عصر الخلافة الراشدة محاولة لنقد الرواية التاريخية وفق منهج المحدثين

عصر الخلافة الراشدة محاولة لنقد الرواية التاريخية وفق منهج المحدثين

প্রকাশক

مكتبة العبيكان

সংস্করণ

الأولى

প্রকাশনার বছর

١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م

প্রকাশনার স্থান

الرياض

জনগুলি
historical criticism
•
অঞ্চলগুলি
ইরাক
عصر الخلافة الراشدة
محاولة لنقد الرواية التاريخية وفق منهج المحدثين
تأليف الدكتور أكرم ضياء العمري
مكتبة العبيكان

অজানা পৃষ্ঠা

بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله الولي المنعم والصلاة والسلام على نبيه وآله وصحبه وسلم.
أما بعد .. فإن عصر الخلافة الراشدة امتداد لعصر السيرة النبوية حيث تؤثر القيم الإسلامية على الناس في نشاطهم السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وتنعكس على الحكم في علاقته بالأمة من ناحية وبالقوى الخارجية من ناحية أخرى، وتؤثر في اختيار الحاكم وقيم التعامل معه من حيث الطاعة المشروطة بإنفاذ أحكام الشريعة، والحفاظ على وحدة الأمة، والشورى، والقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والاجتهاد الفردي والجماعي لاستنباط الأحكام من الكتاب والسنة فيما يتعلق بالوقائع الجديدة المتنوعة وخاصة بعد الانسياح في الهلال الخصيب وبلاد إيران ومصر حيث التماس مع حضارات قديمة ونظم اجتماعية واقتصادية عريقة. فلولا الاجتهاد لما أمكن إنزال الأحكام الشرعية على الوقائع القائمة. ولولا الانفتاح العقلي والروح الملهمة لما تمكن الفاتحون من التعامل مع المجتمعات الجديدة، وإكسابها الطابع الإسلامي، مع الاحتفاظ بتقدمها في المدنية والعمران.
إن المألوف في التاريخ هو ذوبان الأمم البدوية في الحضارات القوية حتى لو اكتسحها البدو عسكريًا، إذ سرعان ما تنحل عصبتهم وتذوب روح المقاومة فيهم، ويتطبعون بطابع الحياة الجديدة، ولكن ما حدث في التقاء الفاتحين المسلمين مع الأمم الأخرى هو تلاقح وتبادل عميقان، وكان للإسلام بقيمه الروحية والثقافية المنفتحة الأثر الكبير في أحداثهما، وقد مكنت العقيدة الإسلامية والقيم الثقافية المنبثقة عنها المسلمين من الحفاظ على شخصيتهم وقيمهم ولغتهم وأدبهم وطابع حياتهم، وتحويل المجمعات الجديدة التي حكموها وإكسابها الصبغة الإسلامية واللسان العربي الذي صار اللغة الأدبية العامة فضلًا عن كونها لغة الدولة والسياسة

1 / 7

والإدارة، بحيث طغت بعد برهة وجيزة على اللغات واللهجات المحلية.
وينظر المسلمون إلى عصر الخلافة الراشدة باعتباره أميز العصور في تاريخهم بعد عصر النبوة حيث تولى الحكم كبار الصحابة المقربين من النبي ﷺ ممن شهد لهم بالسابقة والفضل والبشارة بدخول الجنة، تعاونهم أعداد من الصحابة الذين نزل القرآن بتعديلهم، وهم الذين مثلوا النخبة القيادة في الفكر والسياسة والإدارة والاقتصاد والفتوح، كما أنهم نقلوا القرآن والسنة إلى الأجيال التالية لذلك كان لابد من تمحيص الأخبار المتعلقة بهم خاصة.
ولا شك أن أساليب الحكم والإدارة والتوجيه التي اتبعوها وضحت جوانب النظام الإسلامي وصارت مثالًا يتطلع له المؤمنون في كل الأجيال المتعاقبة، وهم يقيسون أحوال زمانهم به، ويصفونه لبيان الانحراف والظلم وانهيار القيم الخلقية والاجتماعية والسياسية، ويدعون إلى العودة إلى "المثال" الذي تحقق في الخلافة الراشدة.
وكان الحكم في العهد النبوي تخالطه النبوة، لكنه لم يعد كذلك في الخلافة الراشدة، فلم يكن توليهم السلطة بأمر من الله أو بوصية من نبيه، بل تم اختيارهم وبيعتهم من قبل المسلمين، بما في ذلك خلافة عمر ﵁ الذي رشحه أبو بكر الصديق رضى الله عنه بعد مشورة الكبار من الصحابة، فلم تكن الخلافة لتنعقد له لولا بيعة الناس له في المدينة، ثم أخذ البيعة له من قبل الولاة على أرجاء الدولة الإسلامية ..
وقد طبَّق الخلفاء الأربعة التعاليم الإسلامية في الحكم، فاهتموا بالشورى الفردية والجماعية، لكنهم لم يؤسسوا مجلسًا دائمًا لها، بل كانت في الغالب تنحصر في المقدمين من الصحابة من ذوي السابقة والخبرة، وكان الجمهور يعترف لهم بهذه المكانة. لكن البيعة للخليفة لم تقتصر عليهم بل تمتد إلى الجمهور الذي يبايع البيعة العامة في المسجد بعد البيعة الخاصة التي يعقدها كبار الصحابة للخليفة.
إن أهم المظاهر التي برزت في عصر الخلافة الراشدة تتمثل في تنظيم الإدارة

1 / 8

والجيش والعطاء وتنظيم المناطق المفتوحة وخاصة في خلافة عمر ﵁. أما أهم الأحداث التي شهدها ذلك العصر فتتمثل في القضاء على حركات الانشقاق وإعادة توحيد الدولة الإسلامية في خلافة أبي بكر الصديق ﵁، مما مهَّد للحدث البارز الثاني المتمثل في حركة الفتوح الإسلامية التي شغلت العصر، وامتازت بالانسياح السريع في الهلال الخصيب وإيران ومصر، حيث تغلب الفاتحون على الإمبراطوريتين البيزنطية والساسانية وهما أعظم القوى في الأرض في ذلك الزمان، وكانت الغلبة الحضارية المتمثلة في سيادة الإسلام واللغة العربية تزيد على أهمية الانتصار العسكري السريع، لأنها مكنت للإسلام ولغته العربية في الأرض المفتوحة حتى الوقت الحاضر، خلافًا للفتوحات الأخرى التي قادها هانيبال والإسكندر وهولاكو قديمًا والتي قامت بها بريطانيا وأسبانيا والبرتغال وهولندا في العصر الحديث، فرغم الانتصار العسكري لهذه القوى إلا أنها لم تتمكن من صهر المناطق المفتوحة في بوتقتها الحضارية وإن تركت فيها آثارًا متباينة العمق. ويعود الأثر العميق الذي أحدثته الفتوح الإسلامية إلى تحول السكان إلى الإسلام عقيدة وشريعة وأخلاقًا، تمتد تعاليمه إلى جوانب الحياة المختلفة، وتؤثر في البنية الثقافية والاجتماعية والاقتصادية .. وكان لقيم التسامح والعدل والمساواة أثر كبير في اجتذاب سكان المناطق المفتوحة وتوحدهم مع الفاتحين.
وقد كان الحدث الداخلي المهم يتمثل في أحداث الفتنة التي أودت بحياة الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان ﵁ وطغت نتائجها على أحداث خلافة علي بن أبي طالب ﵁ الذي واجه المعارضة المتنوعة في الجمل والنهروان وصفين، واستشهد قبل أن تستقر الدولة الإسلامية على حال.
ولا شك أن التجربة السياسية التي لم يمض عليها سوى أربعة عقود تمكنت من الصمود أمام العواصف العاتية وخرجت منها مثقلة بتجاربها وخبراتها متطلعة إلى الاستقرار والامتداد والتفاعل مع التطورات الجديدة في العصر الأموي.
وقد التزمتُ بتطبيق مناهج المحدثين في نقد الروايات التاريخية إذا تعلقت

1 / 9

بالعقيدة والشريعة، أما الأخبار التي تتناول الفتوحات، وتعيين الولاة والقضاة والموظفين فإنها لا تقتضي إعمال المنهج النقدي الحديثي فيها بل يكفي اتفاق الاخباريين واختلافهم عليها وسلامتها من التناقض والشذوذ، وسلامة القصد عند الرواة لئلا يميلوا بالأخبار نحو خدمة اتجاهاتهم العقدية والسياسة، وهكذا تعامل علماء السلف مع هذه الأخبار، ولو اشترطوا فيها ما اشترطوه في الأحاديث النبوية لما صفا لهم منها إلا القليل، وبذلك يبقى التأريخ علمًا مستقلًا له أدواته الخاصة ومناهجه النقدية المتميزة
واللهُ من وراء القصد، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
المؤلف
الدكتور أكرم ضياء العمري
المدينة المنورة
١٧ ذو الحجة ١٤١٤ هـ

1 / 10

تحليل المصادر

1 / 11

١ - كتب التأريخ:
محمد بن اسحق:
وكتابه (المبتدأ والمبحث والمغازي) أجود ما كتب في السيرة النبوية، وعقد آخره فصولًا تتعلق بالسقيفة وخلافة أبي بكر والردة وجملة من أخبار عصر الخلافة الراشدة. وقد سرد ابن اسحق في كتابه الآخر (تاريخ الخلفاء) روايات مفصلة عن ذلك العصر، لكن كتابه مفقود، ونجد مقتطفات منه في (تاريخ الطبري) وغيره.
خليفة بن خياط:
يعتبر تاريخ خليفة بن خياط (ت٢٤٠ هـ) أقدم تاريخ حولي وصل إلينا، حيث فقدت كتب الحوليات التي ألفت قبله، وتظهر أهميته في دقة معلوماته، وحسن انتقاء رواياته، وانتماء مؤلفه إلى مدرسة المحدثين حيث يهتم بذكر الأسانيد، وقد أعطى اهتمامًا خاصًا لجداول الولاة والقضاة، كما اهتم بأحداث الفتنة في خلافة عثمان حيث أثرت رواياته على رؤية أهل السنة والجماعة لتلك الأحداث لما يتمتع به خليفة من توثيق، ولكثرة إيراده لمرويات أهل الحديث، مما جعله مصدرًا تطمئن إليه نفوس الباحثين في تاريخ صدر الإسلام حيث تؤثر الأهواء المتنوعة في توجيه الروايات وانتقائها.

1 / 13

محمد بن سعد (ت ٢٣٠هـ) (١):
إن كتاب الطبقات الكبرى لمحمد بن سعد يترجم لرواة الحديث من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى طبقة شيوخ المؤلف، ويطيل ذكر أخبارهم ومكانتهم وصفاتهم الخلقية والخُلُقية وملابسهم وعاداتهم، ومنهم خلفاء وأمراء وقادة فيقدم معلومات غنية عن التأريخ السياسي والحضاري والثقافي، وطول التراجم في الصحابة والتابعين أكثر من المتأخرين.
وتزداد أهمية الكتاب لكون ابن سعد حظي بتوثيق المحدثين، لكنهم عابوا عليه أخذه عن الضعفاء كهشام بن الكلبي ومحمد بن عمر الواقدي. وقد صنف الواقدي كتابا في الطبقات نقل عنه ابن سعد ما لا يقل عن ربع كتابه (٢). ولكن من الإجحاف لابن سعد أن نقتنع بقول ابن النديم عنه أنه صنف كتبه من تصنيفات الواقدي (٣)، لأن ابن سعد استقى من مصادر أخرى كثيرة حتى بلغ عدد شيوخه في الطبقات الكبرى أكثر من ستين شيخا معظمهم من المحدثين، ويزيد ما نقله عن أبي نعيم الفضل بن دكين وعفان بن مسلم وعبيد الله بن موسى العبسي ومعن بن عيسى الأشجعي مجتمعين على ما نقله عن الواقدي، فكيف وقد نقل عن غيرهم أيضا!!. وبذلك يتضح ما في اتهام ابن النديم له من مجازفة وبعد عن الحق (٤).
لقد أورد ابن سعد ١٦٨ رواية عن خلافة الصديق ﵁، منها ٣٦ رواية فقط من طريق الواقدي، أي أقل من ربعها، ويقدم معلومات مفصلة ينفرد

(١) راجع أكرم العمري: مقدمه التأريخ خليفة بن خياط ٣.
(٢) أكرم العمري: بحوث في تاريخ السنة المشرفة ٨٠.
(٣) ابن النديم: الفهرست ١٥١.
(٤) أكرم العمري: بحوث في تاريخ السنة المشرفة ٨٠.

1 / 14

بكثير منها (١). وغالب رجال أسانيده معروفون لهم تراجم في الكتب ماعدا شيوخ شيخه الواقدي (٢). ويلاحظ أنه في أحداث الفتنة زمن عثمان ﵁ لم يرو عن سيف بن عمر إطلاقًا (٣).
البلاذري:
أحمد بن يحيى بن جابر (ت ٢٧٩ هـ- ٨٩٢ م)، نشأ في بغداد من عائلة مارس بعض رجالها صنعة الكتابة، وورث "البلاذري عنهم هذه الصناعة، ورحل في الأمصار الإسلامية لطلب العلم، وصار أحد النقلة عن اللسان الفارسي، وقد ترجم كتاب (عهد أردشير، ونظمه شعرًا) (٤).
ويعد البلاذري أبرز المؤرخين المسلمين بعد الطبري من حيث سعة المعلومات التي دونها والفترات التاريخية التي غطاها، لكن كتابه (أنساب الأشراف) أحسن انتقاء للروايات وأنقى أسانيد وأكثر اتفاقًا مع روايات أهل الثقة والصدق من تأريخ الطبري.
وأنساب الأشراف يتناول التاريخ الإسلامي في إطار الأنساب "ابتداء بالأسر

(١) عبد العزيز بن سليمان المقبل: خلافة أبي بكر الصديق ص ١٧ (رسالة ماجستير مقدمة للجامعة الإسلامية مكتوبة بالآلة).
(٢) محمد عبد الله الغبان: فتنة مقتل عثمان بن عفان ١: ١٦ (رسالة ماجستير مقدمة للجامعة الإسلامية مكتوبة بالآلة الطابعة).
(٣) المصدر نفسه ١: ١٦.
(٤) شاكر مصطفى: التأريخ العربي والمؤرخون ١: ٢٤٣، ومحمد صامل السلمي: منهج كتابة التأريخ الإسلامي ٣٨٨ - ٣٨٩.

1 / 15

والعشائر والقبائل القرشية، وانتهاء بغيرها من القبائل العربية" (١).
وباستقراء مشايخ البلاذري نجد أغلبهم توفي قبل وفاة البلاذري بأكثر من عشرين عامًا تقريبًا، مما يدل على أنه صنف كتابه قديمًا قبل مرضه، وبمقارنة رواياته بروايات غيره كابن سعد وخليفة نجدها متفقة مع الروايات الحسنة والصحيحة التي أوردتها كتب السنة والتاريخ، لذلك فإذا حدث في رواياته ضعف أو شذوذ فهو من قبل الرواة الذين نقل عنهم لا منه هو (٢).
وقد استقى رواياته في أحداث الفتن من ثقات المحدثين من شيوخ البخاري ومسلم في الصحيحين مثل عفان بن مسلم، وأحمد بن إبراهيم الدورقي، وعلي بن المديني وعمرو بن محمد الناقد، وأبي بكر بن أبي شيبة، وأبي خيثمة (٣). كما أفاد من مؤلفات شيوخه البغداديين مثل القاسم بن سلام، وعلي بن محمد المدائني، ومحمد بن سعد، وابن الأعرابي، وعلي بن عبد الله المديني، ومصعب الزبيري، ومحمد بن حبيب البغدادي، وعمر بن شبَّة (٤).
وقدَّم البلاذري كتابًا آخر للمكتبة التأريخية وصل إلينا، وهو (فتوح البلدان) تناول فيه قصة فتح كل مصر على حدة، وذكر معلومات مهمة تخص الحياة الاقتصادية والإدارية والثقافية مما يغني دراسة معاملة الفاتحين لسكان المناطق المفتوحة. وتجلى أهميته لاعتماده على مصادر محلية في كل مصر (٥).

(١) إحسان صدقي العمد: مقدمته للقسم الخاص بأبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب من أنساب الأشراف للبلاذري ص ١٠، ط. الكويت.
(٢) عبد الحميد علي ناصر محمد: خلافة علي بن أبي طالب ص ١٣.
(٣) عبد الحميد علي ناصر محمد: خلافة علي بن أبي طالب ص ١٤.
(٤) إحسان صدقي العمد: مقدمته ص ١٠.
(٥) شاكر مصطفى: التأريخ العربي والمؤرخون ١: ٢٤٣.

1 / 16