والشرف، ويحطه إلى معنًى دونه بمراتبَ كثيرةٍ. وهو شبيه بعزلِ سلطانٍ عن مُلكه، وتوليته مرتبةً دون المُلك بكثيرٍ. مثالُه تأويل الجهمية قولَه: ﴿وَهْوَ اَلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٩] وقولَه: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠] ونظائره بأنها فوقية الشرف، كقولهم: الدرهم فوق الفَلْس، والدينار فوق الدرهم. فتأمَّلْ تعطيلَ المتأوِّلين حقيقةَ الفوقية المطلقة التي هي من خصائص الربوبية، وهي المستلزِمة لعظمة الربِّ ﷻ، وحطَّها إلى كَوْن قَدْره فوق قَدْر بني آدم، وأنه أشرفُ منهم.
وكذلك تأويلهم علوَّه بهذا المعنى، وأنه كعلوِّ الذهب على الفضة. وكذلك تأويلهم استواءَه على عرشه بقدرته عليه، وأنه غالب له. فيالله العجب هل ضلَّت العقول، وتاهت الأحلام (^١)، وشكَّت العقلاءُ في كونه سبحانه غالبًا لعرشه قادرًا عليه، حتى يُخبِرَ به سبحانه في سبعة مواضعَ من كتابه مطردةٍ بلفظٍ واحدٍ، ليس فيها موضعٌ واحدٌ يُراد به المعنى الذي أبداه المتأوِّلون، وهذا التمدُّح والتعظيم كله لأجل أن يُعرِّفنا أنه قد غلب عرشَه وقدَرَ عليه، وكان ذلك بعد خلق السماوات والأرض! أفترى أنه (^٢) لم يكن سبحانه غالبًا للعرش قادرًا عليه في مدة تزيد على خمسين ألف سنةٍ، ثم تَجدَّدَ له ذلك بعد خَلْقِ هذا العالَم؟!
العاشر: تأويلُ اللفظ بمعنًى لم يدل عليه دليلٌ من السياق ولا معه قرينة تقتضيه، فإن هذا لا يقصده المبيِّنُ الهادي بكلامه، إذ لو قصدَه لحفَّ بالكلام قرائنَ تدل على المعنى المخالِف لظاهره؛ حتى لا يُوقِعَ السامعَ في اللبس
(^١) «ح»: «الأحكام». وهو تصحيف.
(^٢) «أنه» من «ب».
1 / 40
الفصل الأول: في معرفة حقيقة التأويل ومسماه لغة واصطلاحا
الفصل الثالث: في أن التأويل إخبار عن مراد المتكلم لا إنشاء
الفصل الخامس: في الفرق بين تأويل التحريف وتأويل التفسير وأن الأول ممتنع وقوعه في الخبر والطلب والثاني يقع فيهما
الفصل السادس: في تعجيز المتأولين عن تحقيق الفرق بين ما يسوغ تأويله من آيات الصفات وأحاديثها وما لا يسوغ
الفصل السابع: في إلزامهم في المعنى الذي جعلوه تأويلا نظير ما فروا منه
الفصل الثامن: في بيان خطئهم في فهمهم من النصوص المعاني الباطلة التي تأولوها لأجلها فجمعوا بين التشبيه والتعطيل
الفصل الثاني عشر: في بيان أنه مع كمال علم المتكلم وفصاحته وبيانه ونصحه يمتنع عليه أن يريد بكلامه خلاف ظاهره وحقيقته وعدم البيان في أهم الأمور وما تشتد الحاجة إلى بيانه
الفصل الثالث عشر: في بيان أن تيسير القرآن للذكر ينافي حمله على التأويل المخالف لحقيقته وظاهره
الفصل الرابع عشر: في أن التأويل يعود على المقصود من وضع اللغات بالإبطال
الفصل السادس عشر: في بيان ما يقبل التأويل من الكلام وما لا يقبله