الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية
الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية
প্রকাশক
دار القلم
সংস্করণ
الأولى
প্রকাশনার বছর
١٤٣٨ هـ - ٢٠١٧ م
প্রকাশনার স্থান
بيروت - لبنان
অঞ্চলগুলি
ইরাক
أما الكتاب: فهذه الآية، ووجه التمسك بها أن اليهود كانوا يقولون ذلك وهي سب بلغتهم، فلما علم الله ذلك منهم منع من إطلاق ذلك اللفظ، لأنه ذريعة للسب، وقوله تعالى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨] فمنع من سب آلهتهم مخافة مقابلتهم بمثل ذلك، وقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ [الأعراف: ١٦٣] الآية، فحرم عليهم ﵎ الصيد في يوم السبت، فكانت الحيتان تأتيهم يوم السبت شرعا، أي ظاهرة، فسدوا عليها يوم السبت وأخذوها يوم الأحد، وكان السد ذريعة للاصطياد، فمسخهم الله قردة وخنازير، وذكر الله لنا ذلك معنى التحذير عن ذلك، وقوله تعالى لآدم وحواء: ﴿وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة: ٣٥] وقد تقدم.
وأما السنة: فأحاديث كثيرة ثابتة صحيحة، منها حديث عائشة ﵂ أن أم حبيبة وأم سلمة ﵅ ذكرتا كنيسة رأياها بالحبشة فيها تصاوير [فذكرتا ذلك] لرسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: "إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله" (١). قال علماؤنا: ففعل ذلك أوائلهم ليتأنسوا برؤية تلك الصور ويتذكروا أحوالهم الصالحة فيجتهدون كاجتهادهم ويعبدون الله ﷿ عند قبورهم، فمضت لهم بذلك أزمان، ثم أنهم خلف من بعدهم خلوف جهلوا أغراضهم، ووسوس لهم الشيطان أن آباءكم وأجدادكم كانوا يعبدون هذه الصورة فعبدوها، فحذر النبي ﷺ عن مثل ذلك، وشدد النكير والوعيد على من فعل ذلك، وسد الذرائع المؤدية إلى ذلك فقال: "اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد" (٢) وقال: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد" (٣).
(١) صحيح البخاري: كتاب الصلاة/ باب كيف فرضت الصلاة في الإسراء: (٤١٧). فتح الباري: ١/ ٦٢٤.
(٢) رواه مالك في الموطأ (١/ ١٧٢) ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر، ٢٤ - باب جامع الصلاة، حديث (٨٥) عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار مرسلا. وعبد الرزاق في المصنف (١/ ٤٠٦، باب الصلاة على القبور برقم (١٥٨٧) عن معمر عن زيد بن أسلم. وابن سعد في الطبقات (٢/ ٢٤١). وابن أبي شيبة (٣/ ٣٤٥) من طريق ابن عجلان عن زيد بن أسلم؛ فهو معضل عند هؤلاء، لكنه قد جاء موصولًا عن أبي هريرة ﵁ فقد أخرجه أحمد (٢/ ٢٤٦). وأبونعيم في الحلية (٧/ ٣١٧). والحميدي (٢/ ٤٤٥)، حديث (١٠٢٤). كلهم من طريق سفيان بن عيينة.
قال: حدثنا حمزة بن المغيرة الكوفي عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا، وهذا إسناد حسن.
حمزة بن المغيرة قال الحميدي في شأنه: وكان من سراة الموالي، ولعله من قول سفيان. وقال أبوالنضر: كان رجل الكوفة. وقال ابن معين: ليس به بأس.
وذكره ابن حبان في الثقات، تهذيب الكمال (١/ ٣٣٤).
ورواه أبونعيم في الحلية (٦/ ٢٨٣) من طريق عبد الله بن هشام الدستوائي حدثني أبي ثنا يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة.
ورواه البزار كما في كشف الأستار (١/ ٢٢٠) من طريق عمر بن صهبان - وهو ضعيف - عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد، وذكر ابن عبد البر في التمهيد (٥/ ٤٢) أن البزار رواه من طريق عمر بن محمد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ثم صحح الحديث من طريق أبي سعيد روي بإسناد إلى البزار، وساق إسناد البزار إلا أنه قال: عمر بن محمد بدل عمر بن صهبان فينظر. وعلى كل حال فالحديث صحيح، انظر: الزرقاني (١/ ٣٨٥).
(٣) هذا الحديث يرويه الإمام مالك في " الموطأ " رقم: (٥٩٣)، طبعة مؤسسة زايد آل نهيان، ورقم (٤١٤)، طبعة دار إحياء التراث تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، في أوائل باب " جامع الصلاة "، عن عطاء بن يسار أن النبي ﷺ قال: "اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ ".
وعطاء بن يسار ليس من الصحابة، بل من التابعين، فحديثه مرسل، ولكن ورد الحديث مسندا من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "اللهم لا تجعل قبري وثنا، لعن الله قوما اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، هكذا من دون كلمة (يعبد).
ورواه الإمام أحمد في " المسند " (١٢/ ٣١٤) طبعة مؤسسة الرسالة، وقال المحققون: إسناده قوي. وصححه الشيخ الألباني في كتاب " تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد " (ص/٢٤) وإن كان قال الحافظ ابن رجب في " فتح الباري " (٢/ ٤٤١) عن حديث أبي هريرة: " بإسناد فيه نظر ".
يدل هذا الحديث على حرمة بناء المساجد على القبور، وحرمة قصد الصلاة إلى قبر النبي ﷺ، وحرمة كل الأفعال التي كان يفعلها الكفار عند أوثانهم من ذبح ونذر واتخاذ سرج ونحو ذلك.
يقول ابن عبد البر ﵀: " الوثن: الصنم، وهو الصورة من ذهب كان أو من فضة، أو غير ذلك من التمثال، وكل ما يعبد من دون الله فهو وثن، صنما كان أو غير صنم؛ وكانت العرب تصلي إلى الأصنام وتعبدها، فخشي رسول الله ﷺ على أمته أن تصنع كما صنع بعض من مضى من الأمم: كانوا إذا مات لهم نبي عكفوا حول قبره كما يصنع بالصنم، فقال ﷺ: اللهم لا تجعل قبري وثنا يصلى إليه، ويسجد نحوه ويعبد فقد اشتد غضب الله على من فعل ذلك، وكان رسول الله ﷺ يحذر أصحابه وسائر أمته من سوء صنيع الأمم قبله، الذين صلوا إلى قبور أنبيائهم، واتخذوها قبلة ومسجدا، كما صنعت الوثنية بالأوثان التي كانوا يسجدون إليها ويعظمونها، وذلك الشرك الأكبر، فكان النبي ﷺ يخبرهم بما في ذلك من سخط الله وغضبه، وأنه مما لا يرضاه خشية عليهم من امتثال طرقهم " انتهى. "التمهيد " (٥/ ٤٥).
ويقول أيضا: " وليس فيه حكم أكثر من التحذير أن يُصلَّى إلى قبره، وأن يتخذ مسجدا، وفي ذلك أمر بأن لا يعبد إلا الله وحده، وإذا صنع من ذلك في قبره، فسائر آثاره أحرى بذلك، وقد كره مالك وغيره من أهل العلم طلب موضع الشجرة التي بويع تحتها بيعة الرضوان، وذلك والله أعلم مخالفة لما سلكه اليهود والنصارى في مثل ذلك " انتهى. الاستذكار " (٢/ ٣٦٠).
وقد نقل هذا الكلام الحافظ ابن رجب ﵀، وأكده، ثم قال: " وقد اتفق أئمة الإسلام على هذا المعنى: قال الشافعي ﵀: وأكره أن يعظم مخلوق حتى يتخذ قبره مسجدا، خشية الفتنة عليه وعلى من بعده.
وقال صاحب " التنبيه " من أصحابه: أما الصلاة عند رأس قبر رسول الله متوجها إليه فحرام.
قال القرطبي: بالغ المسلمون في سد الذريعة في قبر النبي ﷺ، فأعلوا حيطان تربته، وسدوا الداخل إليها، وجعلوها محدقة بقبره، ثم خافوا أن يتخذ موضع قبره قبلة إذ كان مستقبل المصلين، فتتصور إليه الصلاة بصورة العبادة، فبنوا جدارين من ركني القبر الشماليين، وحرفوهما حتى التقيا على زاوية مثلث من ناحية الشمال، حتى لا يتمكن أحد من استقبال قبره. ولهذا المعنى قالت عائشة: " ولولا ذلك لأبرز قبره"" انتهى." فتح الباري " لابن رجب (٢/ ٤٤٢ - ٤٤٣).
وقد ذكر القاضي عياض ﵀ أن هذا الحديث كان دليل الإمام مالك ﵀ على كراهة أن يقول المسلم: زرت قبر النبي ﷺ. خشية أن يكون هذا الكلام من اتخاذ القبر وثنا يعبد.
يقول القاضي عياض ﵀: " الأَوْلى عندي أن منعَه وكراهة مالك له – قول: زرت قبر النبي ﷺ لإضافته إلى قبر النبي ﷺ، وأنه لو قال: زرنا النبي ﷺ لم يكرهه، لقوله ﷺ: (اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد بعدى، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) " انتهى." الشفا " (٢/ ٨٤).
وفي " البيان والتحصيل " لابن رشد (١٨/ ٤٤٤ - ٤٤٥): " سئل مالك رحمه الله تعالى عن الغريب يأتي قبر النبي كل يوم، فقال: ما هذا من الأمر، وذكر حديث: "اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد "،
قال ابن رشد: فيُكره أن يُكثر المرور به، والسلام عليه، والإتيان كل يوم إليه لئلا يُجعل القبر بفعله ذلك كالمسجد الذي يؤتى كل يوم للصلاة فيه، وقد نهى رسول الله ﷺ عن ذلك بقوله: "اللهم لا تجعل قبري وثنًا "" انتهى.
وسئل القاضي عياض عن أناس من أهل المدينة يقفون على القبر في اليوم مرة أو أكثر، ويسلمون ويدعون ساعة، فقال: " لم يبلغني هذا عن أحد من أهل الفقه، ولا يُصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولَها، ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك " انتهى." الشفا بتعريف حقوق المصطفى " (٢/ ٦٧٦).
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " اتفق أئمة الدين على أنه لا يشرع بناء المساجد على القبور، ولا أن تعلق عليها الستور، ولا أن ينذر لها النذور، ولا أن يوضع عندها الذهب والفضة، بل حكم هذه الأموال أن تصرف في مصالح المسلمين إذا لم يكن لها مستحق معين، ويجب هدم كل مسجد بني على قبر كائنًا من كان الميت، فإن ذلك من أكبر أسباب عبادة الأوثان " انتهى. مجموعة الرسائل والمسائل: (١/ ٥٤).
ويقول أبو الوليد الباجي ﵀: " دعاؤه ﷺ أن لا يجعل قبره وثنا يعبد تواضعا والتزاما للعبودية لله تعالى، وإقرارا بالعبادة، وكراهية أن يشركه أحد في عبادته، وقد روى أشهب عن مالك أنه لذلك كره أن يدفن في المسجد، وهذا وجه يحتمل أنه إذا دفن في المسجد كان ذريعة إلى أن يتخذ مسجدا، فربما صار مما يعبد " انتهى. " المنتقى شرح الموطأ " (١/ ٣٠٦). والله تعالى أعلم.
3 / 84