আরব ভাষায় অমলির বই

كتاب الأمالي في لغة العرب

প্রকাশক

دار الكتب المصرية

সংস্করণ

الثانية

প্রকাশনার বছর

١٣٤٤ هـ - ١٩٢٦م

بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
الجزء الأول
قال الشيخ أبو على إسماعيل بن القاسم القالى البغدادى ﵀: الحمد لله الذى جل عن شبه الخليقة، وتعالى عن الأفعال القبيحة؛ وتنزه عن الجور، وتكبر عن الظلم؛ وعدل فى أحكامه، وأحسن إلى عباده؛ وتفرد بالبقاء، وتوحد بالكبرياء، ودبر بلا وزير، وقهر بلا معين؛ الأول بلا غاية، والآخر بلا نهاية؛ الذى عزب عن الأفهام تحديده، وتعذر على الأوهام تكييفه؛ وعميت عن إدراكه الأبصار، وتحيرت فى عظمته الأفكار؛ الشاهد لكل نجوى، السامع لكل شكوى، والكاشف لكل بلوى؛ الذى لا يحويه مكان، ولا يشتمل عليه زمان، ولا ينتقل من حال إلى حال؛ القادر الذى لا يدركه العجز، والعالم الذى لا يلحقه الجهل؛ والجواد الذى لا ينزح، والعزيز الذى لا يخضع؛ والجبار الذى قامت السموات بأمره، ورجفت الجبال من خشيته.
والحمد لله الذى بعث محمدًا ﷺ بالدلائل الواضحة، والحجج القاطعة، والبراهين الساطعة؛ بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إليه بإذنه وسراجا منيرا؛ فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونهض بالحجة، ودعاء إلى الحق، وحض على الصدق؛ ﷺ.
ثم أما بعد حمد الله والثناء عليه، والصلاة على خير البشر ﷺ، فإنى لما رأيت العلم أنفس بضاعة، أيقنت أن طلبه أفضل تجارة؛ فاغتربت للرواية، ولزمت العلماء للدراية. ثم أعلمت نفسى في جمعه، وشغلت ذهنى بحفظه؛ حى حويت خطيره، وأحرزت رفيعه، ورويت جليله، وعرفت دقيقه؛ وعقلت شارده، ورويت نادره، وعلمت غامضه، ووعيت واضحه، ثم صنته بالكتمان عمن لا يعرف مقداره، ونزهته عن الإذاعة عند من يجهل مكانه؛ وجعلت غرضى أن أودعه من يستحقه، وأبديه لمن يعلم فضله، وأجلبه إلى من يعرف محله؛ وأنشره عند من يشرفه، وأقصد به من يعظمه؛ إذ بائع الجوهر وهو حجر يصونه بأجود صوان، ويودعه أفضل مكان؛ ويقصد به من يجزل ثمنه، ويحمله

1 / 1

إلى من يعرف قدره؛ على أنه لا يستحق بسببه أن يوصف بالفضل بائعه ولا مشتريه، ولا يستوجب أن يحمد من أجل المبالغة فى ثمنه مقتنيه، والعلم يذكر بالرجاحة طالبه، وينعت بالنباهة صاحبه ويستحق الحمد عند كل العقلاء حاويه، ويستوجب الثناء من جميع الفضلاء واعيه، ويفيد أسنى الشرف مشرفه ويكتسب أبقى الفخر معظمه فغبرت برهة ألتمس بنشره موضعا، ومكثت دهرا أطلب لإذاعته مكانا، وبقيت مدة أبتغى له مشرفا وأقمت زمنًا ارتدى له مشتريا، حتى تواترت الأنباء المتفقة وتتابعت الصفاة الملتئمة التى لا تخالجها الشكوك ولا تمازجها الظنون، بأنه مشرفه فى عصره، أفضل من ملك الورى، وأكرم من جاد البللهى، وأجود من تعمم وارتدى، وأمجد من ركب ومشى، وأسود من أمر ونهى، سمام العدى، فياض الندى، ماضى العزيمة، مهذب الخليقة، محكم الرأى صادق الوأى، باذل الأموال، محقق الآمال، مفشى المواهب، معطى الرغائب أمير المؤمنين، وحافظ المسلمين، وقامع المشركين، ودامغ المارقين، وابن عم خاتم النبيين، محمد ﷺ، (عبد الرحمن بن محمد) محيى المكارم، ومبتنى المفاخر، الذى إذا رضا غنى، وإذا غضب أردى، وإذا دعا أجاب، وإذا استصرخ أغاث. وأن معظمه مشتريه، وجامعه ومقتنيه، ربيع العفاة، وسم العداة، ذو الفضل والتمام، والعقل والكمال، المعطى قبل السؤال، والمنير قبل أن يستنال (الحكم) ولى عهد المسلمين، وابن سيد العالمين أمير المؤمنين (عبد الرحمن بن محمد) الإمام العادل، والخليفة الفاضل، الذى لم يرى فيما مضى من الأمراء شبهه، ولا نشأ فى الأزمنة من الكرماء مثله، ولا ولد نساء من الأجواد نظيره، ولا ملك العباد من الفضلاء عديله، فخرجت جائدًا بنفسى، باذلا لحشاشتى، أجوب متونا قفارى، وأخوض بحج البحار، وأركب الفلوات، وأقتحم الغمرات، مؤملا أن أوصل العلق النفيس إلى من يعرفه، وأنشر المتاع الخطير ببلد من يعظمه، وأشرف الشريف باسم من يشرفه، وأعرض الرفيع على من يشتريه، وأبذل الجليل لمن يجمعه ويغتنيه، فمن الله جل وعز بالسلامة، وحبا تعالى ذكره بالعافية، حتى حللت بعصرة الخواف، وعصمة المضافى، والمحل الممرع، والربيع المخصب، فناء أمير المؤمنين (عبد الرحمن بن محمد) المبارك الطلعة، ميمون الغرة، الجم الفواضل، الكثير النوافل، الغيث فى المحل، الثمال فى الأزل، البدر الطالع، الصبح الساطع، الضوء اللامع، أسراج الزاهر،

1 / 2

السحاب الماطر، الذى نصر الدين، وأعز المسلمين، وأذل المشركين، وقمع الطغاة، وأباة العصاة، وأطفىء نار النفاق، وأهمد جمر الشقاق، وذلل من الخلق من تجبر، وسهل من الأمر ما توعد، ولما الشعث، وأمن السبل، وحقن الدماء. أبقاه الله سالمًا فى جسمه، معافًا فى بدنه، مسرورًا بأيامه، مبتهجًا بزمانه، وخصه بطول المدة، وتتابع النعمة، وأبقى خلفته، وأدام عافيته، وتولى حفظه، ولا أزال عنا ظله. وصحبت الحيا المحسب والجواد المفضل، الذى إذا وعد وفى، وإذا أوعد عفا، وإذا وهب أسنع، وإذا أعطى أقنع، (الحكم) فرأيته - أيده الله - أجَّل الناس بعد أبيه خطره وأرفعه بقدره، وأوسعهم كنفا، وأفضلهم سلفا، وأغذرهم علما، وأعظمهم حلما، يملك غضبه فلا يعجل، ويعطى على العلاة فلا يمل، مع فهم ثاقب، ولب راجح، ولسان عضب، وقلب ندب، فتابعا لدى النعمة، وواترا على الإحسان، حتى أبديت ما كنت له كاتما، ونشرت ما كنت له طاويا، وبذلت ما كنت به ضنينا، ومذلت بما كنت عليه شحيحا، فأمللت هذا الكتاب من حفظا فى الأخمسة بقرطبة، وفى المسجد الجامع بالزهراء المباركة، وأودعته فنون من الأخبار، وضروبا من الأشعار
وأنواع من الأمثال، وغرائب من اللغات، على أنى لم أذكر فيه بابًا فى اللغة إلا أشبعته، ولا ضربًا من الشعر إلا اخترته، ولا فنًا من الخبر إلا انختلته ولا نوعًا من المعاناة والمثل إلا اسجبته، ثم لم أخله من غريب القرآن، وحديث الرسول ﷺ، على أننى أوردت فيه من الإبدال ما لم يورده أحد وفسرت فيه من الإتباع ما لم يفسره بشر، ليكون الكتاب الذى استنبطه إحسان الخليفة جامعا، والديوان الذى ذكر فيه اسم الإمام كاملا، وأسأل الله عصمة من الزيغ والأشر، وأعوذ به من العجب والبطر، وأستهديله السبيل الأرشد، والطريق الأقصد. من الأمثال، وغرائب من اللغات، على أنى لم أذكر فيه بابًا فى اللغة إلا أشبعته، ولا ضربًا من الشعر إلا اخترته، ولا فنًا من الخبر إلا انختلته ولا نوعًا من المعاناة والمثل إلا اسجبته، ثم لم أخله من غريب القرآن، وحديث الرسول ﷺ، على أننى أوردت فيه من الإبدال ما لم يورده أحد وفسرت فيه من الإتباع ما لم يفسره بشر، ليكون الكتاب الذى استنبطه إحسان الخليفة جامعا، والديوان الذى ذكر فيه اسم الإمام كاملا، وأسأل الله عصمة من الزيغ والأشر، وأعوذ به من العجب والبطر، وأستهديله السبيل الأرشد، والطريق الأقصد.

1 / 3

مطلب الكلام عَلَى مادة نسأ وقوله تعالى ﴿مَا نَنْسَخْ﴾ [البقرة: ١٠٦] الآية. ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ﴾ [التوبة: ٣٧] الآية
قَالَ أَبُو إِسْمَاعِيل بْن القاسم البغدادى: قرأ أَبُو عمرو بْن العلاء: ما ننسخ من آيةٍ أو ننسأها.
عَلَى معنى أو نؤخرها.
والعرب تَقُولُ: نسأ اللَّه فِي أجلك، وأنسأ اللَّه أجلك، أي أخر أجلك.
وقَالَ النَّبِيّ ﷺ: من سَرَّه النَّساء فِي الأجل، والسعة فِي الرزق، فليصل رحمه والنساء: التاخير، يُقَال: بعته بنساء وبنسيئة، أي بتأخير، وأنسأته البيع.
وقَالَ اللَّه ﷿: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧]، والمعنى فِيهِ عَلَى ما
حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، ﵀: أنهم كانوا إذا صدروا عَنْ منى قام رَجُل من بنى كنانة يُقَال لَهُ: نعيم بْن ثعلبة، فقَالَ: أَنَا الذى لا أعاب، ولا يرد لى قضاء، فيقولون لَهُ: أنسئنا شهرًا، أى أخر عنا حرمة المحرم فاجعلها فِي صفرٍ، وذلك أنهم كانوا يكرهون أن تتوالى عليهم ثلاثة أشهر لا تمكنهم الإغارة فيها، لأن معاشهم كَانَ من الإغارة، فيحل لهم المحرم ويحرم عليهم صفرا، فإذا كَانَ فِي السنة المقبلة حرم عليهم المحرم وأحل لهم صفرا، فقَالَ اللَّه ﷿: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧]، وقَالَ الشاعر:
ألسنا الناسئين عَلَى معد ... شهور الحل نجعلها حراما
وقَالَ الآخر:
وكنا الناسئين عَلَى معد ... شهورهم الحرام إِلَى الحليل
وقَالَ الآخر:
نسئوا الشهور بها وكانوا أهلها ... من قبلكم والعز لم يتحول
مطلب الكلام عَلَى مادة لحن وقوله تعالى ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠]
قَالَ أَبُو بَكْر الأنباري، ﵀: معنى قوله ﷿: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠] أى فِي معنى القول، وفى مذهب القول وأنشد للقتال الكلابى:
ولقد لحنت لكم لكيما تفهموا ... ووحيت وحيا لَيْسَ بالمرتاب

1 / 4

معناه: ولقد بينت لكم: واللحن بفتح الحاء: الفطنة، وربما أسكنوا الحاء فِي الفطنة، ورجل لحن، أى فطن، قَالَ لبيد يصف كاتبا:
متعود لحن يعيد بكفه ... قلما عَلَى عسب ذبلن وبان
وَمِنَ اللَّحْنِ الْحديث الَّذِي يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَيْهِ فِي مَوَارِيثَ وَأَشْيَاءَ قَدْ دَرَسَتْ، فقَالَ ﵇: لَعَلَّ أَحَدَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ الآخَرِ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الرَّجُلَيْنِ: يَا رَسُولَ اللهِ، حَقِّي هَذَا لِصَاحِبِي، فَقَالَ: لا وَلَكِنِ اذْهَبَا فَتَوَخَّيَا ثُمَّ اسْتَهِمَا ثُمَّ لِيُحَلِّلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا صَاحِبَهُ.
ومنه قول عمر بْن عَبْد العزيز ﵀: عجبت لمن لاحن الناس كيف لا يعرف جوامع الكلم! أى فاطنهم.
وحَدَّثَنِي أَبُو بَكْر، عَنْ أبى الْعَبَّاس، عَنِ ابن الأعرابى، قَالَ: يُقَال: قد لحن الرجل يلحن لحنًا فهو لاحِن إذا أخطأ، ولحن يلحن لحنا فهو لحن، إذا أصاب وفطن، وأنشد
وحديث ألذه هُوَ مما تشتهيه ... النفوس يوزن وزنا
منطق صائب وتلحن أحيانا ... وخير الحديث ما كَانَ لحنا
معناه: وتصيب أحيانا
وَحَدَّثَنِي أَيْضًا، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الأَصْمَعِيُّ، عَنْ عِيسَى بْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ مُعَاوِيَةُ لِلنَّاسِ: كَيْفَ ابْنُ زِيَادٍ فِيكُمْ "؟ قَالُوا: ظَرِيفٌ عَلَى أَنَّهُ يَلْحَنُ، قَالَ: " فَذَاكَ أَظْرَفُ لَهُ، ذَهَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى اللَّحْنِ الَّذِي هُوَ الْفِطْنَةُ، وَذَهَبُوا هُمْ إِلَى اللَّحْنِ الَّذِي هُوَ الْخَطَأُ واللحن أيضًا: اللغة، ذكره الأصمعى، وأَبُو زيد؛ ومنه قول عُمَر بْن الْخَطّاب رضى اللَّه تعالى عَنْهُ: تعلموا الفرائض والسنن واللحن كما تعلمون القرآن.
فاللحن: اللغة وروى شريك عَنْ أبى إِسْحَاق عَنْ ميسرة أنّهُ قَالَ فِي قوله ﷿: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ [سبأ: ١٦]: العرم: المسناة بلحن اليمن، أى بلغة اليمن، وقَالَ الشاعر
وما هاج هذا الشوق إلا حمامة ... تغنت عَلَى خضراء سمر قيودها
صدوح الضحى معروفة اللحن لم تزل ... تقود الهوى من مسعد ويقودها

1 / 5

وقَالَ الآخر:
لقد تركت فؤادك مستجنا ... مطوقة عَلَى فننٍ تغنى
يميل بها وتركبه بلحن ... إذا ما عَنَّ للمحزون أَنَّا
فلا يحزنك أيام تولى ... تذكرها ولا طير أرنا
وقَالَ الآخر:
وهاتفين بشجوٍ بعد ما سجعت ... ورق الحمام بترجيع وإرنان
باتا عَلَى غصن بان فِي ذرى فننٍ ... يرددان لحونا ذات ألوان
معناه: يرددان لغاتٍ، وصرف أَبُو زيد منه فعلا فقَالَ: لحن الرجل يلحن لحنا إذا تكلم بلغته، قَالَ: ويقَالَ: لحنت لَهُ لحنًا إذا قلت لَهُ قولا يفهمه عنك ويخفى عَلَى غيره، ولحنه عنى لحنا، أي فهمه، وألحنته أَنَا إياه إلحانا، وهذا مذهب أبى بَكْر بْن دريد فِي تفسير قول الشاعر:
منطق صائب وتلحن أحيانا
قَالَ: يريد: تعوص فِي حديثها فتزيله عَنْ جهينة لئلا يفهمه الحاضرون، ثم قَالَ. . . وخير الحديث ما كَانَ لحنا أي خير الحديث ما فهمه صاحبك الذى تحب إفهامه وحده، وخفى عَلَى غيره.
قَالَ: وأصل اللحن أن تريد الشىء فتورى عَنْهُ بقول آخر، كقول رَجُل من بنى العنبر كَانَ أسيرا فِي بَكْر بْن وائل، فسألهم رسولا إِلَى قومه، فقالوا لَهُ: لا ترسل إلا بحضرتنا، لأنهم كانوا أزمعوا غزو قومه فخافوا أن ينذر عليهم، فجىء بعبد أسود فقَالَ لَهُ: أتعقل؟ قَالَ: نعم إنى لعاقل، قَالَ: ما أراك عاقلًا؛ ثم قَالَ: ما هذا؟ وأشار بيده إِلَى الليل، فقَالَ: هذا الليل، فقَالَ: أراك عاقلًا، ثم ملأ كفيه من الرمل فقَالَ: كم هذا؟ فقَالَ: لا أدرى وإنه لكثير، فقَالَ: أيهما أكثر، النجوم أو النيران؟ فقَالَ: كل كثير، فقَالَ: أبلغ قومى التحية وقل لهم: ليكرموا فلانا يعنى أسيرا كَانَ فِي أيديهم من بَكْر بْن وائل، فإن قومه لى مكرمون، وقل لهم: إن العرفج قد أدبى وقد شكت النساء، وأمرهم أن يعروا ناقتى الحمراء فقد أطالوا ركوبها، وأن يركبوا جملى الأصهب بآية ما أكلت معكم حيسا؛ واسألوا الحارث عَنْ خبرى.
فلما أدى العبد الرسالة إليهم قَالُوا: لقد جن الأعور، والله ما نعرف لَهُ

1 / 6

ناقة حمراء، ولا جملا أصهب؛ ثم سرحوا العبد ودعوا الحارث فقصوا عليه القصة، فقَالَ: قد أنذركم.
أما قوله: قد أدبى العرفج: فإنه يريد أن الرجال قد استلأموا، أى لبسوا الدروع.
وقوله: شكت النساء، أى اتخذن الشكاء للسفر.
وقوله: ناقتى الحمراء: أى ارتحلوا عَنِ الدهناء واركبوا الصمان وهو الجمل الأصهب.
وقوله: بآية ما أكلت معكم حيسًا: يريد اخلاطا من الناس قد غزوكم، لأن الحيس يجمع التمر والسمن والأقط.
فامتثلوا ما قَالَ وعرفوا فحوى كلامه.
وأخذ هذا المعنى أيضًا رَجُل من بْني تميمٍ كَانَ أسيرا فكتب إِلَى قومه:
حلو عَنِ الناقة الحمراء أرحلكم ... والبازل الأصهب المعقول فاصطنعوا
إن الذئاب قد اخضرت براثنها ... والناس كلهم بَكْر إذا شبعوا
يريد أن الناس كلهم إذا أخصبوا عدو لكم كبكر بْن وائل.
ومعنى صائب، عَلَى مذهب أبى الْعَبَّاس فِي البيت: قاصد، كما قَالَ
جميل وما صائب من نابلٍ قذفت بِهِ ... يد وممر العقدتين وثيق
فيكون معنى قوله: منطق صائب، أى قاصد للصواب وإن لم يصب؛ وتلحن أحيانا، أى تصيب وتفطن؛ ثم قَالَ: وخير الحديث ما كَانَ لحنًا أى إصابة وفطنة
مطلب الكلام عَلَى مادة حرد ومعنى قوله تعالى: ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ [القلم: ٢٥]
ومعنى قوله جل وعز: ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ [القلم: ٢٥] أى عَلَى قصد، قَالَ الجُميح:
أما إذا حردت حردى فمجرية ... ضبطاء تسكن غيلًا غير مقروب
أى قصدت قصدى.
وقَالَ الآخر:
أقبل سيل جاء من أمر اللَّه ... يحرد حرد الجنة المغله
أى يقصد قصدها.
وقَالَ أَبُو عبيدة: معنى قوله: ﴿عَلَى حَرْدٍ﴾ [القلم: ٢٥] أى عَلَى غضب وحقد.
وأجاز ما ذكرناه.
قَالَ: ويجوز أن يكون ﴿عَلَى حَرْدٍ﴾ [القلم: ٢٥] معناه عَلَى منع، واحتج بقول العباس بْن مرداس السلمى:
وحارب فإن مولاك حارد نصره ... ففى السيف مولى نصره لا يحارد

1 / 7

وحارد عندى فِي هذا البيت بمعنى قلَّ، يُقَال: حاردت الإبل إذا قلت ألبانها، قَالَ الكميت:
وحاردت النكد الجلاد ولم يكن ... لعقبة قدر المستعرين معقب
ويقَالَ حرد الرجل حردا بفتح الراء؛ ومن العرب من يَقُولُ: حرد الرجل حردا بتسكين الراء إذا غضب، وأنشد أَبُو عبيدة للأشهب بْن رميلة
اسود شرى لاقت أسود خفيةٍ ... تساقوا عَلَى حرد دماء الأساود
مطلب تفسير الغريب من حديث السحابة
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ دُرَيْدٍ، ﵀، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَفْصٍ سَمْعَانُ النَّحْوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ الضَّرِيرُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ حَبِيبِ بْنِ الْمُهَلَّبِ، عَنْ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّمِيمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ جَالِسٌ مَعَ أَصْحَابِهِ إِذْ نَشَأَتْ سَحَابَةٌ، فَقَالُوا: يا رَسُولَ اللهِ، هَذِهِ سَحَابَةٌ، فَقَالَ: «كَيْفَ تَرَوْنَ قَوَاعِدَهَا؟» .
قَالُوا: مَا أَحْسَنَهَا وَأَشَدَّ تَمَكُّنَهَا! قَالَ: «وَكَيْفَ تَرَوْنَ رَحَاهَا؟» .
قَالُوا: مَا أَحْسَنَهَا وَأَشَدَّ اسْتِدَارَتَهَا! قَالَ: «وَكَيْفَ تَرَوْنَ بَوَاسِقَهَا؟» .
قَالُوا: مَا أَحْسَنَهَا وَأَشَدَّ اسْتِقَامَتِهَا! قَالَ: «وَكَيْفَ تَرَوْنَ بَرْقَهَا أَوَمِيضًا أَمْ خَفِيًّا أَمْ يَشُقُّ شَقًّا؟» .
قَالُوا: بَلْ يَشُقُّ شَقًّا، قَالَ: «فَكَيْفَ تَرَوْنَ جَوْنَهَا؟» .
قَالُوا: مَا أَحْسَنَهُ وَأَشَدَّ سَوَادَهُ! فقَالَ ﵇: «الْحَيَا» فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا رَأَيْنَا الَّذِي هُوَ مِنْكَ أَفْصَحُ، قَالَ: «وَمَا يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّمَا أُنْزِلَ الْقُرْآنُ بِلِسَانِي لِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ» قواعدها، أسافلها: واحدتها قاعدة، فأما القواعد من النساء فواحدتها قاعد، وهى التى قعدت عَنِ الولد وذهب حرم الصلاة عَنْهَا.
ورحاها: وسطها ومعظمها، وكذلك رحى الحرب: وسطها ومعظمها حيث استدار القوم، قَالَ الشاعر:
فدارت رحانا بفرسانهم ... فعادوا كَانَ لم يكونوا رميما
وبواسقها: ما علا منها وارتفع، واحدتها باسقة، وكل شيء ارتفع وطال فقد بسق، يُقَال: قد بسقت النخلة، قَالَ اللَّه ﷿: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ [ق: ١٠] وكذلك بسق النبت، فكثر فِي كلامهم

1 / 8

حتى قَالُوا: بسق فلان عَلَى قومه، أى علاهم فِي الشرف والكرم.
والوميض: اللمع الخفى، قَالَ امرؤ القيس:
أعنى عَلَى برقٍ أراه وميض ... يضىء حبيا فِي شمارخ بيض
ويقَالَ: أومض البرق يومض إيماضًا إذا لمع لمعا خفيًا، وأومض بعينه إذا غمز بعينيه.
والخفى.
البرق الضعيف، قَالَ أَبُو عمرو: خفى البرق يخفى خفيًا إذا برق برقا ضعيفًا؛ وقَالَ الكسائى: خفا يخفو خفوا.
وجونها: أسودها، والجون: من الأضداد، يكون الأسود ويكون الأبيض، قَالَ الأصمعى: وأتى الحجاج بدرع وكانت صافية بيضاء، فجعل لا يرى صفاءها، فقَالَ لَهُ رَجُل وكان فصيحا، قَالَ أَبُو عمرو: وهو أنيس الجرميُّ إن الشمس جونة، يعنى: شديدة البريق والصفاء، فقد غلب صفاؤها بياض الدرع، وأنشد:
يبادر الآثار أن تئوبا ... وحاجب الجونة أن يغيبا
وأنشد أَبُو عبيدة:
غير يا بِنْت الحليس لونى ... طول الليالى واختلاف الجون
وسفر كَانَ قليل الأون
أي الفتور وقَالَ الفرزدق يصف قصرًا أبيض:
وجون عَلَيْهِ الجص فِيهِ مريضة ... تطلع منها النفس والموت حاضره
والحيا مقصور: الغيث والخصب، وجمعه أحياء، قَالَ الأخطل:
ربيع حيا ما يستقل بحمله ... سوم ولا مستنكش البحر ناضبه
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، ﵀،
إنا ملوك حيا للتابعين لنا ... مثل الربيع إذا ما نبته نضرا
مبحث الكلام عَلَى غريب حديث أحرم ما بين لابتي المدينة
وَقُرِئَ
عَلَى أَبِي بَكْرٍ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ الْبُهْلُولِ الأَزْرَقِ، فِي مَسْجِدِ الرُّصَافَةِ وَأَنَا أَسْمَعُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لابَتَيِ الْمَدِينَةِ أَنْ يُقْطَعَ عِضَاهُهَا أَوْ يُقْتَلَ صَيْدُهَا»، وَقَالَ: «الْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، لا يَخْرُجُ مِنْهَا أَحَدٌ رَغْبَةً عَنْهَا إِلا أَبْدَلَ اللَّهُ

1 / 9

فِيهَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ، وَلا يَصْبِرُ أَحَدٌ عَلَى لأْوَائِهَا وَجَهْدِهَا إِلا كُنْتُ شَهِيدًا، أَوْ شَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» هكذا سَمِعْتُ بلا لَهُ اللابة واللوبة: الحرة، فمن قَالَ لابة، قَالَ فِي جمعها: لاب، ومن قَالَ: لوبة، قَالَ فِي الجمع: لوب، قَالَ سلامة بْن جندل:
حتى تركنا وما تثنى ظعائننا ... يأخذن بين سواد الخط فاللوب
والعضاه: كل شجر لَهُ شوك يعظم، ومن أعرف ذَلِكَ: الطلح والسلم والسيال والعرفط والسمر والشبهان والكنهبل، والواحدة عضة، قَالَ الراعي:
وخادع المجد أقوام لهم ورق ... راح العضاه بِهِ والعرق مدخول
واللاواء: الشدة، قَالَ رؤبة:
لاواءها والأزل والمظاظا
الأزل: الضيق.
والمظاظ: المشارة، يُقَال: ماظظت فلانا مماظة ومظاظا.
مبحث الكلام عَلَى غريب ألم أخبر أنك تقوم الليل إلخ
قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: وَقُرِئَ عَلَى الأَزْرَقِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مَطَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَقُومُ اللَّيْلَ وَتَصُومُ النَّهَارَ» .
فَقُلْتُ: إِنِّي أَفْعَلُ ذَلِكَ، فَقَالَ: «إِنَّكَ إِنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ هَجَمَتْ عَيْنَاكَ، وَنَفِهَتْ نَفْسُكَ، إِنَّ لِعَيْنِكَ حَقًّا، وَلأَهْلِكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ حَقًّا، فَقُمْ وَنَمْ، وَصُمْ وَأَفْطِرْ» قال أبو على: قَالَ أَبُو عمرو الشيبانى: هجمت عينه، وخوصت، وقدحت ونقنقت عينه نقنقة: كل ذَلِكَ إذا غارت.
وقَالَ الأصمعى: حجلت عينه وهجمت: كلاهما غارت.
وجاء حاجلةً عينه، وأنشد:
وأهلك مهر أبيك الدواء ... لَيْسَ لَهُ من طعام نصيب
فتصبح حاجلةً عينه ... لحنو استه وصلاه غيوب

1 / 10