كان متعدِّيًا كان فيه ضميرٌ يعودُ على اللهِ تعالى، وتكون «مَنْ» مفعولًا به أي يختصُّ الله الذي يشاؤه برحمتِه، ويكونُ معنى افْتَعَلَ هنا معنى المجرد نحو: كَسَب مالًا واكتسَبه، وإنْ كان لازمًا لم يكن فيه ضميرٌ ويكونَ فاعلُه «مَنْ» أي: واللهُ يختصُّ برحمتِه الشخصَ الذي يَشاؤُه ويكون افتعل بمعنى فعل الفاعل بنفسه نحو اضطرب، والاختصاص ضد الاشتراك، وبهذا تبين فساد قول مَنْ زعم أنه هنا متعدٍّ ليس إلاَّ. و«مَنْ يجوز أن تكونَ موصولةً أو موصوفةً، وعلى كلا التقديرين فلا بُدُّ من تقديرِ عائدٍ، أي: يشاءُ اختصاصَه، ويجوزُ أَنْ يُضَمَّنَ» يشاء «معنى يَخْتار، فيحنئذٍ لا حاجة إلى حَذْفِ مضاف بل تقدِّره ضميرًا فقط أي: يَشاؤه، و» يشاءُ «على القولِ الأولِ لا محلَّ له لكونِه صلةً، وعلى الثاني محلُّه النصبُ أو الرفعُ على ما ذُكِرَ في موصوفِه من كونِه فاعلًا أو مفعولًا.
قوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ﴾ . . في «ما» قولان: أحدُهما - وهو الظاهرُ - أنَّها مفعولٌ مقدم لنَنْسَخْ، وهي شرطيةٌ جازمةٌ له، والتقدير: أيَّ شيءٍ نَنْسَخ، مثلَ قوله ﴿أَيًّا مَّا تَدْعُواْ﴾ [الإسراء: ١١٠] . والثاني: أنَّها شرطيةٌ أيضًا جازمة لنَنْسَخْ، ولكنَّها واقعةٌ موقعَ المصدرِ، و«مِنْ آيةٍ» هو المفعولُ به، والتقديرُ: أَّي نَسْخٍ نَنْسَخ آيةً، قاله أبو البقاء وغيرُه، وقالوا: مجيءُ «ما» مصدرًا جائز وأنشدوا:
٦٧١ - نَعَبَ الغرابُ فقلتُ: بَيْنٌ عاجِلُ ... ما شِئْتَ إذ ظَعَنُوا لِبَيْنٍ فانْعَبِ
وقد رَدَّ هذا القولَ بعضُهم بشيئين، أحدُهما: أنَّه يَلْزَمُ خُلُوُّ جملةِ الجزاءِ من ضميرٍ يعودُ على اسمِ الشرطِ وهو غيرُ جائزٍ، وقد تقدَّم تحقيقُ