وَهمُهُ وصدقُه متساويين في الرُّجحان، أو كان وهمُه راجحًا على صِدقه، وهذا مردودٌ بلا شكٍّ، سواءً كان رافعًا للنسخ إلى النبي ﷺ، أو كان واقفًا له دونَ النبيِّ ﷺ وإنما الكلامُ في مَنْ قوِيَ في الظن، ورجح في العقل أنه صادق في قوله.
فإن قلت: فرقٌ بينَ ما رفعه إلى النبي ﷺ، وبين ما وقفه على نفسه، أو على غيره، وذلك لأن ما رفعه إلى النبي ﷺ لا يحتمل أنَّه بناه على الوهم، وإنَّما يحتمل أنَّه كَذَبَ على النبي ﷺ أو صدق فيه، لكن احتمال الكذب بعيدٌ عن الثقات، أمَّا الوهم فكثير.
قلت: ليس الأمرُ كما توهمتَ، بل قد نصَّ العلماء على جواز الوهم على الراوي في تأديته للفظ الحديث النبوي، والدليل على ذلك وجهان:
أحدُهما: قوله ﵇ في الأحاديث الصحيحة: " مَنْ كذَبَ علَيَّ مُتَعَمِّدًا فلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّار " (١) فقوله " متعمِّدًا " يَدُلُّ على أنَّه يجوز على الراوي أن يُخطِىء في النقل، لكِنَّه تجويزٌ بعيدٌ مرجوح، فلم يُعتبر، فلذلك قالت عائشة لمّا سَمِعَت ابنَ عمر يروي حديث: " إنَّ الميِّتَ ليعذَّبُ بِبُكَاءِ أهْلِهِ علَيْهِ " (٢): ما كذب ولكنَّه وَهم (٣).
(١) تقدم كلام المؤلف عليه وانظر التعليق عليه هناك ص ١٩٠.
(٢) أخرجه من حديث ابن عمر البخاري (١٢٨٨) و(١٢٨٩) و(٣٩٧٨) ومسلم (٩٢٨) (٩٣٠) وانظر " الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة " ص ٧٧، وشرح السنة ٥/ ٤٤١ - ٢٤٢، وتلخيص الحبير ٢/ ١٤١. و" فتح الباري " ٣/ ١٥٠.
(٣) في (أ) و(ج) فوق كلمة " وهم " ما نصه: وَهِل خ، أي: نسخة، وهي كذلك عند مسلم (٩٣٢) والنسائي ٤/ ١٧، وأبي داود (٣١٢٩). وهما بمعنى يقال: وهِمَ وَوَهِلَ، أي غَلِطَ.
وفي " الموطأ " ١/ ٢٢٤ ومسلم (٩٣١) " يغفر الله لأبي عبد الرحمن أما إنه لم يكذب، ولكنه نسي أو أخطأ ".