المجلد الأول من الكتاب، فى جزءين بترجمة الدكتورين فهمى أبو الفضل، ومحمود فهمى حجازى، ثم توقف إصدار الكتاب، لذلك صحت عزيمة الجامعة على ترجمة ونشر المجلدات الخاصة بعلوم القرآن والحديث والفقه والعقيدة والتاريخ والشعر العربى واللغة والنحو والبلاغة والنثر الفنى والعروض والأدب والفلسفة والمنطق وعلم النفس والأخلاق والسياسة والاجتماع. وأسندت إعادة ترجمة المجلد الأول إلى الدكتور محمود فهمى حجازى، وترجمة المجلد الثانى إلى الدكتور عرفة مصطفى، كما عهدت إلى أساتذة متخصصين فى الجامعة قراءة الترجمة العربية للكتاب، وقامت إدارة الثقافة بالجامعة على طبعه ونشره.
وستتابع الجامعة- بمعونة الله وتوفيقه- ترجمة ونشر بقية هذه المجلدات، حتى تعم الفائدة به إن شاء الله تعالى.
إن هذا الكتاب «تاريخ التراث العربى» يكشف بجلاء عظمة تاريخنا الثقافى الممتد عبر القرون، ويؤكد اهتمام سلفنا رضى الله عنهم، بالبحث ونشر العلم، وإنا لنرجو أن يأتم الخلف بالسلف، فتقوم سوق العلم مرة أخرى فى ديار الإسلام، ويزدهر الحاضر فيلتحم بالماضى.
وختاما نشكر لأخينا الدكتور فؤاد سزگين اهتمامه بالعلوم العربية والإسلامية ومتابعته لقضاياها، ونثنى على جهده وخدمته للباحثين فى هذا الميدان، كما نشكره على تعاونه مع الجامعة فى ترجمة الكتاب إلى اللغة العربية، وإننا لنأمل أن تكون الترجمة دقيقة وافية بالمطلوب، ترضى الباحثين وتيسر لهم طريق المعرفة والعلم.
كما نأمل أن تكون الجامعة وفت بهذا العمل بما يجب عليها من خدمة التراث الإسلامى، وإعانة الباحثين فيها.
وأسأل الله العلى القدير أن يوفقنا إلى ما فيه صلاح أمتنا، وأن يجزل المثوبة لكل من شارك بعلم نافع وعمل صالح، انه سميع مجيب.
الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركى مدير جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
1 / 6
مقدمة: للمؤلف: د. فؤاد سزكين
لقد كتبت مقدمتى الأولى للأصل الألمانى من هذا المجلد قبل سبع عشرة سنة سعيدا بما يسر لى الله ﷿ من تقديم حصيلة عمل مستمر دام خمسة عشرة عاما. واليوم تغمرنى سعادة أكبر حين أفكر بما تمّ بحمد الله تحقيقه من مشروع كتابى «تاريخ التراث العربى» بنشر ثمانية مجلدات أخرى منه إلى الآن.
ويجد القارئ فى المقدمة الأولى أننى كنت فى بادئ الأمر أعتزم تأليف ملحق لكتاب «تاريخ الأدب العربى» للمستشرق الألمانى كارل بروكلمان بالاستناد إلى المخطوطات المحفوظة فى مكتبات إستانبول، ثم تغيرت نيتى بمرور الزمن فأصبح هدفى أن يكون مؤلفى تجديدا لكتاب بروكلمان. وهكذا أنجزت المجلد الأول فعلا كتجديد لعمل بروكلمان وإن اتبعت فيه إلى حد ما نفس منهاجه. ثم ما لبثت أن قررت أثناء طبعه أن أحاول الانتقال من منهجه الذى هو بالدرجة الأولى منهج بيبلوغرافى لأواصل بالمجلدات التالية كتابة تاريخ للعلوم الإسلامية المكتوبة باللغة العربية فى إطار ما يسمح به تطور الدراسات والأبحاث المتخصصة فى هذا المجال ودراساتى الخاصة للمخطوطات والمطبوعات، مع الاحتفاظ بعنوان المجلد الأول.
لقد قضيت الآن أعواما فى تأليف هذا الكتاب سعيدا بما أراه من استفادة الباحثين فى العلوم العربية والإسلامية منه. وتيسر لى معرفة مواقفهم منه سواء أكانت تقديرا أو نقدا إيجابيا أو سلبيا فيما يخص المسائل الجوهرية أو الثانوية.
1 / 7
ولعل من أهم المسائل التي لفت إليها نظر القارئ بشكل خاص رأيى فى تاريخ تدوين الحديث النبوى الشريف والرواية الإسلامية فى القرون الأولى بعد الهجرة. وكان موقف بعض القرّاء الأوروبيين فى البداية سلبيا أو مترددا لظنّهم بأن الدافع وراء نظرتى إلى هذه القضية هو كونى مسلما. وانطلق أحد المستشرقين الشهيرين من هذا المنطلق ذاته حين رأى فى تقييمى «... موقفا تقليديا يرفض معظم نتائج الدراسات الإسلامية التى توصل إليها الغربيون». بيد أن هذا الحكم القاسى الذى لا يتماشى مع مضمون الكتاب لم يكن له ذلك التأثير الكبير على أولئك الزملاء من المستشرقين الذين وقفوا إلى جانبى، كما لم يقلل من أثره على بعض الدراسات، وإن لم يصرح بذلك أحيانا.
وجاء الاعتراض أيضا من قبل بعض القراء العرب، الذين اطّلعوا على جزء واحد فقط من الكتاب ترجم إلى العربية، على ما كتبته عن الإمام البخارى، ﵀، كمصنف كتاب فى الأحاديث النبوية الشريفة التى دافعت عن قدم كتابتها وتدوينها وتصنيفها، فاعتبرت عمله حلقة هامة فى تاريخ علم الحديث وأرجعت الحكم بأنه أول من صنّف أو أسند الأحاديث النبوية الشريفة، إلى تصورات وهمية حديثة المنشأ ظهرت فى بعض الدراسات الأوروبية فى منقلب القرن التاسع عشر إلى العشرين وتوصلت إلى استنتاج الواقع المسجل فى ما ترك لنا المحدّثون من الأخبار والكتب وأصول تحمّل العلم. ولقد لاقى رأيى هذا قبولا لدى كثير من القراء العرب الآخرين، وآمل أن تساهم قراءة المجلدات الأخرى بعد ترجمتها إلى العربية فى زيادة وتعميق التفهم لفكرة أساسية فى كتابى تقول بأن اشتغال المسلمين بالعلوم عامة بدأ فى عهد أقدم بكثير مما هو شائع بين معظم الباحثين والمتخصصين فى هذا المجال.
ولقد كان ما لمسته من رغبة قوية فى ترجمة الكتاب إلى العربية فور نشره من أسباب سعادتى العميقة. وقام الدكتور محمود فهمى حجازى والدكتور فهمى أبو الفضل بنقل المجلد الأول منه إلى العربية. وتم نشر القسم الأول منه فى سنة ١٩٧١ م على نفقة الهيئة المصرية العامة للكتاب. وقد فارقنا الدكتور فهمى أبو الفضل إلى رحمته تعالى قبل ذلك فلم يكتب له أن يرى ما ترجمه منشورا. وواصل الدكتور حجازى تصحيح ما ترجم فتمّ نشر ترجمة القسمين الأول والثانى اللذين يزيدان على ثلثى الأصل الألمانى للمجلد الأول.
1 / 8
وفى عام ١٩٧٨ م تولت جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية وجامعة الملك سعود (جامعة الرياض سابقا) ترجمة جميع ما نشر من الأصل الألمانى، وتمّ الاتفاق على أن تتولى جامعة الرياض ترجمة ونشر المجلد الثالث فى الطب، والرابع فى الكيمياء وعلم النبات والزراعة، والخامس فى الرياضيات، والسادس فى علم الفلك، والسابع فى علم أحكام النجوم والآثار العلوية وتتولى جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ترجمةو نشر بقية الكتاب كلّه.
والآن أحمد الله تعالى على إصدار القسم الأول من المجلد الأول بترجمة جديدة منقحة ليكون فى متناول القارئ العربى، بعد أن تمّ فى السنة الماضية نشر قسم «مجموعات المخطوطات العربية فى مكتبات العالم» المستلّ من المجلد السادس كقسم مستقل. وآمل أن يتحقق قريبا نشر ترجمة القسمين الأخيرين من المجلد الأول وترجمة المجلد الثانى فى الشعر العربى التى هى الآن تحت الطبع. أما ترجمة المجلد الثامن فى علم المعاجم والتاسع فى النحو فالمأمول أن تتم خلال سنة باذن الله.
ولعله تنبغى الإشارة هنا إلى سؤال قد يرد على ذهن القارئ: أما كان من الأجدر لدى ترجمة الكتاب تصويب ما تبين فيه بمرور الزمن من الأخطاء وإكمال ما قد ينقصه من نتائج الدراسات الأحدث وما نشر وحقق من النصوص واكتشف من المخطوطات بعد صدوره باللغة الألمانية؟ فالحقيقة أننى لم أرد الشروع فى مثل هذا التعديل- الذى يقتضى تفرغا له ووقتا طويلا- كى لا يتأخر صدور المجلدات الباقية من الكتاب التى أكرس معظم وقتى لتأليفها.
وأرى من واجبى الإفصاح هنا عن شكرى وتقديرى العميق لمعالى الأستاذ الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركى، مدير جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الذى وجّه عنايته الكريمة لأمر ترجمة الكتاب فحظيت باهتمامه الشخصى المستمر ورعايته، وهو ما فتئ منذ سنوات خمس يتخذ كل ما يقتضيه الأمر من إجراءات لإيصال هذا الكتاب للقارئ العربى. وأنا مدين بالشكر أيضا للمترجمين والمراجعين الدكتور محمود حجازى، والمرحوم الدكتور فهمى أبو الفضل، والدكتور مصطفى عرفة، والدكتور محمد سعيد عبد الرحيم، وأعرب هنا عن شكرى كذلك للدكتور عبد الفتاح الحلو والدكتور عبد القدوس أبى صالح والشيخ عبد الفتاح
1 / 9
أبى غدة والدكتور صالح الفوزان والدكتور محمد الصالح لمراجعتهم الترجمة العربية وللشيخ عبد الله بن إدريس والسيد عبد الله الموسى لاهتمامهما بالترجمة والطبع. ولجميع من شارك فى تقديم هذا الكتاب للقارئ العربى. وأدعو الله ﷿ أن يوفقنى إلى مواصلة تأليفه وإكماله، وأن يهدينى دائما طريق الحق والصواب ويجنبنى مواطن الزلل والانحراف.
فؤاد محمد سزگين فرانكفورت فى ٢٦/ ٤/ ١٤٠٣ هـ الموافق ١٠/ ٤/ ١٩٨٣ م
1 / 10
مقدمة الطبعة الأولى للمؤلف: د. فؤاد سيزكين
كنت قد عقدت العزم منذ خمسة عشر عاما؛ على عمل ملحق بمخطوطات مكتبات إستنبول للكتاب القيم «تاريخ الأدب العربى» لكارل بروكلمان،
c. brockelmann geschichte der arabischen litterarur
وكان هذا هو الحافز الذى دفعنى إلى القيام بعمل هذا الكتاب. ولم يكن يخطر ببالى عند البدء فى هذا العمل أنها مغامرة أقدمت عليها، ولا ريب أن هذا الشعور انتاب أيضا من سبقنى فى هذا المضمار. ولكن عند ما يرى الباحث أبعاد عمله، ويدرك حقيقة الصعوبات التى تعترض طريقه، فإن ارتباطه بموضوعه يصبح وثيقا، ولا سيما إذا كانت المادة التى جمعها غزيرة، وهو- لذلك- لا يستطيع التراجع عنه.
لقد توافرت عوامل كان من الممكن أن تدفعنى إلى الخوف والإحجام عن تنفيذ هذا العمل؛ فالآراء حول عمل من سبقنى فى هذا المضمار متفاوتة، والحكم عليه قاس، والنقد الذى ناله لاذع، والأخطاء التى وقع فيها عديدة، وهذه كلها عوامل كان من الممكن أن تجعل الذين يقبلون على مثل هذا العمل يخافون ويحجمون. ولكنى- مع ذلك- قد اتخذت منه، ومن حياته القاسية- التى كرس منها أكثر من خمسين عاما لكتابه- مثلا يحتذى، وحافزا جعلنى لا أتخلى عن تحقيق هذا الأمل، إفادة للمشتغلين بالدراسات العربية، ودفعا للبحث فى هذا الميدان خطوة إلى الأمام.
إن النقد الموجه إلى كتاب «بروكلمان» - الذى اشتهر فيما بعد- ربما يكون صحيحا فى جملته، ولكن أيجوز للمرء أن ينظر من وجهة نظر القارئ فقط، وينسى الصعوبات التى كان على المؤلف أن يذللها ويتغلب عليها؟ فقد كان عليه أن يجمع كثيرا من المواد، وينتقى منها، ثم يتعرف عليها وينسقها ويبوبها، وغالبا ما وقف مكتوف اليدين، عاجزا عن تنفيذه
1 / 11
للمشروع الذى وضعه، وفق الخطة المناسبة، وقد ظهرت له واضحة أثناء عمله، ولذلك كان عليه (فى ضوئها) أن يحدد المواد التى سيعتمد عليها.
كانت الخطة أولا ان يوضع ملحق لكتاب «بروكلمان» على أساس مخطوطات إستنبول، ولكن بعد مدة من الزمن قرر الأستاذ «رشر - o.rescher «وهو حجة فى تاريخ التراث العربى- أن يشترك فى هذا العمل، وأن يقدم للبحث والدراسة كل المادة التى جمعها منذ زمن بعيد، وعلى الأخص أثناء عمله بالمكتبة السليمانية (باستنبول). وعند ما قررت بعد ذلك- بحوالى ستة أشهر- أننى سوف لا أكتفى بالخطة السابقة، وأننى سأجمع كل ما يمكن جمعه من المواد: من الفهارس، والدراسات التى ظهرت بعد كتاب «بروكلمان»، وكذلك من دراساتى الخاصة للكتب المطبوعة، ومجموعات المخطوطات، تنازل لى الأستاذ «رشر» عن هذه المواد التى لا تقدر، ثم صرف النظر نهائيا عن المشاركة فى العمل، فالعمل ضخم غير واضح المسار والنهاية، والأيام مضت بالأستاذ «رشر» إلى عمر متقدم.
والخطط تتغير دائما: فالخطة الأخيرة التى ظهر عليها الكتاب بالصورة التى بين أيدينا قررت فقط منذ عام ونصف. وعند ما انتهيت من الجزءين الأول والثانى وأعددتهما للطبع، ظهر أنهما فى الحقيقة عمل جديد مستقل عن كتاب «بروكلمان»، ففى هذين الجزءين درست كل المواد المتاحة وحققتها، وراجعت كل ما ذكره «بروكلمان» وأضفت له معلومات جديدة مكملة مثل: تاريخ المخطوطات، وعدد أوراقها أو صفحاتها، كذلك عدد أجزائها.
ولقد ذكرت أولا المخطوطات التى قدمها «بروكلمان»، ثم أتبعتها بالمخطوطات الجديدة التى عثرت عليها، وقد كان هدفى أن أجعل هذا الكتاب مستقلا تماما عن كتاب بروكلمان، ولكنى لم أستطع تحقيق ذلك دائما، فلم أستطع المضى فى عرضى لكتب أحد المؤلفين دون الارتباط «ببروكلمان». على أننا إذا أردنا تنظيما جديدا كاملا للمواد المجموعة، فإن ذلك يستغرق زمنا طويلا جدا، الأمر الذى لا أسمح لنفسى به، فالقارئ مرتقب منتظر، كما أن محاولة الوصول إلى طريقة مثلى لتصنيف جديد- وهيهات الوصول إليها- تجعلنا نخشى على المواد الغزيرة الضخمة للأجزاء الأخرى من الكتاب، حيث لا يمكن تقديمها وعرضها؛ فالعمر قصير، والعمل طويل.
1 / 12
ود بعض المتخصصين مزج المخطوطات التى قدمتها فى هذا الكتاب؛ ذلك لأننى اتبعت طريقة فصل المخطوطات المعروفة عن المخطوطات التى عثرت عليها، وأضيفت حديثا، بواسطة علامة مميزة هى+، وشاهد تفضيلهم، أنه لا يصح- على سبيل المثال- الفصل بين مخطوطة فى فهرست وهى نفسها فى فهرست آخر لنفس المكتبة، كما أنه لا يصح فى هذه الحالة أن تذكر المكتبة مرتين. ومع ذلك فقد اتبعت طريقتى السابقة التى اخترتها؛ لأنها توصل القارئ إلى الهدف، وهو التعرف بسرعة على المخطوطات الجديدة التى رأت النور فى السنوات الأخيرة.
وفيما يتعلق بمنهج وشكل هذا المجلد- الذى أعتبره فى الحقيقة محاولة أولى- فلا أرى واجبا علىّ الالتزام بهما فى بقية مجلدات الكتاب. أما التغييرات الضرورية التى لم تظهر ضرورتها إلا بعد أن قدم الكتاب للمطبعة، فسأقوم بها بدون تأخير فى المجلد الثانى، وسيساعد على ذلك ما يبديه القراء كثيرا من ملاحظات ونقد.
والمجلد الثانى- وكنت قد أعددته للطبع قبل هذا المجلد- يتضمن الموضوعات الآتية:
الشعر، والنثر، واللغة، والأدب، وذلك فى المرحلة الزمنية التى عالجت فيها موضوعات المجلد الأول.
أما المجلد الثالث فعليه أن يشمل الموضوعات التالية: الترجمة، والفلسفة، والعلوم الطبيعية، ولم أكتب من هذا المجلد- إلى الآن- إلا قدرا قليلا حول أولية العلوم الطبيعية العربية فى العصر الأموى- وفقا للخطة القديمة- ولكنى أرى الآن فى ضوء تصورى الجديد للموضوع، وجوب دراسة الترجمة إلى اللغة العربية، باعتبارها مصدرا للعلوم عند العرب لمرحلة زمنية واسعة، وينبغى أن تأخذ الأبحاث الجديدة، والاكتشافات الحديثة مكانها فى هذه الدراسة، مع الاستفادة من الأعمال الجليلة التى قام بها «شتاينشنايدر steinschneider «فى هذا المجال. ولا نستطيع- الآن- القول: بأن تلك الموضوعات العلمية المشار إليها، قد جمعت إلى بدء القرن الثامن الهجرى، حتى يستطيع القارئ تتبع تطور فرع من هذه العلوم فى مرحلة زمنية أطول، والواقع أن القول الفصل فى هذا الموضوع مرتبط بكمية المواد العلمية، والطريقة التى تعالج بها الموضوعات.
وسوف يفتقد القارئ فى هذا المجلد فهرست المصطلحات، ولكن سوف نلحقه بنهاية
1 / 13
المجلد الثانى، وأما المجلد الثالث فله فهرسه الخاص به. أما الكتب المجهولة المؤلف والتاريخ، فسوف نذكرها فى فهرست فى نهاية الكتاب كله.
وقد كان من الممكن أن يخرج هذا الكتاب فى صورة أحسن وأكمل، لو أتيحت لى فرصة الحصول على مساعدات مالية، فجل رحلاتى العديدة فى أنحاء أوروبا، وإلى شمال أفريقيا، وكذلك إلى الشرق الأدنى والأوسط، حتى إلى الهند، أنفقت عليها من مالى الخاص، وكذلك ما تكلفته للعديد ممن ساعدونى، وما دفعته ثمنا للمراجع والفهارس، وتصوير المخطوطات، واستخراج المقالات من المجلات العلمية. وقبل سنوات رصدت هيئة «اليونسكو» مبلغا لتساعد فى إخراج كتاب «بروكلمان» إخراجا جديدا، ولكن اللجنة المكونة لهذا الغرض، أرجأت البت فى هذا الموضوع حتى تبحث ما إذا كان عملى هذا يمكن أن تشمله هذه المساعدة أم لا، ولكن الموضوع كان يؤجل ويؤجل. ولعل السبب الحقيقى لهذا التأجيل، أنهم رأوا وجوب اشتراك مجموعة من العلماء فى عمل كهذا، يقوم كل واحد منهم ببحث مجال بعينه من مجالات المخطوطات العربية، ولا جدال أن إنسانا واحدا لا يستطيع أن يمتلك زمام كل مجالات التراث العربى، ولكنى رأيت بنفسى تعذر إمكانية اشتراك مجموعة من العلماء. وفوق ذلك فإن اقتناعى يزداد كل يوم، بأن دراسة التراث العربى لم تتقدم بعد تقدما كافيا. يتيح لنا الاتفاق على زمن نشأة فروع العلوم العربية المختلفة، التى تبحث فى هذا الكتاب، وهذا الاتفاق هو الشرط الأساسى للقيام بعمل جماعى كهذا، وربما يطول انتظارنا حتى يمكن تحقيق مثل هذا العمل الجماعى. فلا بد- أولا- من تكرار جهود عدد من العلماء، يبحث كل واحد منهم- على حدة- المواد الجديدة، ويجمع الدراسات الحديثة.
وبدلا من الاستمرار فى سرد الصعوبات، أود أولا أن أتحدث سعيدا شاكرا عن المساعدات الحقيقية التى قدمت لى: فإذا كنت قد استطعت أن أستمر فى عملى لإخراج هذا الكتاب، فإن الفضل الأول فى ذلك يرجع إلى الأستاذ «هارتنر prof.hartner «الأستاذ بجامعة فرانكفورت، فقد بادر إلى مساعدتى- فأمن وجودى عند ما اضطررت- لأسباب سياسية- إلى الخروج من معهدى، ثم من وطنى سنة ١٩٦٠ م. وكان الأستاذ «هارتنر» هو الذى هيأ لى أن أتفرغ سنوات عديدة للعمل فى معهده فى هذا الكتاب، وكان بجوارى كلما اعترضتنى عقبة. ولا تكفى هنا مجرد كلمات تقال عما أفادنى به- وهو العالم المتخصص فى تاريخ العلوم الطبيعية- فقد كان لى نعم السند، وبخاصة فيما يتعلق بآرائه كمتخصص فى علوم
1 / 14