Arab Thought in the Renaissance Era
الفكر العربي في عصر النهضة
প্রকাশক
دار النهار للنشر بيروت
জনগুলি
•Human Sciences
অঞ্চলগুলি
যুক্তরাজ্য
ألبرت حوراني
الفكر العربي في عصر النهضة ١٧٩٨ - ١٩٣٩
دار النهار للنشر
1 / 1
ترجمه إلى العربية
كريم عزقول
1 / 2
مقدمة المترجم
بين دفتي هذا الكتاب، الموضوع أصلا في اللغة الانكليزية بقلم عالم واسع الاطلاع، دقيق الملاحظة، محكم التفكير، عرض لإنتاج الفكر العربي السياسي في الحقبة الواقعة بين أوائل القرن التاسع عشر وبدء الحرب العالمية الثانية، يسبقه وصف موجز لأصول هذا الفكر وتطوره منذ انطلاق الدعوة الإسلامية، ويختمه رسم سريع لأهم اتجاهاته منذ الحرب العالمية الثانية حتى يومنا هذا تقريبًا. وهو بحث علمي تحليلي مفصل وموضوعي، يتوخى اطلاع القارئ الانكليزي على تاريخ هذا الفكر، متجنبًا، على العموم، إصدار حكم عليه أو إبداء تعليق حوله.
ويتبين من هذا الكتاب أن مجهود العرب الفكري السياسي قد انصبَّ، في جميع مراحله هذه، على محاولة التوفيق بين نظرية الإسلام في الحكم، على مفهومها الإسلامي الأصلي، وبين التغيرات التي طرأت على واقع الحكم، في مختلف أطوار تاريخ «الأمة» الإسلامية، نتيجة لظروف وأحوال وأوضاع جديدة، مما أسفر، مع الزمن، عن توضيح، أو تفسير، أو تأويل، أو تطوير، أو تعديل، أو تبديل لتلك النظرية، ضمن إطار التقليد الإسلامي أو خارجه. وقد جرت هذه المحاولة وما أدت إليه من تطور في نظرية الحكم، طوال قرون عديدة، تدريجًا وببطء وهدوء وبشكل يكاد لا يلحظ، حتى جابه الإسلام فجأة، في أوائل القرن التاسع عشر، عالم أوروبا الحديث، فشعر المسلمون شعورًا حادًا بضرورة القيام بمحاولة جديدة للتوفيق
1 / 5
بين آخر ما كانت قد وصلت إليه النظرية الإسلامية في الحكم وبين هذا الحدث الجديد الكبير، أملًا بردّ تحديه المحرج الخطير. وهكذا نشأت حركة فكرية واسعة ونشيطة، جاء هذا الكتاب يبسط مجالها وتياراتها واتجاهاتها وتفرعاتها وأسبابها ونتائجها.
وفيما كانت هذه المحاولة آخذة مجراها الطبيعي وسائرة سيرها الحثيث، إذا بالعالم الغربي الحديث، بسرعة تفوق سرعتها. يحتاج العالم العربي بأفكاره ونظمه ومؤسساته، فيتخطى تلك المحاولة تخطيًا جعل الشق بين نظرية الإسلام في الحكم وبين واقع الحال يتسع ويعمق يومًا بعد يوم.
وكأن هذا السبق، الذي أحرزه التطور العملي في واقع البلدان العربية على التطور النظري في أفكار المحاولين ضبطه وتوجيهه. قد أدخل نوعًا من اليأس في نفوسهم من اللحاق على الصعيد النظري بهذا التطور العملي، فإذا بعزمهم يضعف، ويزخمهم يتراخى، وإذا بالتقاعس يدب في متابعتهم هذه المحاولة، فيتسلمها عنهم مفكرون «علمانيون» لم يكونوا، وإن مسلمين، ليمثلوا، على وجه الدقة، أصالة الدين الإسلامي أو لينطقوا باسمه. ذلك أنهم لم ينطلقوا، على ما يبدو من الإسلام نفسه لمجابهة التطور الحديث وتقييمه على ضوء مبادئ الإسلام ومقتضياته، بل انطلقوا، بالأحرى، من واقع التطور الحديث لتفسير الإسلام وتطويره وفقًا لمقتضيات هذا الواقع. فجاءت محاولتهم هذه كأنها غير صادرة عن صميم التقليد الإسلامي، وبدت، لذلك، غير مؤهلة للفعل فيه من الداخل، كمن له سلطان.
وهكذا، أمام هذا الفراغ العقائدي، وجد المسلم نفسه اليوم في وضع شاذ غريب وفريد من نوعه:
فهو يعيش. داخليًا، وفي ضميره ولاء للدولة المهتدية بهدي
1 / 6
الله، والمذعنة لأوامره ونواهيه، والمنفذة شرائعه على الأرض؛ وهو يعيش، خارجيًا، ضمن دولة دينها الإسلام، ومفروض فيها، لذلك، أن تجسد الدولة الإسلامية في سلطتها وحكمها ومؤسساتها وشرائعها. بينما هو يعيش، بالواقع، ضمن دولة كل ما فيها تقريبًا مستورد من مصدر غير إسلامي، قد يتلاءم مع الإسلام أو لا يتلاءم معه، لا بل قد يكون مخالفًا له في روحه وفي أسسه وفي أهدافه. فهل يستطيع هذا المسلم، وهو في شك على الأقل من «شرعية» هذه الدولة، أن يهبها ولاءه بلا تحفظ، فيضع مصلحتها فوق مصلحته، ويندفع في خدمتها بإخلاص وتفان، ويضحي في سبيلها بكل ما لديه؟ وإن هو فعل، أفلا يخامره الشك ويساوره الخوف من أن يكون فاعلًا ما قد لا يرضي الله، لا بل ما قد يستحق سخطه ويستدعي عقابه؟
قد يكون هذا التمزق الداخلي في وجدان المواطن سر الحالة المخيفة التي تتخبط فيها الشعوب العربية اليوم؛ وقد تكون القضية الأساسية الأولى المطروحة أمامها الآن إنما هي إعادة الصلة الروحية بين الحاكم والمحكوم، بين المواطن والدولة، بحيث يصبح بإمكان هذا المواطن، بلا تردد ولا تحفظ، لا بل باندفاع وغيرة وحماس، أن يطيع من يجب أن يطاع وأن يمنح الولاء لمن له الولاء.
كذلك قد يكون الاطلاع على المجهود العظيم الذي قام به في هذا السبيل جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا وغيرهم ممن انصرفوا إلى معالجة هذه القضية من داخل التيار الرئيسي للتقليد الإسلامي أو من خارجه حافزًا على استئناف هذه المحاولة الكبرى التي حاولها هؤلاء المسلمون العظام وعلى توسيعها وتعميقها والدفع بها إلى نتائجها المنطقية.
لهذا أقدمت على ترجمة هذا الكتاب.
1 / 7
أما بشأن هذه الترجمة، فقد توخيت الدقة في إداء أفكار المؤلف والمحافظة على طريقة تفكيره وتعبيره، أكثر مما توخيت الرشاقة والسلاسة التي يجب أن يتحلى بها الإنشاء العربي. وقد سهل مهمتي هذه الأستاذ الدكتور ماجد فخري، رئيس قسم الفلسفة في جامعة بيروت الأميركية، الذي تفضل، مشكورًا، بمراجعة النص العربي.
بيروت في ٢٠ آب ١٩٦٨ ... كريم عز قول
1 / 8
مقدمة المؤلف
ليس هذا الكتاب تاريخًا عامًا للفكر العربي الحديث، إنما هو دراسة لذلك التيار من الفكر السياسي والاجتماعي الذي أخذ يظهر، عندما تنبه المثقفون في البلاد الناطقة بالضاد، خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر، إلى أفكار أوروبا الحديثة ومؤسساتها وبدأوا، في النصف الثاني منه، يشعرون بقوتها. فقد كانوا يتساءلون عما يجب عليهم وعما يمكنهم أن يأخذوه عن الغرب لإحياء مجتمعهم. كما كانوا يتساءلون بأي معنى يظلون عربًا، ويظلون مسلمين، إذا ما تأثروا بالغرب واقتبسوا عنه. وقد حاولت أن أبين كيف عبرت هذه التساؤلات عن نفسها، وأن استعرض بعض الأجوبة التي أعطيت عنها. على أني لم أحاول الإتيان على كل شيء، بل انتقيت ما بدا لي ملائمًا لإيضاح موضوعي.
فتوسعت في عرض التكاوين الفكرية الأولى أكثر من الأخيرة، وفي ما كتب في القاهرة وبيروت أكثر مما كتب في أماكن أخرى. ووجهت اهتمامي الرئيسي نحو مؤلفات عدد قليل من المفكرين الذين بدوا لي جديرين بالدراسة أكثر من سواهم، محاولًا سرد تفاصيل كافية عن حياتهم وعن العالم الذي عاشوا فيه، كي يتضح لماذا طرحوا أسئلتهم كما فعلوا. هذا مع العلم بأن التمييز بين «الشرق» و«الغرب» لم يعد، بعد ١٩٤٥، صحيحًا بمقدار ما كان كذلك من قبل، وأن قضية «محاكاة الغرب» لم تعد محور التفكير، اكتفيت بالإشارة إليه من بعيد في خاتمة الكتاب.
ولا بد هنا من أن أعرب عن عميق امتناني للمؤسسات
1 / 9
والأشخاص الذين ساعدوني. أخص بالذكر منهم رئيس كلية مريم المجدلية وطلابها في أكسفورد، الذين اختاروني لمنحة دراسية أتاحت لي الوقت الكافي لوضع هذا الكتاب، الذي كان جزءً من موضوعًا لمحاضرات ألقيتها في جامعة بيروت الأميركية (١٩٥٦ - ١٩٥٧)، وفي معهد الآداب والعلوم في بغداد (١٩٥٧)، وفي جامعة أكسفورد (١٩٥٨ - ١٩٥٩)، وفي معهد الدراسات العليا في تونس (١٩٥٩). فأشكر الذين سهلوا لي إلقاء هذه المحاضرات، كما أشكر الطلاب الذين، بأسئلتهم أو بصمتهم، ساعدوني على اكتشاف ما كان فيها واضحًا أو ما لم يكن.
وأريد أن أخص بالذكر أيضًا الآنسة مرغريت كليف، سكرتيرة المعهد الملكي للشؤون الخارجية سابقًا، ولخلفها السيد أ. س. ب. أولفر، لما لقيت منهما من تشجيع واهتمام. كذلك أولئك الأصدقاء الذين قرأوا الكتاب، كليًا أو جزئيًا، وانتقدوه، منهم ريتشارد فالزر، وبرنارد لويس، وشارل عيساوي، ووليد خالدي، ومالكولم كير، وإيليا خدوري وزوجته. كما أني مدين بنوع خاص إلى للآنسة أورسولا جبسون التي طبعت المخطوطة على الآلة الكاتبة، والآنسة هرميا أوليفر من أسرة تحرير تشاتم هاوز التي أحاطت مخطوطتي، كما أحاطت مخطوطات عديدة أخرى، بعطف حار.
كانون الأول ١٩٦١ ... ألبرت حوراني
1 / 10
الفصل الأول
الدولة الإسلامية
العرب أشد شعوب الأرض إحساسًا بلغتهم (١). فهي ليست، في نظرهم، أعظم فنونهم وحسب، بل خيرهم المشترك. ولو سألت معظمهم تعريف ما يعنونه «بالأمة العربية»، لبادروك إلى القول أنها تشمل جميع الناطقين بالضاد. لكن سرعان ما يذهبون إلى أبعد من ذلك، فيقولون إنها تشمل جميع من يدعون صلة ما بقبائل الجزيرة العربية، إن بالتحدر منها، أو بالانتساب إليها، أو باقتباس مثلها الأعلى، عن طريق اللغة والأدب، في كمال الإنسان ومقاييس الجمال. أما تعريف الأمة العربية تعريفًا كاملًا، فلا بد من الرجوع فيه إلى حقبة تاريخية لعب فيها العرب دورًا قياديًا كان خطيرًا، لا لهم فحسب، بل للعالم أجمع، بحيث حق لهم الادعاء بأنهم كانوا، في تاريخ البشر، شيئًا يذكر.
تبدأ تلك الحقبة حين دعا محمد، وهو من آل قريش، إلى رسالة آمن بأن الله عهد بها إليه بواسطة الملاك جبرائيل. كانت هذه الرسالة، في نظر أتباعه، من الخطورة بحيث أنها غيرت وجه التاريخ. دعا محمد الناس إلى التوبة قبل فوات الأوان، وإلى السعي وراء ما يرضي الله، كما أنه حدد العقائد والأفعال التي يأمر بها الله. وقد علم أن على الناس أن يؤمنوا بأن الله أحد، وبأنه أعلن إرادته بواسطة الأنبياء، وبأن محمدًا خاتمتهم، وبأن الرسالة المنزلة عليه، وهي القرآن، إنما هي كلام الله المنصوص المعبر عن مشيئته من أجل البشر، وبأن على البشر أن يعملوا بالأوامر الواردة فيه، وبأن
1 / 11
العالم سينتهي بيوم حساب تقوم فيه أعمالهم وعليها يحاسبون.
بدا جليًا لأتباع النبي أن لا بد للوحي الذي كان هو أداة تبليغه أن يكون الأتم لأنه الأخير، وأن لا بد للقرآن من أن يشتمل، هو وتعاليم النبي وسيرته، تصريحًا أو تضمينًا، على كل ما كان ضروريًا للحياة الصالحة. وعلى مرور الزمن، أثبت نص القرآن، وجمعت الأحاديث عما فعله النبي وعما تفوه به (سنة الرسول)، ثم محصت على يد علماء انصرفوا بكليتهم إلى التمييز بين الصحيح منها والمنحول. وعلى مرور الزمن أيضًا، نشأ عن القرآن والحديث نظام شامل للخلقية المثلى، كان بمثابة تصنيف خلقي للأفعال البشرية يوضح السبيل (الشريعة) الذي في إتباعه إرضاء لله وأمل في بلوغ الجنة. لم يكن ذلك عسيرًا في الأفعال التي نزل فيها نص من القرآن صريح أو ورد بها حديث مقبول. أما في غير ذلك، فكان لا بد لذوي العقول والخبرة اللازمة من استنطاق النصوص عنه، وفقًا لقواعد القياس الدقيق، أو لقواعد طريقة أخرى من طرق التعليل (الاجتهاد). وهكذا غدا نتاج هذه العملية مقبولًا على العموم لدى جمهور العلماء (الإجماع)، واكتسبت الأحكام أو الشرائع المجمع عليها سلطة لا تقل إلزامًا عن القرآن والحديث. إلا أن الآراء بقيت متباينة في كيفية إثبات وقوع الإجماع، وفي الأمور التي يضفي عليها الإجماع طابع الشرعية، كما بقيت الآراء متباينة أيضًا، خارج نطاق الإجماع، في طرق استخدام العقل البشري، وفي النتائج التي يفضي إليها استخدامه. وقد انتظمت، مع الزمن، هذه الخلافات في مذاهب اعتبرت جميعها متساوية في الشرعية، يحق للمؤمن إتباع أي منها.
أحدث نظام الخلقية المثلى هذا، على مختلف أشكاله، مجتمعًا جديدًا، كما خلق أيضًا إنسانا جديدًا. إذ كان لكل فعل جوهري من أفعال العبادة طابعه الاجتماعي. فكان المسلمون يصلون معًا في الجامع يوم الجمعة؛ وكان لصيامهم السنوي، في شهر رمضان،
1 / 12