تاريخ الأدب الأندلسي (عصر الطوائف والمرابطين)
تاريخ الأدب الأندلسي (عصر الطوائف والمرابطين)
প্রকাশক
دار الثقافة
প্রকাশনার স্থান
بيروت - لبنان
تاريخ الأدب الأندلسي
تصدير
هذا هو الكتاب الثاني في تاريخ الأدب الأندلسي أقدمه لدراسة الظاهرة الأدبية في عصر أمراء الطوائف ودولة المرابطين بعد أن قدمت الكتاب الأول، ودرست فيه الأدب الأندلسي في عصر سيادة قرطبة.
ولم أتقيد فيه كثيرا بالمنهج الذي سرت عليه في الكتاب الأول؟ إلا في الخطوط الكبرى - وذلك لاختلاف في العصرين وفي طبيعة المادة المتيسرة عن كل منهما. وبينا أسهبت في ترجمة الشعراء المشهورين هنالك، أحجمت عن إفراد ترجمات خاصة بالمشاهير من الشعراء والأدباء هنا، واكتفيت بما قلته عن بعضهم في سياق الفصول العامة.
وقد كانت الصعوبة الكبرى في إعداد هذا الجزء هي الحصول على مصادر هذا العصر الذي ادرسه وأهمها ما يزال مخطوطا. على أن الجزء الذي حصلت عليه منها؟ بالتصدير أو النسخ - كان ذا عون كبير في تصويري للعصر، وإمدادي بالمادة الأولية اللازمة لبناء هذه الفصول، وإذا كان كتاب " الذخيرة " بأجزائه المطبوعة والمخطوطة قد غلب على تصوري لهذا العصر، فما ذلك إلا لان هذا الكتاب كله؟ على ضخامته - خاص بالعصر الذي ادرسه، وهو اشمل الكتب
1 / 1
الأندلسية، وأغزرها مادة، حين يكون عصر الطوائف والمرابطين موضوع بحث.
ولست ازعم ان كل ما قلته في هذا الكتاب؟ أو جله - جديد على القراء أو دارسي الأدب الأندلسي، ولكن القارئ المنصف سيلمس أنني حاولت شيئا ما في بناء، مثلما حاولت إعطاء قيمة للنظرة والحكم حيث رأيت ذلك لازما أو حيث وجدت الجيد مسعفا والطاقة ملبية، وأنني عنيت بالكشف مثلما عنيت بتأسيس هذه الدراسة على أصول تاريخية نقدية معا. وبما أنى استمد اكثر شواهدي من المخطوطات، رأيتني أحيانا استكثر من الأمثلة رجاء أن يشركني القارئ في استبانة وجه القضية أو طبيعة الحكم.
وأنا مدين في إنجاز هذه الدراسة لصديقين أمداني بما احتاجه من مصورات للمخطوطات الأندلسية، وهما الأستاذان فؤاد السيد أمين المخطوطات بدار الكتب المصرية، ومجمد رشاد عبد المطلب، سكرتير معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية، فلولا مبادرتهما إلى تزويدي بما طلبته من مصورات لعجزت عن الوفاء بإنجاز هذه الدراسة. فشكري الخالص لهما، ولصديقي الدكتور احمد أبو حاكمة أستاذ التاريخ بجامعة الخرطوم الذي أرسل ألي صورة عن كتاب " الذيل والتكملة " للمراكشي عن النسخة المحفوظة بالمتحف البريطاني.
أما القراء الذين وجدوا في كتابي السابق شيئا يستحق ثنائهم وتشجيعهم فأرجو أن يجدوا في هذا الكتاب ما يجعلني دائما عند حسن ظنهم، والله يوفقنا جميعا لما فيه الخير.
الجامعة الأمريكية ببيروت
في آذار (مارس) ١٩٦٢ إحسان عباس
1 / 2
مقدمات تاريخية
- ١ -
كانت الفتنة البربرية التي تحدثت عنها في كتاب سابق، حقيقة يمكن الحدس بوقعها، لدى من كان يرى ببصيرته عوامل الانفصال والتجزؤ كامنة تحت سطح الظاهر الموحد الذي سعى المنصور ابن أبي عامر ليحفظ به حين ذهب يستكثر من الجنسيات المختلفة في الجيش. وكان انقسام تلك الجنسيات، واستقلال الزعماء البارزين في كل منها مرهونا بزوال الحاكم القدير، ولذلك ما كادت شئون الدولة بعد المصور تقع في حوزة حجاب ضعفاء وخليفة مسلوب الإرادة حتى اشرأبت الأعناق إلى الفتنة، وتباينت أهواء العناصر التي لم يدركها النماذج والأنصار، وعمت الفوضى بلاد الأندلس، وأخفقت كل المحاولات التي بذلها المخلصون الحادبون على وحدة البلاد ورسم الخلافة؟ أخفقت في إعادة الأموية، وأنقسم الثغر الذي كان في حاجة شديدة إلى رابطة جامعة، في ولايات، وكان أصحاب تلك الولايات يمثلون العناصر القوية في الجيش اعني الموالي
1 / 7
العامرين والبرابرة وبعض الظاهرين من أبناء العرب.
ولما انقلبت الوحدة إلى تكثر أصبحت الأندلس دولا متعددة، لكل دولة حاكم وإدارة وجيش وحياة أدبية وفكرية شبه مستقلة، وأصبحت العلاقات بين الحكام قائمة على التحرز والحذر وإنفاق الأموال في بناء الحصون (١) والاستكثار من المرتزقة في حال الدفاع، إذ غدت مشكلة الحدود الداخلية أهم مشكلة وأبرزها بين أولئك الأمراء؛ أو أصبحت قائمة على طلب التوسع والغلبة وانقضاض القوي منهم على الضعيف في حال الهجوم. وفيما بين ذلك محالفات توجهها المآب العابرة، ثم لا تلبث من بعد ذلك ان تنفصم. وفي هذا فقد الأمراء القدرة حتى على التوحد المؤقت أمام الخطر المشترك، ذلك لأنهم رضوا أول الأمر؟ متفرقين - أن يدفعوا الجزية الروم، ثم عجزوا عن جمع الكلمة حين أصبحت الجزية مكسبا لا يكفي القوي الغالب، واصبح اقتصاص الحدود واقتضاض الفرص المؤاتية للغزو هو المبدأ السائد. بل لعلهم ذهبوا إلى ما هو ابعد من ذلك حين كانوا يحتكمون إلى صاحب الروم في خلافتهم الداخلية، أو حين يستعين به المضعوف منهم ليأخذ له بحقه. وبذلك تفتت الصخرة الصلبة المخوفة إلى أجزاء صغيرة واهنة، وأصبحت الأندلس معبرا لقوى الشمال والجنوب، فهي إما عرضة لغزو الروم، وهي إما جزء من المغرب، ولم يبق لها شخصيتها القديمة، لأن أمراءها شاءوا أن يفزعوا إما إلى الشمال أو إلى الجنوب، وفيما كانوا يتقاتلون على تحقيق أطماعهم الفردية الصغيرة وقعوا فريسة لأطماع خارجية.
فإذا شئنا الدقة قلنا نؤرخ هذا العصر؟ من الناحية الأدبية، إننا نؤرخ وقوع الأندلس بين قوتين ضاغطتين أو كلكلين ثقيلين تقع
(١) مذكرات الأمير عبد الله: ٨٩ وما بعدها.
1 / 8
بينهما صورة مضطربة لأمراء نسميهم " ملوك الطوائف "، يتفاوتون فيما بينهم قوة وضعفا وبقاء وزوالا، كما تتفاوت أحجار الشطرنج على الرقعة، في حرية الحركة وفي مدى البقاء والقدرة على الثبات. ومن أجل ذلك لم نعد الفتح المرابطي وسيادة المرابطين عصرا جديدا في تاريخ الأندلس الأدبي، لأنه على الرغم مما أحدثه الفتح من تغيرات في النفسية الأندلسية وفي بعض الأوضاع السياسية والاجتماعية فان الأندلس من الوجهة الثقافية والأدبية قهرت فاتحيها كما قهرت يونان من تغلبوا عليها ذات يوم. ومما كان الفتح المرابطي إلا تحقيقا لفعل القوة الضاغطة الآتية من الجنوب وقد يكون مركز الثقل الأدبي قد انتقل أحيانا إلى مراكش ولكن اكثر القائمين بذلك النشاط الأدبي كانوا يومئذ من الأندلسيين.
- ٢ -
ولم يتشبث الأندلسيون بعيد الفتنة، طويلا، بالرمز الذي تأوي إليه الجماعة الإسلامية، أعني اسم الخلافة ورسمها، على ما كانت حال المشارقة، ولكن بني المنتسبين إلى العلوية حاولوا ان تكون لهم امرة المؤمنين، كما فعل الفاطميون بمصر. وكان من ذلك أعلن صاحب اشبيلية القاضي ابن عباد أن الخليفة هشاما المؤيد (آخر خليفة ذي بيعة من الأمويين) ما زال على قيد الحياة، إذ عمد إلى شخص يدعى " خلف " الحصري شبيها بهشام فدعا الناس إلى بيعته من وراء حجاب - رجاء ان يستمد من وجود الخلافة في اشبيلية سندا معنويا لنفسه. ولكنه
1 / 9
بعد سنوات استنفذ مآبه من هذه الإشاعة فأعلن أن هشاما قد مات، المزعوم نهاية للرمز المقدس. وتلك " اخلوقة لم يقع في الدهر مثلها " كما يقول ابن حزم (١) .
والحق أن سياق الأحداث بعيد الفتنة مباشرة كان محيرا لذي الوعي المتيقظ، سواء أكان الرجل الواعي فقيها أو شاعرا، أما الفقيه الذي نقدر فيه الوعي، مثل ابن حزم، فقد أقضت مضجعه الحال التي صارت إليها الأندلس دون إمامة، وظل يحس انه بعيد عن التعاطف مع تلك الإمارات المتنابذة، إلا لم يلبث ان انصرف إلى حومة الفقه والمطارحات الجدلية، وقد تكيف وعيه بحسب المشكلات الصغيرة التي تعرض بين الحين والحين، وأعرض عن التفكير في المشكلة الكبرى، مشكلة الوحدة والرابطة القوية.
وأما المؤرخ الواعي الذي يمثله ابن حيان فأصابه الذهول لما أصاب البلاد من تفكك وما دهم قرطبة " عاصمة الخلافة " من تخريب، ولكنه بعد وقت غير طويل أمسك بالقلم ثانية ليكتب؟ نزولا على الأمر الواقع - تاريخ تلك الممالك نفسها. " وأنسأتني المدة أن لحقت بيدي منبعث هذه البربرية الشنعاء المدلهمة، المفرقة للجماعة، الهادمة للمملكة المؤثلة، المغربة الشأو على جميع ما مضى من الفتن الإسلامية، ففاضت أهوالها تعاظما أولهني عن تقييدها، ووهمني ان لا مخلص منها، فعطلت التاريخ إلى ان خلا صدر منها.. (٢) " ثم جرى القلم بعد احتباس وعاد المؤرخ سيرته الأولى، بل عاد يكتب، ليقدم ما يكتبه إلى " أكرم خاطب، وأسنى ذي همة، الأمير المؤثل الإمارة المأمون ذي
(١) نقط العروس: ٨٣.
(٢) الذخيرة ١/١ ٨٧.
1 / 10
المجدين الكريم الطرفين يحيى بن ذي النون (١) .
وأما الشاعر الواعي فانه بكى قرطبة قليلا وتحسر على ما فات وتلدد في تيه الضياع زمنا يفتش عن الحامي الذي يرتزق من عطاياه، وينفق لديه سلعته، وما لبثت الأمور ان عادت تجري مجرها، واذا كل أمير لدى أي شاعر هو أعظم الناس وأكرمهم وأشجعهم جنانا ولسانا، وأصبح الشاعر كالفقيه الصنيعة والمؤرخ المحدود الأفق، بل فاقهما في توسيع الهوة بين الحاضر والماضي، وفي " التسوير " حول أميره بسياج من الثناء الطويل العريض، سياج يوهم به صاحبه انه حقيق بخير ما تمنحه الأقدار، وانه كفاء بما بين يديه وما دونهما، وذلك ترسيخ لمعنى الفرقة، وقصر نظر عن التمرس بالمشكلة العامة. ولولا إثارة من شكوى سوء الحال يومئذ لكان الشعر الأندلسي مغلفا على المتطلبات الصغيرة التي تستدعيها المناسبات كأن يتبارى شعراء بطليموس في وصف فرس للمتوكل في كفله ست نقط (٢)، أو يكدون قرائحهم لوصف الأعذار الذنوني (٣) . ولكن لم يحن الحين للحديث عن الشعر، فلذلك موطن آخر.
(١) المصدر نفسه ٨٨.
(٢) الذخيرة - القسم الثالث (المخطوط) الورقة: ١٨٨.
(٣) الذخيرة ٤/١: ٩٩ وما بعدها.
1 / 11
- ٣ -
من هم لولئك الأمراء الذين نطلق عليهم اسم: ملوك الطوائف "؟ وما هي إماراتهم؟ لو كان المجال مجال الدراسة التاريخية، من أجل التاريخ نفسه، لكان الإسهاب أمرا معقولا بل مطلوبا لازما، أما في هذه المقدمة فان الإيجاز هو الأمر الضروري، وعلى هذا نستطيع أن نقسم أولئك الأمراء في أربع فئات:
ا - موالي العامرية
حكموا في شرق الأندلس أي في المرية ومرسية وبلنسية ودانية وما والاها من جزائر. فكانت المرية ومرسية تحت حكم خيران العامري (٤٠٥ - ٤١٩) ثم خلفه فيهما زهير العامري (٤١٩ - ٤٢٩) وبعده انشطرت المدينتان في دولتين فأصبحت المرية من نصيب بني صمادحٍ (٤٣٣ - ٤٨٤) وأصبحت مرسية من نصيب بني طاهر (٤٢٩ - ٤٧١)؛ أما دانية والجزائر فكانت لمجاهد العامري وابنه اقبال الدولة من بعده (٤٠٠ - ٤٦٨) إلى أن ضمها بنو هود إلى ملكهم وسقطت (٤٨٤) في يد المرابطين. وشهدت بلنسية عددا من الأمراء توالوا عليها إلى أن ثار فيها القاضي ابن جحاف (٤٨٥ - ٤٨٧) ومن يده أخذها السيد القنبيطور (٤٨٧) ومنه استولى عليها المرابطون.
1 / 12
ب - البربر:
١ - بنو زيري الصنهاجيون في غرناطة ومالقة: نظم هذه الامارة حبوس ابن ماكسن، وكون لها جيشا، وعقد بينه وبين الأمراء جيرابه روابط المودة، وحاول شيئا من التوسع فاستولى على قبره وجيان، وخلفه ابنه باديس فكانت بينه وبين زهير العامري صاحب المرية حرب، قتل فيها زهير وكاتبه ابن عباس، ثم مد نظره إلى ما في يد بني حمود، وكانوا قد ضعفوا فاستولى على مالقة، وهنا اصطدم بابن عباد في نزاع من أجل الفوز بتلك المدينة، فكان النصر له على عباد وقد طال حكم باديس والقى شئون الدولة إلى وزيره اليهودي ابن النغرالة، وإلى نفوذ النساء في القصر، حتى ساءت الحال، وثار أهل غرناطة باليهود فقتلوا منهم مقتلة. ولما توفي باديس خلفه حفيده عبد الله بن بلقين صاحب المذكرات، وتجددت المنافسة بينه وبين ابن عباد إلى أن سقطت طليطلة في يد الفونسو السادس (الاذفونش) ملك قشتاله، واتفق أمراء الأندلس على الاستعانة بالمرابطين. وكان المرابطون هم الذين ازالوا عبد الله عن ملكه (٤٨٤) .
٢ - بنو الأفطس أصحاب بطليموس (وقد انتسبوا إلى قبيلة تجيب العربية، ولكن الثابت انهم من البربر) كانت مملكتهم واسعة، اشتبك صاحبها من جهة مع بني عباد في معارك متعددة، ومع بني ذي النون من جهة اخرى، ومن اشهر رجالها محمد بن الأفطس الملقب بالمظفر (٤٦١) الذي وقف ضد فرناندو (فردينايد الأول) ملك قشتالة. وأخيرا وافق على ان يدفع الجزية لذلك الملط، ومنهم المتوكل ابن الأفطس الذي شهدت المملكة في عهده شيئا من الاستقرار، إلى إن أزال المرابطون دولته.
1 / 13
٣ - بنو ذي النون في طليطلة: (وهي الثغر الأوسط، ومن الممالك المواجهة لحدود الممالك الأسبانية، ومن ثم كان موقعها هاما لمن يستولي عليها) . ومن رجال هذه الدولة إسماعيل بن ذي النون الملقب بالظافر، وولده يحيى الملقب بالمأمون، وحكم هذا الثاني ثلاثة وثلاثين عاما، وكان على نزاع مع ابن هود صاحب سرقسطة وابن عباد صاحب اشبيلية، وقد استعان المأمون بفرناندو ضد بني هود، في مقابل دفع الجزية وإقراره له بالسيادة، عندئذ ذهب ابن هود أيضا يستعين بفرناندو.
غزا المأمون هذا بلنسية واستولى عليها، وحاول الاستيلاء على قرطبة فلم يمكنه ابن عباد من ذلك. ولما تولى الأمر حفيده يحيى القادر اضطرمت من حوله الفتن حتى فر ولجأ الفونس يستعين به على إرجاعه إلى مملكته، فأعانه على ذلك. غير إن الفونس استولى على طليطلة، فأدرك أمراء الطوائف طبيعة ما يحيط بهم من خطر.
٤ - بنو رزين أصحاب السهلة: مؤسس الدولة هذيل بن عبد الملك في شنتمرية، وكان هذا جبارا عسوفا محبا للترف، وخلفه ولده أبو مروان عبد الملك (٤٩٦ت) وقد طال أمد حكمه كتى بلغ ستين عاما. أدى لجزية لألفونس بعد سقوط طليطلة. وخلفه ابنه حسام الدولة يحيى، فلم يكن بشيء، ومنه استولى المرابطون على شنتمرية (٤٩٧) وخلعوه.
ج - العرب:
١ - بنو عباد اللخميون في اشبيلية (٤١٤ - ٤٨٤): مؤسس الدولة هو القاضي اسماعيل بن عباد، بدأت أولا في اشبيلية، ثم ظلت تتسع حتى أصبحت اكبر دولة من دول الطوائف، فقد استولي المعتضد على لبلة وعلى حصون
1 / 14