الرد على التعقيب الحثيث للشيخ عبد الله الحبشي

الرد على التعقيب الحثيث للشيخ عبد الله الحبشي

প্রকাশক

مطبعة الترقي

প্রকাশনার স্থান

دمشق - سوريا

الرد على
التعقيب الحثيث
للشيخ عبد الله الحبشي
وهو مجموع مقالات نشرت تباعًا في مجلة التمدن الإسلامي الغراء
بقلم
مُحَمَّد ناصر الدين الألباني
خادم السنة
١٣٧٧ هـ - ١٩٥٨ م
بسم الله الرَّحمن الرحيم
الحمد لله الذي مَنَّ علينا فهدانا للإسلام، ووفَّقَنا لاتباع سنة نبيه ﵊، والانتصار لها، والذبِّ عن حوضها، والرد على من خالفها أو حاد عنها. والصلاة والسلام على رسوله القائل: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين، تمسكوا بها" وعلى آله وصحبه ومن تبعهم على الأخذ بها وإيثارها على كل ما خالفها.
أما بعد: فهذه رسالة لطيفه، في الرد على رسالة فضيلة الشيخ عَبْدُ الله الحبشي التي سماها "التعقب الحثيث على من طعن فيما صح من الحديث" أو "تحقيق البيان في إثبات سبحة أهل الإيمان"! لَعَقَّبني فيها -بزعمه- في ثلاثة أحاديث كنتُ تكلمت عليها في بعض مقالاتي التي تنشر تباعا في "مجلة التمدن الاسلامي" الزاهرة، تحت عنوان "الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيء في الأمة"، حكمت فيها بوضع حَدِيث "نعم الذكر السُّبحة، وضعف سند حديثي صفية وسعد ﵄ في التسبيح بالحصى أو النوي، فادَّعى الشيخ أن الحديث الأول ضعيف ليس بموضوع، وأن الحديثين الآخرين صحيحان! وبني على ذلك مشروعية عَدّ الذكر بالسبحة وحملها، بل جَعَلَها من شِعار أهل الأيمان!
ولو أن فضيلته ذهب إِلَى ما ذهب إليه دون أن يتعرض للرد علينا بما يخالف علم الحديث واصطلاحاته التي قررها العلماء -لما سمحنا لأنفسنا بالرد عليه، لأن له الحق أن يرى ما يشاء ما دام أَنَّهُ يظنه مشروعًا، والرد على مثل هذه الآراء لا يمكن أن ينتهي! ولكن لمَّا كان الشيخ قد خرج في رده على تلك القواعد، وخالفها مخالفة بينة، بل ونسب إلينا ما لم نقله وَلَا ندين الله به، رأيت أَنَّهُ لا بد من الرد عليه، وبيان أخطائه حَتَّى لا يغتر بها من لا علم عنده، وينسب إلينا ما لم نقله.

المقدمة / 1

وقد كنا نشرنا ردنا هذا في المجلة المذكورة في مقالات متسلسلة، ثم جمعناها في هذه الرسالة، ليسهل مراجعتها عند الحاجة، ويطلع عليها من شاء ممن لم يكن وقف عليها في المجلة، جزى الله القائمين عليها خيرًا.
وأملي أن يجد القراء الكرام فيها ردًا عادلًا، لا يداهن أحدًا، وَلَا يطعن في أحد ظلمًا، لأن القصد بيان الحق، وتيسير الطريق إليه، ليهتدي من شاء الله له الهدي، وأمَّا من أعرض وَأَبي، وعاند ونأي، فلا سبيل إِلَى إقناعه ولو جئته بكل دليل! .
وسيجد القراء فيها -إن شاء الله تعالي- نموذجًا بديعًا من الأسلوب العملي في تطبيق الفروع على الأصول، سواء ما كان منها في أصول الحديث أو الفقه، وبيانًا لمنهجنا في تضعيف الأحاديث، وتحقيقًا في بعض القواعد الحديثية التي غفل عنها كثير من المشتغلين بالسنة فضلًا عن غيرهم! وتذكيرًا ببعض القواعد الأصولية التي يجب استحضارها والأخذ بها لمن يريد أن يستحسن شيئًا مِمَّا لم يكن من قبل! .
وأوردنا فيها بعض الآثار في التحذير من الابتداع في الدين، ونبهنا على بعض البدع التي ابتلي بها من لا علم عنده بالسنة! وغير ذلك من الفوائد التي ستمر بالقارئ الكريم إن شاء الله تعالي.
أسأل الله ﵎ أن ينفع إخواني المسلمين بها، ويدَّخر لنا أجرها في العقبى.
والحمد لله وكفي، وسلامه على عباده الذين اصطفى.
دمشق: ٢٢/ ١١/ ١٣٧٧
أبو عبد الرَّحمن
محمد ناصر الدين الألباني

المقدمة / 2

بسم الله الرحمن الرحيم
توطئة: عَرَفَتْ دمشقُ محدثَها الأكبَر العلامة الشيخ بدر الدين الحسيني، فلما توفاه الله خلت الديار من إمام تتجه الأنظار إليه في علوم الحديث، غير أن فتي أرناؤوطيًا - (نشأ نشأة علم وتقى، وكان له من اسمه نصيب هو الأستاذ محمد ناصر الدين) - عرف في أوساط الشباب بخدمته الحديث وعلومه، وجمع الشباب عليه، واشتهر بينهم، واستطاع بفصاحة لسانه العربي وطلاوة حديثه، وجودة مناقشته، أن يستأثر بنخبة تأخد عنه وتتلمذ عليه.
وإذ كان الحديث ثاني مصدر للفقه الإسلامي بعد كتاب الله، وكان يعتمد ما صح عند أهل الحديث مذهبًا لأهل الفقه، لذلك اشتهر بعض أنصار الشيخ ناصر بتركهم من الأحكام المذهبية ما عرفوا فيه حديثًا ثابتًا صحيحًا، وبعضهم كان يثير اللفظ، ومن هنا تألب على الأستاذ من تألب.
وأخيرًا نزل في دمشق الشيخ عبد الله بن محمد من آل شيبة (سدنة الكعبة) (وهو وليد الحبشة في هرر في ثالث بطن من مهاجرة أسرته)، وهو يحفظ من أحاديث رسول الله ﷺ عشرة آلاف بروايتها، وله في فقه الشافعية حظ وافر، وكان مقدمه لدمشق لتتبع كتب الحديث وجمع قراءات القرآن ونحو هذا من خدمة الشريعة وعلومها.
ورأى فيه جماعة من أهل الدين والعلم خليفة للشيخ بدر الدين ﵀، فاستنصروا به على الشيخ محمد ناصر الدين، فجرت بينهما مباحثة في جو سبقت له الدعاية بين الطرفين بما جعل الشيخ عبد الله ينقطع عن المباحثة قبل الانتهاء إلى غاية الشوط، حتى إذا رأى الأستاذ الشيبي من بعدها بحوثًا تنشرها مجلتنا للشيخ محمد ناصر الدين في الأحاديث الضعيفة والموضوعة، فإنه تتبع منها ما خالفه به في حديث "السبحة"، وأرسل إلينا بذلك مقالة هممنا بنشرها، ثم ما لبث أن نشر رسالة بعنوان "التعقيب الحثيث على من طعن فيما صح من الحديث".

1 / 1

وإذ كانت خطة المجلة أن تمهد الأسباب لنشر الحقيقة وتتجنب ما وسعها مجال الأخذ والرد بغير طائل، وكنا لمثل ذلك نجمع عادة بين وجهات النظر المختلفة بعرض حجة الفريقين المختلفَين معًا، لذلك فإننا عرضنا على الشيخ محمد ناصر الدين هذه الرسالة فأوجز ما أتى به الأستاذ الشيبي، وبين نقاط الاختلاف؛ وبسط خلال ذلك من قواعد "الجرح والتعديل" بمناقشة رصينة ما تتضاعف به فائدة القراء، وهذا ما سيراه القاريء الكريم، ورائدنا أن يحصحص الحق لطالبيه، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
* * *
قال الأستاذ الشيخ محمد ناصر الدين الألباني:
موضع الخلاف بيني وبين الشيخ: يدور الخلاف بيني وبين فضيلة الشيخ عبدالله في ثلاثة أحاديث:
الأول: (نعم المذكر السبحة).
الثاني: عن سعد بن أبي وقاص أنه دخل مع رسول الله ﷺ على امرأة وبين يديها نوى أو حصى تسبح به، فقال ﷺ: (أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا أو أفضل)؟ فقال: (سبحان الله عدد ما خلق في السماء ... الحديث).
الثالث: عن صفية قالت: دخل علىّ رسول الله ﷺ وبين يدي أربعة آلاف نواة أسبح بهن ... الحديث، نحو الذي قبله. .
فذهبت أنا في مقال نشرته هذه المجلة الكريمة في الجزأين (٩ و١٠ السنة ٢٢) إلى أن الحديث الأول ضعيف السند موضوع المتن؛ وإلى أن الحديثين الآخرين إسنادهما ضعيف، وأنّ ذكر الحصى في الثاني منهما منكر لمخالفته لحديث جويرية الصحيح في مسلم الذي ليس فيه ذكر الحصى. (١)
أما حضرة الشيخ فإنه ذهب في رسالته الآنفة الذكر إلى أن الحديث الأول ضعيف فقط وأن الآخرين صحيحان؛ ولكي يتضح القاريء اللبيب الصواب من هذا الخلاف لابد من أن أذكر الأصول التي بنى الشيخ عليها تضعيفه وتصحيحه، ثم أعود فأجيب عنها بما ييسر الله ﷾.

(١) تم طبع المقال مع المقالات الأخرى في الصحيفة (١/ ١١٠/ ١١٧).

1 / 2

الأصول التي بني عليها الشيخ تضعيف الحديث فقط: [لقد قرر فضيلة الشيخ (ص ٥ - ٩) فيما يتعلق بالحديث الأول أصولا:
أولًا: أنه لا يحكم على الحديث بالوضع بمجرد كون الراوي منكر الحديث أو مجهولًا، بل الأمران من أسباب الضعف الوسطي.
ثانيًا: ولا يحكم عليه بذلك بمجرد أن الراوي يكذب.
ثالثًا: يمنع العمل بالضعيف الشديد لضعف -سوى الموضوع- وهو الذي ينفرد به كذاب أو متهم بالكذب أو من فحش غلطه (ص ٣٨).
رابعًا: ومن القرائن التي يدرك بها الموضوع ما يؤخذ من حال المروي، كأن يكون مناقضًا لنص القرآن والسنة المتواترة أو الإجماع القطعي أو صريح العقل حيث لا يقبل شيء من ذلك التأويل، كما نقله عن الشيخ علي القاري (ص ٩).
الجواب عن هذه الأصول: أقول في الجواب على هذه الأصول على الترتيب السابق:
١ - هذا الأصل صحيح وهو غير وارد علي، لأنني لم أحكم على الحديث الأول بالوضع بمجرد أن في رواته مجهولًا أو منكر الحديث، بل لأنه انضاف إلى ذلك أن السبحة بدعةً وأنها مخالفة لسنة العقد بالأنامل، وكلامي في "المقال المشار إليه" صريح في ذلك لأنني قلت: بعد أن تكلمت على رجال إسناد الحديث (ص ٢٠١).
"فثبت أنه إسناد ضعيف لا تقوم به حجة".
وتمام هذا الكلام: "ثم إن الحديث من حيث معناه باطل عندي لأمور" وهذا نقله الشيخ (ص ١٢) دون الذي قبله!
ولكن الشيخ -سامحه الله- لما نقل كلامي في رسالته (ص ٣ - ٤) ليردَ عليه نقله مختصِرًا هذه الجملة الهامة من كلامي، فبنى رده علي دون النظر إليها، فوقع في هذه الخطيئة المكشوفة التي نسبني بسببها (ص ٥) إلى مخالفتي لأهل الحديث! ولم يكتف حضرته بأن سود أربع صفحات في هذا الأصل الذي لا خلاف فيه، بل عاد في آخر الرسالة (ص ٢٩) فعقد فصلًا آخر في أن الجهالة والنكارة لا يوجبان الوضع، ثم سود لبيان ذك خمس صفحات أخرى، ما كان أغناه عن تضييع الوقت في كتابتها لو أنه تأمل جملتي السابقة

1 / 3

المصرحة بأن إسناد الحديث ضغيف! لو أنه فعل ذلك لما اتهمني بقوله في هذه الفصل (ص ٤١):
"فيه دليل لرد ما زعمه هذا الرجل من أن رواية الراوي للمناكير دليل على كون حديث موضوعًا ... "
أنا لم أقل هذا أيها الشيخ ألبتة ولا أعتقده، بل أعتقد خلافه، وهذا هو المقال في "المجلة المحترمة" ففي أي صحيفة منها هذا الذي تنسبه إليّ؟ ! وأنا بفضل الله تعالى قد مضى علي نحو عشرين سنة في دراسة علم الحديث الشريف أصولًا وفروعًا مع تحقيقه عملًا بإرجاع الفروع إلى الأصول، فثكلتني أمي إذن إن كنتُ زعمتُ هذا الذي تنسبه إلي! فقليلًا من التروي والإنصاف يا حضرة الشيخ!
٢ - خطأ الشيخ في قوله: "إنه لا يحكم على الحديث بالوضع "لكذب الراوي"! هذا الأصل مردود بقول الحافظ ابن حجر في "شرح النخبة":
"ثم الطعن إما أن يكون لكذب الراوي، أو تهمته بذلك، أو فحش غلطه أو غفلته ...، فالأول: الموضوع (قال الشيخ على القاري في شرحه (ص ١٢٢ - ١٢٣): وهو الطعن بكذب الراوي)، والحكم عليه بالوضع إنما هو بطريق الظن الغالب لا القطع، والثاني المتروك" قال القاري (ص ١٣٠): "وهو ما يكون بسبب تهمة الراوي بكذب" - والثالث: المنكر على رأي".
فأنت ترى أن الحافظ جعل وصف الراوي بالكذب أعلى مراتب الجرح، وجعل حديث من كان من هذه المرتبة "موضوعًا"، وجعل المتهم بالكذب في المرتبة الثانية في الجرح، وجعل حديثه "متروكا"، وهو الشديد الضعف.
فانظر كيف خلط حضرة الشيخ بين المرتبتين فجعلهما مرتبة واحدة، وجعل حديث الكذاب "الموضوع" والمتهم بالكذب "المتروك" في رتبة واحدة وهو الشديد الضعف! .
ومما يدلك على وهمه قول الإمام الصنعاني فيه توضيح الأفكار لمعاني تنقيح الأنظار"
(ج ٢ ص ٢٧٢) بعد أن ذكر مراتب الجرح ومنها المرتبتان الأوليان الواردتان في كلام الحافظ: "ولا تقول في الكذاب أي فيمن وصفوه بذلك إنه متهم بالكذب لأن الأولى تفيد أنه معروف به، والثانية تفيد نفي ذلك وإنما عنده مجرد تهمة".

1 / 4

والخلاصة: إن رواية الكذاب لحديث ما كان في الحكم عليه بالوضع لخصوص هذه الطريق، وعليه جرى عمل النقاد في الحكم على الحديث بالوضع لرواية أحد الكذابين له، كما فعل ابن الجوزي في "الموضوعات" والسيوطي في "ذيله" ولآلئه وغيرهما.
ولا يخالف هذا ما نقله المؤلف (ص ٩) عن الحافظ العراقي "أن مطلق كذب الراوي لا يدل على الوضع" لأنه يعني أنه لا يدل على الوضع قطعًا لاحتمال صدقه ومتابعة غيره له؛ ولكن هذا لا ينفي الحكم عليه بالوضع بطريق الظن الغالب (١) كما سبق عن الحافظ ابن حجر، وبهذا يلتقي قوله مع قول شيخه الحافظ العراقي، والظن الغالب قامت عليه غالب الأحكام الشرعية، ومنه ما نحن فيه، ولا يجوز تركه إلا بدليل أقوى منه، كأن يروي الحديث الذي رواه الكذاب رجل غيره وهو ثقة، فحينئذ يحتج بهذا الحديث، ونقول إنه تبين لنا صدق هذا الكذاب في هذا الحديث لموافقته للثقة، كما أشار لذلك قوله ﷺ في حديث الجني: "صدقك وهو كذوب"! وأما عند فقدان هذا الشاهد الثقة فحديث الكذاب موضوع بلا شك. فقد تبين للقاريء مما سبق من الذي "خالف علم الحديث"؟ !
٣ - خروجه عن المحدثين: في قوله أن الحديث الشديد الضعف هو ما تفرد به كذاب! لا أعلم أحدًا سبق المؤلف إلى وصف الحديث الشديد الضعف - (الذي لم يصل إلى رتبة "الموضوع") - بأنه الذي يتفرد به كذاب! بل لا يشك كل من شم رائحة علم الحديث في (وضع) ما تفرد به كذاب، والذي يمنع بعضهم من الجزم بوضعه هو احتمال أن يكون له طريق آخر خير من طريقه؛ أما والبحث فيما تفرد به كذاب فلا شك في وضعة من وجهة اصطلاح المحدثين، وكلام الحافظ ابن حجر المتقدم من أوضح الأدلة على ذلك، والكلام في بطلان كلمة الشيخ هذه طويل الذيل، فلا نطيل المقال بذكره، وإنما يكفي في بيان خطأه في ذلك أنه يسوي بين حديث من هو كذاب، وبين حديث من هو صدوق ولكنه فاحش الخطأ، وهذا مما لا يقول به أحد غير الشيخ! والذي يعتقده العلماء أن حديث الكذاب موضوع، وحديث الفاحش الخطأ ضعيف جدًا كما سبق.
وغالب ظني أن الشيخ أتي مما نقله السيوطي في "التدريب" (ص ١٠٨) عن

(١) وانظر شرح نخبة الفكر لعلي القاري (ص ١٢٣ - ١٢٤).

1 / 5

الحافظ أنه ذكر الحديث الضعيف ليعمل به في فضائل الأعمال "ثلاثة شروط":
أحدها: أن يكون الضعف غير شديد، فيخرج من انفرد من الكذابين والمتهمين بالكذب ومن فحش غلطه".
فهذا شيء، مقبول معروف، وما ذكره الشيخ فهو مجهول مرفوض.
٤ - تحقيق القول في القرائن التي يدرك بها الموضوع:
أقول: هذه القرائن التي نقلها الشيخ عن الحافظ ابن حجرُ مسلَّم بها، ولكن هنا في كلام الحافظ دقيقة يجب أن ينتبه لها وهي أن كلامه هذا ليس مقصودًا به الحديث الذي في سنده متهم، بل هو خاص بما كان ظاهر إسناده الصحة التي توجب العمل به، فيرد حينئذ بالمناقصة التي وردت في كلام الحافظ، ولا يمكن حملها على الحديث الذي يرويه كذاب لأمور منها: أولًا: أن كونه من رواية العذاب مسقط له، ولا حاجة حينئذ إلى رده بالمناقضة، ثانيًا: إن التأويل فرع التصحيح، فإذا كان السند موضوعًا كفانا مؤنة التأويل كما لا يخفي، فظهر أن كلام الحافظ لا يقصد به الحديث الذي لا تقوم باسناده حجة.
والغرض من هذا أنني أقول إن الحديث الضعيف السند يحكم بوضعه بقرائن أخرى قد تكون دون التي سبقت في القوة، من ذلك أن يكون مخالفًا للسنة الصحيحة ولو لم تكن متواترة، ويؤيد في في هذا قول الحافظ ابن كثير في "اختصار علوم الحديث" (ص ٨٥) في صدد ذكر الشواهد على الحديث الموضوع:
"ومن ذلك ركاكة ألفاظه، وفساد معناه، أو مجازفة فاحشة، أو مخالفته لما ثبت في الكتاب والسنة الصحيحة"
فتأمل كيف أطلق السنة الصحيحة ولم يقيدها بـ "المتواترة" ذلك لأن كلامه أعم من كلام الحافظ كما ظهر بهذا البيان.
سقوط انتقاد الشيخ لحكمي على الحديث بالوضع: إذ تبين رأينا فيما قرره حضرة الشيخ من القواعد الأربعة، وعرف ما صح منها عند المحدثين وما لم يصح، لم يسلم له انتقاده إياي في حكمي على حديث السبحة بالوضع لأمرين:

1 / 6

الأول: أنني ضعفت إسناده والشيخ وافقني على تضعيفه من هذه الناحية، ولم أحكم بسببها عليه بالوضع فسقط احتجاجه علي بالقاعدة الأولي.
الثاني أنني حكمت بوضعه لأن السبحة بدعة، ولأن التسبيح بها خلاف السنة العملية، كما بينته في "المقال"، فيسقط بهذا قول الشيخ (ص ١٣) بعد أن نقل كلامي في الحكم عليه بالبطلان:
"إبطالك هذا باطل، فمن أين ينطبق هذا على ما قالوه فيها يدرك به الموضوع؟ وهو ما قدمناه عن الحافظ ابن حجر أن يكون الخبر مناقضًا لصريح العقل".
ووجه سقوطه أن كلام الحافظ مُنْصَبٌّ على الحديث الصحيح الإسناد إذا افترض مخالفته لصريح العقل كما سبق بيانه، وحديثنا هذا ليس كذلك، بل هو ضعيف، فالحكم بطلانه أسهل من الحكم ببطلان الصحيح الإسناد بلا شك، وليس شرطًا أن يكون مناقضًا لصريح العقل، بل يكفي فيه أن يكون مخالفًا السنة الصحيحة مثلًا كما أفاده كلام ابن كثير السابق.
بدعة السبحة ومخالفتها للسنة كنت برهنت في "المقال" الذي رد عليه الشيخ أن السبحة بدعة، وأن التسبيح بها مخالف لهديه ﷺ في التسبيح بالأنامل؛ وجعلت هذين الأمرين من القرائن الدالة على بطلان الحديث ووضعه، ولكن الشيخ لم يرضه ذلك.
أما القرينة الأولى فردها بمغالطة مكشوفة وهي قوله (ص ١٠):
"فليت شعري أي عقل يحيل إحالة مقطوعة بها وجود السبحة في عهد الرسول ﷺ.
ووجه المغالطة أنني لم أدَّع استحالة وجود السبحة في ذلك العهد المبارك -عقلًا-، لأن ذلك ليس من "ما لا يتصور في العقل وجوده" قطعا، وليست السبحة من المسائل النظرية التي يحكم العقل بإمكانها أو استحالتها، وإنما هي من المسائل المتعلقة بالتاريخ وجودًا وعدمًا، وإذا كان من المقرر عند العلماء أن السبحة لم تكن في عهده ﷺ وإنما حدثت في القرن الثاني، فيصح حينئذ استنكار هذا الحديث باعتبار أنه يحض الصحابة على أمر لا يعرفونه، وهذا -أعني الحض- غير معقول صدوره منه ﷺ مع عدم وجود السبحة فدل ذلك على وضع الحديث وعلى جهل واضعه بتاريخ السبحة.

1 / 7

فهذا هو وجه حكمنا على الحديث بالبطلان، لا ما صوره الشيخ من الإحالة العقلية! وكأن حضرة الشيخ تنبه لهذا الوجه الصحيح ولذلك حاول الإجابة عنه بقوله (ص ١٠): "ولو فرضنا عدم وجودها في ذلك العصر فلا استحالة عقلًا في أن يحض النبي ﷺ أصحابه على شيء ليس بمعروف لهم ليعمل به إذا وجد ... ".
ثم أني على ذلك بمثالين:
الأول: حديث نبيط الأشجعي مرفوعًا: (إن أشد أمتي حبًا لي قوم يأتون من بعدي يؤمنون بي ولم يروني، يعملون بما في الورق المعلق) رواه ابن عساكر. وذكر الشيخ له في التعليق شاهدًا من حديث عمر برواية الحاكم.
الثاني: "حديث أبي داود عن النواس بن سمعان: "ينزل عيسى بن مريم عند المنارة البيضاء شرقي دمشق".
ضعف الحديث الأول وقصور الشيخ في تخريج الثاني! وبيان عدم دلالتها على غرضه! والجواب على المثال الأول من وجهين:
الأول: عدم التسليم بصحته، فإن في حديث ابن عساكر رجلًا كذابًا، وآخر ضعيفًا، وفي إسناد الحاكم راو ضعيف جدًا قال فيه البخاري: "منكر الحديث" (١) وقال النسائي: "ليس بثقة"، ولذلك رد الذهبي على الحاكم تصحيحه إياه، وللحديث طريق ثالث هو خير من الأولين وهو ضعيف أيضًا، وتفصيل الكلام عليها سيأتي إن شاء الله في مقالات "الأحاديث الضعيفة" التي تبين ضعف كثير من الأحاديث التي يظن صحتها بعض الخاصة فضلا عن العامة!
الوجه الثاني: أن الحديث لو صح فهو صريح في أن "الورق المعلق" -وهو كناية عن المصاحف والكتب- لم تكن في عهده ﷺ فهو ﵊ يمدح الذين ليسوا

(١) يعني أنه لا تحل الرواية عنه كما ذكره السيوطي في "التدريب" (ص ١٢٧) منبهًا على أن هذا هو مراد البخاري بهذه الجملة، وسلم بصحة ذلك عن البخاري، وأما حضرة الشيخ فقد أشار إلى عدم صحة ذلك عنده بقوله (ص ٨): "إن صح" ولازمه أنه لم يثق بتقل السيوطي فما السبب في ذلك مع أنه لم يتفرد بنقله بل سبقه إليه الذهبي في "الميزان" (١/ ٥) نقلا عن ابن القطان، واعتمده الذهبي في رسالته "الموقظة"! ! .

1 / 8