الحديث والمحدثون
الحديث والمحدثون
সংস্করণ
الأولى ١٣٧٨ هـ
প্রকাশনার বছর
١٩٥٨ م مطبعة مصر شركة مساهمة مصرية
مقدمات
الإهداء
...
الإهداء:
إن أولى من يهدى إليه هذا الكتاب، هو أولى الناس بالمؤمنين، نبينا "محمد" الصادق الأمين، الذي أخرجنا الله به من الظلمات إلى النور. صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
فإليك يا منقذ الخلق من الضلال.
إليك يا نبي الرحمة ومنبع العلم والنور والعرفان.
إليك يا من حدثت فصدقت، وحكمت فعدلت، وجاهدت فأبليت أحسن البلاء.
إليك يا من أرسله ربه بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله.
أهدي كتابي هذا راجيا من الله ﷿ أن يمن علي بشفاعتك: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ .
1 / 3
الداعي لنشر هذا الكتاب:
نال المؤلف بهذا الكتاب "شهادة العالمية مع لقب أستاذ في علوم القرآن والحديث" عام ١٣٦٥هـ-١٩٤٦م من الجامع الأزهر الشريف. "قسم تخصص المادة بكلية أصول الدين".
والذي دعا إلى نشره الآن، هو ظهور بعض مؤلفات، يحمل أصحابها على السنة حملة شعواء، ويشككون المسلمين فيها؛ بالطعن في صحابة رسول الله ﷺ، والنيل من أئمة الحديث ورواته، ورميهم بالتفريط في حفظ السنة وفهمها، وما لهؤلاء الطاعنين بذلك من علم إلا ما يتلقفونه من كتب المستشرقين، ومن سلك طريقهم من المغرضين: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ .
1 / 4
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة المؤلف:
الحمد لله رب العالمين. بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته، ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين.
والصلاة والسلام على من بعثه الله رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه والتابعين، الذين رفعوا منار الهداية، وحملوا راية السنة، وأعلوا شأن الرواية، وأحاطوا أحاديث نبيهم بسياج من الصيانة والرعاية؛ فنفوا عنها تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين.
وبعد فإن الله جلت حكمته، أنزل على رسوله محمد ﷺ كتابا لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، ثم وكل سبحانه إلى رسوله الأمين تبيان هذا الكتاب فقال سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾، والرسول ﷺ في بيانه للقرآن الكريم لا ينطق عن الهوى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ لذلك أوجب الله علينا طاعته، وحذرنا معصيته، فقال ﵎: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، وقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، فالقرآن والسنة هما أساس الدين، والنور الهادي إلى الصراط المستقيم.
ولما كان للسنة النبوية هذه المكانة العظمى، عرف السلف الصالح
1 / 5
للسنة قدرها ومكانتها، فرعوها حق رعايتها، وحفظوها في الصدور، وأودعوها سويداء القلوب، ودونوها في المصنفات والكتب، وحكموها في شئونهم، وكانوا بها مستمسكين، وعلى نهجها سائرين، وما زال العلماء في كل عصر يعنون بالسنة عناية تامة علما وعملا، حتى جاءت عصور ضعف فيها المسلمون، فخلف من بعد هؤلاء الأعلام خلف تهاونوا بشأنها، وتقاعدوا عن حفظها، فاستعجم عليهم فهمها، واستغلق لديهم الوقوف على أسانيدها ومتونها، وكان من أثر ذلك أن رأينا أرباب الأديان المبدلة، والعقائد الزائفة، والأهواء المتبعة، يطعنون في سنة نبينا، ويغضون من شأن الأحاديث النبوية، فمن قائل: لا يعتمد عليها الآن لانقطاع أسانيدها، ومن قائل: إن السنة ليست دينا عاما دائما، ومن قائل: إن الأغلبية العظمى من الأحاديث ليست إلا من وضع الوضاعين، واختلاق الكذابين، ومن طاعن في صحابة رسول الله وهم الحلقة الأولى في سلسلة الإسناد، الذي يصلنا بصاحب الشريعة ﷺ، ومن مشوه للحقائق التاريخية الثابتة فتراه يخلط الحق بالباطل، ويحمل البريء تبعة المذنب، ويغلب الشر على الخير، ومن متلمس للهفوات يضخم من شأنها، فيرفعها إلى درجة العظائم، لينال من هذه الملة المطهرة، والسنة النبوية المشرفة، إلى غير ذلك من أنواع المكايد والطعون التي يبثها أعداء الإسلام.
فلما رأيت هذا الخلط والتلبيس، وذلك الطعن والأزراء، دون برهان ولا دليل، وغالب ذلك من المستشرقين، ومن حذا حذوهم من المفتونين، ورأيت القوم مسرفين في تبجح واسترسال؛ توجهت رغبتي إلى تأليف كتاب في تاريخ الحديث والمحدثين، يكشف القناع عن وجه الحقيقة، التي طالما شوه جمالها أصحاب الأهواء، ويوضح الحق من
1 / 6
الضلال ويميز الخطأ من الصواب، فأكون بذلك -إن شاء الله- منتظما في سلك المناضلين عن سنة خير المرسلين، ومنضويا تحت لواء البررة المجاهدين.
هذا ولما كانت السنة النوية قد تواردت عليها عصور مختلفة، وتدرجت في أطوار متباينة، ولكل طور منها طابعه الخاص؛ رأيت أن أرتب هذا الكتاب على مقدمة وسبعة أدوار وخاتمة.
المقدمة: في معنى السنة ونسبتها إلى الوحي، ومنزلتها في الدين وبيانها للقرآن الكريم.
الدور الأول: السنة في حياة النبي ﷺ.
الدور الثاني: السنة في عهد الخلافة الراشدة.
الدور الثالث: السنة بعد الخلافة الراشدة إلى منتهى القرن الأول الهجري.
الدور الرابع: السنة في القرن الثاني.
الدور الخامس: السنة في القرن الثالث.
الدور السادس: السنة من مبدأ القرن الرابع إلى سقوط بغداد عام ٦٥٦هـ.
الدور السابع: السنة من عام ٦٥٦هـ إلى عصرنا الحاضر.
الخاتمة: في ذكر أنواع من علوم الحديث ناطقة بجهود الأمة في خدمة السنة.
والله تعالى أسأل أن يوفقنا لخدمة العلم والدين، وأن يديم به النفع العميم إنه على ما يشاء قدير، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
محمد محمد أبو زهو
1 / 7
مقدمة الكتاب
المبحث الأول: معنى السنة لغة واصطلاحا
...
مقدمة الكتاب:
وتشتمل على أربعة مباحث:
المبحث الأول - معنى السنة لغة واصطلاحا.
المبحث الثاني - السنة من الوحي.
المبحث الثالث - منزلة السنة في الدين.
المبحث الرابع - السنة مبينة للقرآن الكريم.
المبحث الأول: معنى السنة لغة واصطلاحا
السنة في اللغة: الطريقة حسنة كانت أم سيئة، ومنه قوله ﷺ: "من سن سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة. ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة"، رواه مسلم. قال في لسان العرب "السنة السيرة حسنة كانت أو قبيحة. قال خالد بن عتبة الهذلي:-
فلا تجزعن من سيرة أنت سرتها ... فأول راض سنة من يسيرها
وسننتها سنا واستننتها سرتها، وسننت لكم سنة فاتبعوها، وفي
1 / 8
الحديث "من سن سنة حسنة" إلخ يريد عملها ليقتدَى به فيها. وكل من ابتدأ أمرا عمل به قوم بعده قيل: هو الذي سنه.
قال نصيب:-
كأني سننت الحب أول عاشق ... من الناس إذ أحببت من بينهم وحدي
وقد تكرر في الحديث ذكر السنة، وما تصرف منها والأصل فيه الطريقة والسيرة. وإذا أطلقت في الشرع، فإنما يراد بها ما أمر به النبي ﷺ، ونهى عنه وندب إليه قولا وفعلا مما لم ينطق به الكتاب العزيز؛ ولهذا يقال في أدلة الشرع الكتاب والسنة أي القرآن والحديث". اهـ.
السنة في لسان أهل الشرع:
يختلف معنى السنة عند أهل الشرع حسب اختلاف الأغراض التي اتجهوا إليها من أبحاثهم، فمثلا علماء أصول الفقه عنوا بالبحث عن الأدلة الشرعية وعلماء الحديث عنوا بنقل ما نسب إلى النبي ﷺ، وعلماء الفقه عنوا بالبحث عن الأحكام الشرعية من: فرض وواجب ومندوب وحرام ومكروه. والمتصدرون للوعظ والإرشاد، عنوا بكل ما أمر به الشرع أو نهى عنه. لذلك اختلف المراد من لفظ السنة عندهم، بل وقد يقع الاختلاف أيضا بين علماء الطائفة الواحدة منهم.
فعلماء الأصول يطلقون لفظ السنة على أقوال النبي ﷺ وأفعاله وتقريراته، وبعض الأصوليين يطلق لفظ السنة على ما عمل عليه أصحاب رسول الله ﷺ، سواء أكان ذلك في الكتاب
1 / 9
العزيز أم عن النبي ﷺ أم لا، كما فعلوا في جمع المصحف وتدوين الدواوين ونحو ذلك. ويدل على هذا الإطلاق قوله ﷺ، فيما رواه مسلم: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي"، وذهب إلى هذا أيضا طائفة من المحدثين.
وعلماء الفقه، يريدون بالسنة الطريقة المسلوكة في الدين من غير افتراض ولا وجوب.
وعلماء الوعظ والإرشاد يريدون بالسنة ما قابل البدعة، فيقال عندهم فلان على سنة إذا عمل على وفق ما عمل عليه النبي ﷺ، سواء كان ذلك ما نص عليه في الكتاب العزيز، أم لا ويقال: فلان على بدعة إذا عمل على خلاف ذلك.
وعلماء الحديث يريدون بالسنة -على ما ذهب إليه جمهورهم- أقوال النبي ﷺ وأفعاله وتقريراته، وصفاته الخلقية والخلقية وسيره، ومغازيه وبعض أخباره قبل البعثة مثل تحنثه في غار حراء، ومثل حسن سيرته؛ لأن الحال يستفاد منها ما كان عليه من كريم الأخلاق ومحاسن الأفعال؛ كقول خديجة أم المؤمنين له ﷺ: "كلا والله لا يخزيك الله أبدا؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق"، ومثل أنه كان أميا لا يقرأ ولا يكتب، وأنه عُرف بالصدق والأمانة، وما إلى ذلك من صفات الخير وحسن الخلق، فمثل ذلك يُنتفع به في إثبات نبوته ﷺ كثيرا، كما حصل من هرقل في حديثه المشهور. والسنة بهذا المعنى مرادفه للحديث النبوي عندهم.
1 / 10
المبحث الثاني: السنة من الوحي
السنة النبوية بالمعنى السابق ما أضيف إلى النبي ﷺ، من قول أو فعل أو تقرير هي أحد قسمي الوحي الإلهي، الذي نزل به جبريل الأمين على النبي الكريم ﷺ. والقسم الثاني من الوحي هو القرآن الكريم. فالسنة النبوية من الوحي، بذلك نطق الكتاب العزيز: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾، وبذلك جاءت السنة نفسها، فقد روى أبوداود والترمذي وابن ماجه عن المقدام بن معد يكرب أنه قال: قال رسول الله ﷺ: "ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا وإن ما حرم رسول الله ﷺ كما حرم الله"، وعن حسان بن عطية أنه قال: "كان جبريل ﵇ ينزل على رسول الله ﷺ بالسنة، كما ينزل عليه بالقرآن، ويعلمه إياها كما يعلمه القرآن"، وعن مكحول قال: قال رسول الله ﷺ: "آتاني الله القرآن ومن الحكمة مثليه"، أخرجهما أبو داود في مراسيله.
هذا ولما كانت السنة صنو الكتاب العزيز، ونوعا من وحي رب العالمين؛ رأينا أن نتكلم عن الوحي وأقسامه بإيجاز، حتى يتضح المقام، ويتبين لنا الفرق بين السنة والكتاب، فنقول:
1 / 11
الوحي وأقسامه:
الوحي يطلق ويراد منه الإيحاء، ويطلق ويراد منه الموحَى به، ولا بد من بيانهما.
الوحي بمعنى الإيحاء:
الوحي بمعنى الإيحاء معناه لغة: الإعلام بالشيء على وجه الخفاء والسرعة، ولذا كانت الكتابة والإشارة والرمز والكلام الخفي من قبيل الوحي عند أهل اللغة.
ومعناه في لسان الشرع: إعلام الله لأنبيائه ما يريد إبلاغه إليهم من الشرائع، والأخبار بطريق خفي بحيث يحصل عندهم علم ضروري قطعي، بأن ذلك من عند الله جل شأنه. فهو أخص من المعنى اللغوي باعتبار مصدره، وهو الله سبحانه ومورده وهم أنبياؤه الكرام.
أقسامه: إعلام الله لأنبيائه ما يريد يقع على أحوال ثلاثة، أشار الله إليها بقوله ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾، وإليك بيانها:-
أولا: الإعلام بطريق الإلهام، وهو إلقاء المعنى في قلب النبي، دفعة مع العلم اليقيني بأن ذلك من الله ﷿، وقد يكون هذا الإلهام في المنام كما يكون في اليقظة، وهذا النوع من الوحي هو المراد من قوله تعالى في الآية السابقة ﴿إِلَّا وَحْيًا﴾ بدليل مقابلته بالقسمين بعده.
ثانيا: الكلام من وراء حجاب، أي بدون رؤية النبي لربه ﷿ وقت التكلم بحيث يسمع كلامه، ولا يراه كما حصل ذلك لموسى ﵇ في بدء رسالته، وقد رأى نارا فقال لأهله امكثوا: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى، إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ الآيات، وعند مجيئه للميقات كما قال تعالى:
1 / 12