الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية
الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية
প্রকাশক
دار القلم
সংস্করণ
الأولى
প্রকাশনার বছর
١٤٣٨ هـ - ٢٠١٧ م
প্রকাশনার স্থান
بيروت - لبنان
অঞ্চলগুলি
ইরাক
أحدهما: أنها البرد الهابط من السَّحاب، وهذا قول تفرد به بعض المتكلمين.
والثاني: وهو قول جمهور المفسرين: أنها حجارة الجبال الصلدة، لأنها أشد صلابة.
واختلف أهل التفسير في معنى هبوط ما هبط من الحجارة من خشية الله، على وجوه (١):
الأول: إن هبوط ما هبط منها من خشية الله تفيؤ ظلاله، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨].
والثاني: إنه الجبل الذي صار دكا حين تجلى له ربه. كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣].
والثالث: أن الله جل ذكره أعطى بعض الحجارة المعرفة والفهم، فعقل طاعة الله فأطاعه، كالذي روي عن النبي ﷺ أنه قال: " إن حجرا كان يسلم علي في الجاهلية إني لأعرفه الآن " (٢).
والرابع: وقيل: أن قوله: ﴿يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ كقوله: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ ولا إرادة له. قالوا وإنما أريد بذلك أنه من عظم أمر الله، يرى كأنه هابط خاشع من ذل خشية الله، كما قال زيد الخيل (٣):
بجمع تضل البلق في حَجَراته ... ترى الأكْمَ منه سجدا للحوافر
وكما قال سويد بن أبي كاهل يصف عدوا له (٤):
ساجد المنخر لا يرفعه ... خاشع الطرف أصم المستمع
يريد أنه ذليل.
وكما قال جرير بن عطية (٥):
لما أتى خبر الرسول تضعضعت ... سور المدينة والجبال الخشع
أي: من رأى الحجر هابطا تخيل فيه الخشية.
قال ابن عطية: " وهذا قول ضعيف: لأن براعة معنى الآية تختل به، بل القوي أن الله تعالى يخلق للحجارة قدرا ما من الإدراك تقع به الخشية والحركة" (٦).
(١) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٢٤١ - ٢٤٣.
(٢) روى مسلم في صحيحه ٢: ٢٠٣ - ٢٠٤، عن جابر بن سمرة قال: " قال رسول الله ﷺ: إني لأعرف حجرا بمكة، كان يسلم عليّ قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن ". وذكره ابن كثير في التاريخ ٦: ١٣٤، من مسند أحمد، ثم نسبه لصحيح مسلم، ومسند الطيالسي.
(٣) انظر: الكامل ١: ٢٥٨، والمعاني الكبير: ٨٩٠، والأضداد لابن الأنباري: ٢٥٦، وحماسة ابن الشجري: ١٩، ومجموعة المعاني: ١٩٢، وغيرها. والباء في قوله " بجمع " متعلقة ببيت سالف هو: بَنِي عَامِرٍ، هَلْ تَعْرِفُونَ إِذَا غَدَا ... أَبُو مِكْنَفٍ قَدْ شَدَّ عَقْدَ الدَّوَابِرِ؟
والبلق جمع أبلق وبلقاء: الفرس يرتفع تحجيلها إلى الفخذين. والحجرات جمع حجرة (بفتح فسكون): الناحية. والأكم (بضم فسكون، وأصلها بضمتين) جمع إكام، جمع أكمة: وهي تل يكون أشد ارتفاعا مما حوله، دون الجبل، غليظ فيه حجارة. قال ابن قتيبة في المعاني الكبير: " يقول: إذا ضلت البلق فيه مع شهرتها فلم تعرف، فغيرها أحرى أن يضل. يصف كثرة الجيش، ويريد أن الأكم قد خشعت من وقع الحوافر ". وفي المطبوعة هنا " فيه " والجيد ما أثبته، والضمير في " منه " للجيش أو الجمع.
(٤) المفضليات: ٤٠٧، والأضداد لابن الأنباري: ٢٥٧. من قصيدته المحكمة. و" ساجد " منصوب إذ قبله، في ذكر عدوه هذا: ثم ولى وهو لا يحمى استه ... طائر الإتراف عنه قد وقع
وفي الأصل المطبوع: " إذ يرفعه "، وهو خلل في الكلام. وأثبت ما في المفضليات، ورواية ابن الأنباري: " ما يرفعه ". . يقول أذله فطأطأ رأسه خزيا، وألزم الأرض بصره، وصار كأنه أصم لا يسمع ما يقال له، فهو لا حراك به، مات وهو حي قائم، لا يحير جوابا. ولذلك قال بعده: فر مني هاربا شيطانه ... حيث لا يعطى، ولا شيئا منع
(٥) ديوان جرير: ٣٤٥، والنقائض: ٩٦٩، وطبقات ابن سعد: ٣/ ١/ ٧٩، وسيبويه ١: ٢٥، والأضداد لابن الأنباري: ٢٥٨، والخزانة ٢: ١٦٦. استشهد به سيبويه على أن تاء التأنيث جاءت للفعل، لما أضاف " سور " إلى مؤنث وهو " المدينة "، وهو بعض منها. قال سيبويه: " وربما قالوا في بعض الكلام: " ذهبت بعض أصابعه "، وإنما أنث البعض، لأنه أضافه إلى مؤنث هو منه، ولو لم يكن منه لم يؤنثه. لأنه لو قال: " ذهبت عبد أمك " لم يحسن. (١: ٢٥).
وهذا البيت يعير به الفرزدق بالغدر ويهجوه، فإن الزبير بن العوام ﵁ حين انصرف يوم الجمل، عرض له رجل من بني مجاشع رهط الفرزدق، فرماه فقتله غيلة. ووصف الجبال بأنها " خشع ". يريد عند موته، خشعت وطأطأت من هول المصيبة في حواري رسول الله ﷺ، ومن قبح ما لقي من غدر بني مجاشع.
(٦) المحرر الوجيز: ١/! ٦٧.
2 / 399