فنون التحرير الصحفي بين النظرية والتطبيق المقال الصحفي

فنون التحرير الصحفي بين النظرية والتطبيق المقال الصحفي

প্রকাশক

مكتبة الأنجلو مصرية

•
অঞ্চলগুলি
আলজেরিয়া
"مقدمة":
بسم الله الرحمن الرحيم.. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين..
وبعد:
فهذا هو كتابنا الأول عن "فن المقال الصحفي" الحادي عشر في حلقات هذه السلسلة التي أطلقنا عليها: "فنون التحرير الصحفي بين النظرية والتطبيق".. وقد أبقينا على تناوله حتى الآن، حيث تصب في بحره، وتتجمع تحت ظلاله الفنون السابقة في مجموعها متفردا بهذه الخاصة هو و"فن التحقيق الصحفي".. وحيث تبدأ هذه الفنون بالخبر وتكون نهايتها "المقال الصحفي" وليس التقرير أو الماجريات كما يقول بعض النظريين.. ولأن المقال -كما ينبغي أن يكون- أعم وأشمل، ومستوياته أكثر حرفية وأقرب إلى الفن، ودوره أبعد تأثيرا وموضوعاته في أغلبها هي الأكثر خطورة ومحرره قد أصبح من مستوى الكتاب الأكثر نضجا وممارسة وثقافة، والأعمق فكرا والأقرب إلى التأثير في الرأي العام.. بعد أن اجتاز إلى ذلك طريقا طويلا وشاقا في مجالات صحفية أو أدبية أو علمية أو فكرية.. أو في هذه كلها، بحيث أصبحت هذه التجارب والممارسات وتأثيراتها التحريرية.. "صك قبول" عند القراء، وسندا يشد أزره.. ويرتبط باسمه في أكثر الأحوال.. وحتى الدارسين له فإن من البديهي -وهذا طابع المقال وتلك خطورته- أن تكون الفنون والأنماط السابقة قد مرت بهم أولا.. وأن يكونوا قد اكتسبوا خلال دراستهم لها ما يؤهلهم لدراسة فن المقال الصحفي، وإذن فإن تأجيل تناوله إلى هذا الحين هو أمر يتفق مع طابعه وأهميته وخطورته ومستويات محرريه، أو هكذا ينبغي أن يكون موقعه من الدراسات الإعلامية عامة والصحفية التحريرية خاصة، وكلنا يشهد أن محرري المقالات أو كتابها هم في أغلب الأحوال وأعمها من طبقة المحررين المتمرسين بفنون العمل الصحفي في مجموعه، أو من هؤلاء الذين دخلوا إلى الصحافة من باب مقدرتهم الكتابية على أي شكل من أشكالها أو الذين ينتسبون إلى هذه الأسرة

1 / 3

الصحفية من خلال هذه الصفات "التحريرية" نفسها وحيث تكون لهم أقلامهم وأفكارهم وأساليبهم المبدعة وبلاغتهم الصحفية التي تؤهلهم لهذا العمل القيادي الفكري الابتكاري الإبداعي معا وفي آن واحد..
على أننا ونحن نتوجه به إلى الدارسين أولا والزملاء الذين يجربون حظهم في هذا الحقل المتسع ثانيا وإلى كتاب المقالات من داخل أو خارج الأسرة الصحفية أو من "المصاحفين" ثالثا.. ونحن نفعل ذلك، إنما نرجو أن يكون مصحوبا بهذه النقاط:
النقطة الأولى: أن هذه الدراسة تتلاءم بالشكل الذي جاءت عليه وباتجاهاتها ومادتها مع طابع المقدمات أو المداخل التعريفية تلك التي تقف من المقالة الصحفية عن قرب، أو تقوم على هامشها.. لبقي بعد ذلك أن يفيد القارئ منها -طالبا أو دارسا أو متدربا أو صحفيا- عن طريق التطبيق، وبواسطة التجربة العملية التي تضع ذلك كله في مجالاتها الحقلية أو المعملية.. أي: إن هذا الذي ننوي الحديث عنه تكمله الخبرة، وتعركه التجربة، وتصيف إليه الممارسة.... فوق الصفحات وفي السطور نفسها..
النقطة الثانية: ومن هنا فنحن نقول أيضا أن حديثنا القادم ليس هو كل ما يمكن أن يقال في هذا المحال، وإنما كان تركيزنا بالدرجة الأولى على:
- ما يمكن أن يفيد في مجالي النظرية والتطبيق.
- ما يمكن أن يخضع لمثل هذه الدراسة، والأكاديمية التدريبية المعملية، وفي ضوئها.
- ما يتلاءم مع طبيعة المرحلة "الفكرية والعلمية"، التي يمر بها الدارس والقارئ عموما وهذه الخطوة التي يجتازها على طريق العمل أو الدراسة.. بالإضافة إلى من ذكروا من غير هؤلاء.
النقطة الثالثة: ومن هنا أيضا فنحن نقول أنها ليست جميع المقالات الصحفية وإنما أبرزها وأهمها، وليصبح عندنا بعد ذلك عدة مقالات أخرى سوف نتناولها -بإذن الله- خلال كتاب قادم.. على أن يكون من أبرزها "المقال التحليلي - المقالات المتخصصة".. وغيرها من أنواع المقالات التي رأينا أن يضمها كتاب

1 / 4

آخر.. وحتى لا يكون تناولنا لها فوق طاقة هؤلاء الذين نتوجه إليهم هنا قبل غيرهم..
النقطة الرابعة: أن اعتمادنا خلال الصفحات القادمة كان كبيرا، وأنه تركز على عدة مصادر نرتبها هنا بحسب أهميتها، والقدر الذي اعتمدنا عليها فيه، ومدى الفائدة المتحققة.
- المادة المقالية المنشورة على صفحات الجرائد والمجلات عربية وأجنبية.
- أفكار وملاحظات ومرئيات عدد من كتاب هذه المقالات بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.
- المراجع الأجنبية.
- المراجع العربية.
- ملاحظاتنا ومرئياتنا ونظرتنا الموضوعية إلى هذه المواد كلها.
وإذا كانت هذه النقاط في مجموعها تمثل إضافة ضوئية لا بد منها من أجل مزيد من الوضوح الذي نرجو أن يتهيأ للصفحات القادمة، فإن هذه الصفحات نفسها وكعهدنا في دراساتنا السابقة كانت فاتحتها تمثل إطلالة على مفهوم المقال، ونظرة طائر "خلفية" إلى قصته وماضيه مصريا وعربيا وعالميا، ثم أضفنا إلى هذه المعالم وقفة عند وظيفته أو الدور أو الأدوار التي يقدمها لجميع الأطراف المتصلة به تحريرا ونشرا وقراءة ومتابعة.. وحيث مثلت هذه النقاط مجموعة الفصلين الأول والثاني من هذا الكتاب ...
أما الفصل الثالث فقد تناول أنواع المقال بداية بالمقال "الصحفي العام" الذي يمكن أن يكتبه وأن تنشره الصحيفة أو المجلة لكل صاحب فكر وقلم، خاصة من نجوم المجتمع في الأمور التي تهم أفراده ومرورا "بالمقال الافتتاحي" بموقعه الفريد والمتميز و"الاستراتيجي" من وسيلة النشر، ثم "المقال القائد الموقع".. الذي يعتبر بديلا عن المقال السابق عند البعض، وبعد أن قل الاهتمام به عن ذي قبل على غير ما كان ينبغي أن يحدث..
وبعد ذلك كان حديثنا عن "مقال التعليق" ثم "مقال التفسير" برباطهما

1 / 5

القوي وإلى حد الاختلاط أو الامتزاج أحيانا.. ليكون "مسك الختام" في هذا التناول، وعلى هذه الصفحات نفسها حديثنا عن "المقال العمودي" المعروف بالعمود الصحفي ثم "مقال اليوميات الصحفية".. بمواقعهما الهامة وبجانب "البلاغة الصحفية" المرتبطة بهما.
كل ذلك مع عناية بجوانب تعريف هذه الأنواع وأهم خصائصها وأبرز أنماطها وما يمكن أو تنبغي معرفته عن محررها وأساليب وأطر تحريرها المختلفة.
حتى كان الفصل الرابع والأخير والذي وقفنا فيه عند عدة معالم أساسية كان ينبغي أن يفرد لها مثل هذا الفصل، مثل خطوات تحرير المقال ولغته والعوامل المؤثرة فيه.. وفي النهاية قدمت عددا من النماذج "التدريبية".. مع شرح مختصر يمثل نقطة ضوء عليها.
والله أسأل أن يكون فيه الخير والنفع وما يدخر ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم..
وإلى مؤلف آخر بعون الله وتوفيقه.
محمود أدهم
مصر الجديدة - القاهرة

1 / 6

الفصل الأول: ماهية المقال الصحفي وقصته
مدخل
...
الفصل الأول: "ماهية المقال الصحفي وقصته"
يمثل "المقال الصحفي"١ بتعدد أنماطه، وبكثرة أشكاله، المادة التحريرية الصحفية الأكثر أهمية، وإيجابية، وفعالية، عند "كبريات" الصحف العالمية، والعربية وتمثل صفحاته وأركانه وأعمدته وسطوره وكلماته الدليل المادي، والفكري، على حياة الصحيفة وقيامها بمسئوليتها الوطنية والاجتماعية بطريقة مباشرة. ومن ثم على أثرها وتأثيرها في مجريات الأمور، وعلى قيامها بالدور الذي ينبغي أن تقوم به خدمة لقرائها، وهو هنا دور واضح، ومتميز.. وإيجابي وفعال أيضا.
وما ذلك كله إلا لأن هذا الفن التحريري الصحفي، إنما يمثل عن حق -وكما قال عنه قدامى الكتاب الصحفيين- عقل الجريدة والمجلة، ومن هنا، فإنهما عندما يقدمان إلى قارئهما مقالا من المقالات، فهما يقدمان "آية" ذلك العقل، وصورة من صوره، وأثرا من آثاره، أو -في أسلوب آخر- تقدم الصحيفة بنشرها للمقال على أي شكل من أشكاله رسالة من عقلها إلى عقل قارئها، لينقلها عقل القارئ بعد ذلك إلى مراكز شعوره وإدراكه، وليحس بها في النهاية كل الإحساس..
وما دام المقال رسالة من العقل إلى العقل، فهو الأكثر رقيا، واقترابا من طابع الإنسان الذي ميزه الله بالعقل، وهو أيضا دعوة إلى التفكير والتدبير والتنفيذ والتصرف ومن هنا أيضا كانت "قيمة" وكان "مستوى" وكان "أثر" تلك الصحف التي تحرص على نشره، ونظرة واحدة إلى تاريخ الصحافة العالمية أو العربية، لتؤكد عظم الدور الذي قام به المقال، وكتابه ومحرروه.. وصحفه ومجلاته وحيث أضافت إلى دور "السجل الأمين لأحداث العصر ووقائعه" أدوار

١ Article.

1 / 8

الرصد والتفسير والتحليل واستخلاص النتائج، لهذه الأحداث نفسها وكذا للاتجاهات والآراء والمواقف والقضايا.. تلك التي تصنع وتقود وتوجه الأحداث نفسها على يد كتابها.. هؤلاء الذين كانوا زعماء للفكر والإصلاح معا، والذين نهض العالم كله على أيديهم، وحقق ما حققه من تطور.. وحيث كان لمقالاتهم النقدية والفلسفية والعلمية والاجتماعية والسياسية والدينية والتاريخية والوطنية.. كان لها أبعد الأثر وأعمقه في فكر أمة بأكملها، في عصر بأكمله..
ومن هنا أيضا كان حرص الصحف "الأكثر احتراما والأكثر استشعارا لدورها الوطني والاجتماعي" على أن يقوم كتابها -من داخل أسرتها أو خارجها- بتحرير المقالات ونشرها، متوجهة بها نحو قارئها.. إلى "عقله" أولا، ليقبل عليها في البداية، وفي المحل الأول دائما، ذلك العدد من القراء "العقلاء أولا" الذين يرون الأمور بعقلهم، ويتعهدونها بفكرهم ويكون للعقل دوره في حركاتهم وسكناتهم وجميع تصرفاتهم التي بها يسود كل منهم ويحرز التفوق وبها يتقدم الصفوف قبل غيره من الذين يقدمون العاطفة، أو يتبعونها أو يبحثون عما يخاطبها من المواد..
وليس معنى ذلك -بالطبع- أن المقال الصحفي لا يعترف بالعواطف، ولا مكان فيه أو عند كتابه للإحساسات والمشاعر، وإنما معناه أنه -المقال الصحفي- يخاطب العقل أولا ويتخذ من مخاطبته له طريقا إلى مخاطبة العواطف السامية والاتقاء بالإحساسات النبيلة، كل ذلك عن طريق دعوته إلى إعمال الفهم، ودفع الفكر، وتفسير المحسوس، وشرح المؤثر والربط بين هذه كلها، وبين الفكرة التي يتناولها، والنتيجة التي يمكن أن يصل إليها.
وليس معنى ذلك أيضا.. أن فنون التحرير الصحفي الأخرى، وأن أشكاله وأنماطه المتعددة كالخبر والموضوع الإخباري والقصة الإخبارية والحديث والتحقيق والتقرير والماجري.. تقتصر على مخاطبة العواطف والإحساسات وحدهما ولا تخاطب العقل، وإنما معناه أن هذه الفنون تخاطب العقل والعاطفة معا، ولكن فنون الخبر تخاطب العقل من خلال "ما هو كائن" أو "ما هو جار" وكذلك من خلال "ما يمكن أن يحدث أو ما يمكن أن يجري".. ثم تتوقف عند ذلك، لتخطو الفنون الأخرى خطوة إيجابية، أو أكثر من خطوة تؤكد رؤية المحرر وذاتيته وكيانه وتعكس فكره ورأيه وموقفه.. ولكنها -وبعضها كالتحقيق الصحفي

1 / 9

يعتبر عند عدد من العلماء نوعا من أنواع المقالات الوصفية أو الموضوعية أو مقالات المجلة بمعناها الشامل- تتوقف عند هذه الخطوات في أغلب الأحوال، ولا تواصل الشوط حتى النهاية.. شوط الخروج من دائرة وحدود "ما هو كائن".. إلى عمق وجوهر: "ما يجب أن يكون" بما يتصل بذلك من تفسير لما هو كان وتحليل له، وتوقع واستكشاف وتحذير ودعوة واستقطاب وهجوم ورد. وما إلى ذلك كله من أمر أكثر إيجابية، أكثر مضيا في دعوتها إلى أعمال الفكر واتخاذ المواقف، ودعوة إلى التغيير أيضا، وهو ما لا يمكن أن تقدمه المادة الإخبارية البحتة، على أي شكل من أشكالها وما يمكن أن تقدمه "بقدر" وبقدر محسوب، الفنون الأخرى التالية للخبر.. باستثناء فن المقال الصحفي طبعا.. الذي يقف كتابه عند قمة "الهرم الصحفي" بما وصلوا إليه خلال مسيرتهم الطويلة، أو خلال طريق الصعود إلى القمة، من تمرس بالتفكير، وتمرس بالتعبير أنتجا ما يتاح لهما مما لا يتاح لغيرهما من حرية مخاطبة القارئ والتوجه إلى عقله وإلى فكره بغية التأثير الإيجابي عليه، وعلى إدراكه، ومن ثم على دوافعه وسلوكياته كلها في النهاية.. من تصرفات وتحولات ومواقف مختلفة، يتفاعل خلالها من أحداث مجتمعه الصغير أو الكبير أو هما معا.. بتأثير مقال من المقالات التي سنتعرض لها خلال الصفحات القادمة بإذن الله.
وإذا كان للمقال الصحفي كل هذه الخطورة، وإذا كنا سوف نعود مرة أخرى -بإذن الله- إلى تناول مهامه ووظائفه.. فقد حان الوقت للتعريف به وبماهيته، وبقصته أيضا.
أولا: ماهية المقال الصحفي
ما يزال تعبير "المقال الصحفي" يغلف بنوع من الغموض، ويدل عند البعض على مواد عديدة بعضها واضح تماما، والآخر ينقصه الوضوح الكامل، كما أن بعضها غير محدد المفهوم، أو الطول، أو المساحة أو اللغة.. وما إلى ذلك كله، وربما كان هذا هو السبب في أن عددا ممن تناولوا فن المقال، قد أحجموا عن كتابة تعريف واضح ومباشر له، أو جامع مانع، أو أي تعريف على الإطلاق١، بينما اكتفى البعض بذكر تعريفين أو ثلاثة تعريفات من تلك التي أوردتها الكتب الأجنبية، دون أن يحاول تقديم تعريف من عنده، يعكس مفهومه في ذهنه بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.. مع أنه

١ مثل د. حسنين عبد القادر.

1 / 10

كان يستطيع ذلك ويقدر عليه أيضا١.. تماما كما أن البعض الأخير قد قدم عددا في خصائص المقال، ووصف أنواعه على أنها تعريفه الكامل والشامل٢.
على أن ذلك لم يكن حال المراجع العربية وواقعها وحدها، أو لم تكن هي فريدة في هذا المجال، ذلك أن أكثر المراجع الأجنبية أيضا قد وقفت مثل هذا الموقف.
بل إن من العجيب أن هذه المراجع الأخيرة فقد قدمت "مئات" من التعريفات لفنون التحرير الصحفي الأخرى، خاصة الخبر، ثم وجدناها بخيلة في تعريفها لهذه المادة الأخيرة للأسباب نفسها "تشعبه وامتداده إلى فنون أخرى وكثرة تنوعه واختلاف معالمه وملامحه". ومن هنا كانت صعوبة التعريف.. الذي يمكن أن نستند إليه في مثل هذه الدراسة، استمرارا لطريقتنا التي تعتمد هذا الأسلوب..
ومن الغريب أن يكون الأصل في كلمة "مقالة" هي الكلام "المنطوق" أو الشفهي الذي يقصد به إحداث تأثير معين، قبل أن تأخذ شكلها المدون، من خلال نشاط ديواني "الإنشاء والرسائل" وحيث برزت الحاجة إلى تسجيل وتدوين وحفظ هذا اللون الفكري الأدبي أولا.. يدل على ذلك ورود الكلمة بهذا المعنى منذ "العصر الجاهلي" وفي مجالي الشعر والنثر معا فاستخدمت كثيرا تعبيرات مثل "مقالة حق، مقالة صدق، مقالة سوء، مقالة خير، مقالة شر ... إلخ" ومن ذلك -مثلا- قول الشاعر:
مقالة السوء إلى أهلها ... أسرع من منحدر سائل
ويقول أوس بن حجر:
ويكفي المقالة أهل الدحا ... ل غير معيب ولا غائب
كما استمر استخدامها في صدر الإسلام ضمن ما يطلق على "الخطية" وقد فعل ذلك "ابن هشام" في سيرته أكثر من مرة وكثر ترديدها في الأحداث التي صاحبت وفاة محمد رسول الله ﷺ وبيعة أبي بكر الصديق وجاء في خطبة عمر بن الخطاب ﵄: "أما بعد: فإني قائل لكم اليوم مقالة قد قدر لي أن أقولها ... إلخ".
وقد دار التعبير كثيرا على ألسنة الكتاب والمتحدثين والأدباء.. كما ورد مرات عديدة ضمن سطور كتب الأدب العربي.. ففي "كليلة ودمنة" مثلا وجدناها تتردد "فلما فرغ بيدبا من مقالته، فلما سمع كسرى أنوشروان والعظماء مقالته ... إلخ"٣.

١ مثل أ. د. عبد اللطيف حمزة.
٢ مثل أ. أحمد رشدي صالح.
٣ بيدبا ترجمة عبد الله بن المقفع: "كليلة ودمنة" ص١٠ - ص٢٠.

1 / 11

ولعل ذلك هو ما جعل تعريف "المقالة الأدبية" يطغى على تعريفات الأنواع الأخرى من المقالات.. حتى على الصحفية والعلمية.. فنجد على سبيل المثال لا الحصر تعريف "الموسوعة الثقافية" الذي يقول عن المقال أنه:
"فن من فنون التأليف الأدبي يكتب نثرا ويعطي أفكار المؤلف ومشاعره في أي موضوع من الموضوعات"١.
كما وردت تعريفات عديدة أخرى مماثلة لهذا التعريف الأدبي الطابع، تؤكد انتماء المقال أولا إلى الأدب، وامتداد هذه النظرة إلى الآداب الغربية أيضا، ومنها على سبيل المثال لا الحصر:
- المادة الكتابية النثرية التي يخاطب فيها الكاتب القراء مقدما لهم أفكاره وآراءه وخواطره، وما يتصل برؤيته للناس والحياة في مجتمعه أو المجتمعات الأخرى.
- كل كلام مكتوب قصد به التأثير في قارئه وإحداث انفعال ما مؤقت أو مستمر.
- من تجارب وقراءات ومعايشات ورؤية الكاتب الخاصة والموجودة ضمن إطار إنشائي معين تتكون أغلب المقالات.
- والمقالة أيضا عند البعض الآخر عبارة عن: "وثبة عقلية لا ينبغي أن يكون لها ضابط من نظام وهو قطعة إنشائية لا تجري على نسق معلوم، ولم يتم هضمها في نفس صاحبها، أما الإنشاء المنظم فليس من المقال في شيء٢.
- أهم الفنون الأدبية على الإطلاق في عالم اليوم.. أن أغلب الكتب الصادرة هي مجموعة من المقالات فالنقد والتأليف والتاريخ والاجتماع والرحلات.. كلها مقالات في مقالات وحتى القصة القصيرة أيضا فإن شكل "المقال القصصي" الذي يتناول حدثا أو شريحة من الناس أو المجتمع، هو نوعية أخرى من هذا الإنتاج المقالي الأدبي الرفيع.
وقريب من هذه النظرة الأدبية نفسها تعريف "قاموس اكسفورد" لهذا الفن والذي

١ حسين سعيد وآخرون: "الموسوعة الثقافية" ص٩٣٥.
٢ عبد العزيز شرف: "فن المقال الصحفي" ص٧، عن د. جونسون.

1 / 12

جاء به: "المقال هو إنشاء كتابي معتدل الطول في موضوع ما، وهو دائما يعوزه الصقل ومن هنا يبدو أحيانا أنه غير مفهوم ولا منظم"١.
ويحاول ناقد أدبي أن يجمع بين الزاويتين الأدبية والصحفية في تعريف له جاء فيه قوله أن المقال هو "شكل أدبي يستخدم للنثر عادة في توصيل الفكر من خلال طول معتدل يدور حول موضوع محدد، ويكون الموضوع عادة إخباريا أو تعليميا أو تحليليا، أي: إنه يجمع بين الرأي والخبر"٢.
أما المقال الصحفي -من حيث هو- فقد وردت عنه بعض التعريفات كما أمكننا الحصول على عدد آخر منها.. ومن بين هذه وتلك أنه:
- "الأفكار والخواطر والآراء ووجهات النظر المتصلة بفكر الكاتب من جهة وبنبض القراء واهتماماتهم من جهة أخرى.. وهو يكتب للنشر في الصحف والمجلات أولا، في وقت معين، وتختلف أطواله من مقال إلى آخر ... وفق نوعية وطبيعة المادة المطروحة به"٣.
- "ما يمثل جانب الرأي الحر في الصحف والمجلات بقلم محرر كبير أو كاتب من أعضاء الأسرة الصحفية أو خارجها يطرح فيه ما يعتقد أنه في حاجة إلى شرح وتعليق"٤.
ومن التعريفات "التقليدية" له أنه:
- "إنشاء متوسط الطول يكتب للنشر في الصحف ويعالج موضوعا معينا بطريقة مبسطة وموجزة على أن يلتزم الكاتب حدود الموضوع"٥.
- "المقال اسم يطلق على الكتابات التي لا يدعي أصحابها العمق في بحثها أو

١ عبد اللطيف حمزة: "المدخل في فن التحرير الصحفي" ص٢٢٧.
٢ نبيل راغب: "دليل الناقد الأدبي" ص١٨٩.
٣ من حديث خاص مع الأستاذ "أحمد رشدي صالح" آخر ساعة ١٩٧٧.
٤ من حديث خاص مع الأستاذ "أبو الخير نجيب" نقابة الصحفيين بمصر ١٩٨١.
٥ تعريف دائرة المعارف البريطانية.

1 / 13