Al-'Aqd al-Mufrad in Fiqh According to the Madhhab of Imam Ahmad
العقد المفرد في الفقه على مذهب الإمام أحمد
সম্পাদক
فؤاد بن محمود بن عبد القادر
প্রকাশক
دار ابن حزم
সংস্করণ
الأولى
প্রকাশনার বছর
১৪৩৫ AH
প্রকাশনার স্থান
بيروت
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قال تعالى:
﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣].
1 / 5
إهداء
إلى والدي الكريمين، متع الله بهما، أهدي ثمرة جهد متواصل، استمر نحوًا من عشرين عامًا، فلولا الله ثم هما ما كان ما كان، فاللَّهم عطفك ورفقك ورحمتك وعفوك ورزقك وهداك بمن رقَّت عظامهم، وانحنت ظهورهم، وشابت شعورهم، في طاعتك، اللَّهم آمين آمين، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
1 / 7
شكر وتقدير
في هذه المرحلة، وفي هذا اليوم العظيم، يطيب لي أن أنظر إلى سنوات عمري كلها، فأشكر بحق من كان له أثر جميل في حياتي، يحفزني ويدعوني للنجاح وتحقيق الأمنيات والأهداف، والتمتع بها، والنظر لما بعدها.
1 / 9
المقدمة
الحمد لله ذي القدرة القاهرة، والآيات الباهرة، والآلاء الظاهرة، والدلائل الآسرة، والنعم المتواترة، والمنن المتكاثرة، والمنح الفاخرة.
اللَّهم لك الحمد على ما تميت وتحيي، ولك الحمد على ما تأخذ وتعطي، لك الحمد على حلمك بعد علمك، وعلى عفوك بعد قدرتك، لك الحمد كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، لك الحمد أوله وآخره، وظاهره وباطنه، وسره وعلانيته، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء، وخير الأتقياء، وغرة العلماء، وإمام الفقهاء، فصيح الخطباء، نبينا محمد وآله وصحبه وسلم، تسليمًا كثيرًا.
مولاي لا آوي لغيرك إنه … حُرم الهدى من لم تكن مأواه
مولاي جودك لم يدع لي مطلبًا … إلا وتممه إلى أقصاه
مولاي أنسك لم يدع لي وحشة … إلا محا ظلماءها بسناه
من كان يعرف أنك الحق الذي … بهر العقول فحسبه وكفاه (^١)
ثم أما بعد: فإنها والله لمن أعظم المنن، وأجزل النعم، أن يستعمل الله العبد في طاعته ومرضاته وخدمة دينه.
ولا ريب أن طلب العلم والبحمث عنه في مظانه وعند أهله، وثني الركب عند باذليه، من أكبر أبواب الأجر وسبل الثواب، كيف لا! ومنتهى
(^١) تسبيح ومناجاة وثناء (١٣٢).
1 / 11
هذا الطريق الجنة ورضوان الله تعالى، قال ﷺ: "ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله به طريقًا إلى الجنة" (^١).
ووالله كفى بالعلم شرفًا، ومكانة عالية، ومنزلة سامية، أن الله تعالى جعل أهل العلم هم أخشى الخلق له، وأكثرهم طاعة وخضوعًا وامتثالًا لأوامره، واجتنابًا لزواجره، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (^٢)، وهذا إمام العلماء، وسيدهم ﷺ يقول مخبرًا عن نفسه: "والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله، وأعلمكم بما أتقي" (^٣).
والخير كله فيما أمر الله تعالى نبيه ﷺ بالازدياد منه، والإكثار من أخذه، ألا وهو العلم، قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (^٤)، ولو كان ثم شيء خيرًا من هذا لأمر الله تعالى نبيه ﷺ به، ولا يأمر الله تعالى نبيه إلا بالأتم والأكمل والأفضل.
العلم أشرف مطلوب وطالبه … لله أشرف من يمشي على قدم
العلم نور مبين يستضيء به … أهل السعادة والجهال في الظلم
ولما كنت طالبًا في جامعة أم درمان الإسلامية، تلميذًا في معهد بحوث ودراسات العالم الإسلامي، وكان من متطلبات التخرج تقديم بحث في الدراسات الإسلامية.
اخترت أن يكون البحث تحقيقًا لمخطوط "العقد المفرد في فقه الإمام المبجل أحمد بن حنبل" للإمام محمد البيومي بن محمد بن أبي عياشة بن
(^١) أخرجه مسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر (٢٦٩٩).
(^٢) (فاطر: ٢٨).
(^٣) أخرجه مسلم، كتاب الصوم، باب صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب (١١١٠).
(^٤) (طه: ١١٤).
1 / 12
علي بن حسن الهاشمي، المولود عام ١٢٦٣ هـ والمتوفى عام ١٣٣٥ هـ بدمنهور، بمصر.
وكانت أسباب اختياري لهذا الموضوع القيم عديدة، وجديرة بالذكر، منها:
١ - الرغبة في التفقه في دين الله تعالى، ومعرفة حكم وأسرار الشريعة، ولا يكون هذا إلا بدراسة كتاب فقهي معتمد، احتوى جميع الأبواب الفقهية، التي تنظم حياة الفرد والمجتمع، بدءًا بالعبادات والمعاملات، مرورًا بالنكاح والأحوال الشخصية، ثم الجنايات والحدود والقضاء.
٢ - الرغبة في الحصول على الخيرية، ورفعة الدرجة، وعلو المنزلة لقول النبي ﷺ: "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين" (^١).
٣ - الرغبة في خدمة التراث الفقهي الحنبلي، خاصة وأن المتون الحنبلية، المختصرة والميسرة قليلة نسبيًا، مقارنة بالمتون المتوافرة في المذاهب الأخرى.
٤ - الرغبة في خدمة تراث المؤلف، وإبرازه وإظهاره بصورة تجعله متداولًا، سهلًا قريبًا ميسورًا متوافرًا بين يدي الراغبين والباحثين، وذلك أن كثيرًا من تراث المؤلف ﵀ لم ينشر أو يطبع، وهو من المكثرين، فلا شك أن دراسة كتابه يعتبر بحق إضافة جيدة وجديدة للمكتبة الإسلامية وإثراءً لها.
٥ - خدمة مذهب من أقوم المذاهب وأعدلها، ومن أشدها تمسكًا بالأثر في الجملة، وقد قيل: "أحمد مذهب، مذهب أحمد"، وقيل: "مذهب أحمد، مذهب أحمد".
وأحب هنا أن أرقم وأدوِّن بعض المصاعب التي واجهتني خلال بحثي، وهي عديدة، أذكر منها:
(^١) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب: "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين" برقم (٧١)، ومسلم، كتاب الإمارة باب قوله ﷺ: "لا تزال طائفة … " برقم (١٠٣٧).
1 / 13
أولًا: ضعف الحصيلة العلمية والبضاعة المزجاة، التي ينوء بها ظهر راقم هذه السطور، حيث إن بحثًا في الدراسات العليا ينبغي لصاحبه أن يكون على درجة عالية من معرفة أمهات كتب كل فن، مطلعا عليها ومتمرسًا في قراءتها، مما يسهل عليه الوصول للمعلومة واستخراجها من مظانها، وفهم كلام العلماء على وجهه، وغير هذا مما لا أدركه.
ثانيًا: كثرة التنقل والترحال الذي أمرت به بعد الموافقة على موضوع الأطروحة، فأجزاء كثيرة من البحث كتبت في أماكن متعددة، منها ما كتب في جدة بلد المنشأ، ومنها ما كتب في مكة المكرمة، ومنها في المدينة المنورة، ومنها في الطائف، ومنها في الرياض، ومنها في القاهرة، ومنها في الدار البيضاء، ومنها كثير في أكرا، فكان هذا البحث أنيسي وجليسي في أوقات الحضر والسفر، في ردهات المطارات، وعلى كرسي الطائرة. ثالثًا: ظهر أثر التنقل الدائم في صعوبة العثور على المراجع كل حين، مما اضطرني إلى الاستعانة بالشبكة العالمية الإلكترونية مرات عدة.
رابعًا: صعوبة قراءة بعض المفردات التي كتبها المؤلف، حيث أظنه كتب كتابه بالريشة الخشبية والحبر الصيني، وذلك يظهر في عرض الخط وتداخل الأحرف.
خامسًا: صعوبة العثور على ترجمة أكثر اتساعًا ووفاء لحق الشيخ البيومي، أبو عياشة، فلطالما راجعت المكتبة المركزية كرات ومرات، ورجعت بخفي حنين، لقلة من تحدث أو ترجم له.
سادسًا: إغلاق بعض العبارات التي ساقها المؤلف؛ لأنه يجمع بين عباراتي كتابين، مما يجعل عبارته غير مفهومة لأول وهلة.
1 / 14
خطة البحث
وتشتمل الرسالة على فصلين:
• الفصل الأول: قسم الدراسة، ويتفرع منه أربعة مباحث:
• المبحث الأول: التعريف بالإمام أحمد ﵀ وبمذهبه الفقهي، ويشتمل على مطلبين:
المطلب الأول: التعريف بالإمام أحمد بن حنبل ﵀، ويشتمل على سبعة فروع:
الفرع الأول: اسم الإمام ونسبه ﵀.
الفرع الثاني: ولادة الإمام ونشأته ﵀.
الفرع الثالث: رحلات الإمام وطلبه للعلم ﵀.
الفرع الرابع: مؤلفات الإمام ﵀.
الفرع الخامس: شيوخ الإمام وتلامذته ﵀.
الفرع السادس: محنة الإمام ﵀.
الفرع السابع: وفاة الإمام ﵀.
المطلب الثاني: التعريف بمذهب الإمام أحمد ﵀، ويشتمل على ستة فروع:
الفرع الأول: المراد بالمذهب.
1 / 15
الفرع الثاني: أطوار المذهب.
الفرع الثالث: أصول المذهب.
الفرع الرابع: مميزات المذهب.
الفرع الخامس: مصطلحات الفقه الحنبلي.
الفرع السادس: كتب المذهب المعتمدة.
• المبحث الثاني: التعريف بالمؤلف ﵀، ويشتمل على ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: ذكر نبذة عن حياته الشخصية، ويشتمل على ثلاثة فروع:
الفرع الأول: اسمه ونسبه ﵀.
الفرع الثاني: مولده ﵀ زمانًا ومكانًا.
الفرع الثالث: مناقب أسرته ﵀.
المطلب الثاني: مكانته العلمية، وثناء العلماء عليه ﵀.
المطلب الثالث: حياته العملية وأعماله ومؤلفاته.
المبحث الثالث: دراسة عصر المؤلف، ويشتمل على أربعة مطالب:
المطلب الأول: الحالة السياسية لعصر المؤلف.
المطلب الثاني: الحالة الثقافية والتعليمية لعصر المؤلف.
المطلب الثالث: الحالة الاقتصادية لعصر المؤلف.
المطلب الرابع: الحالة الحضارية والفنية في عصر المؤلف.
المبحث الرابع: التعريف بالكتاب، وفيه ستة مطالب:
المطلب الأول: توثيق الكتاب.
المطلب الثاني: أهمية الكتاب.
1 / 16
المطلب الثالث: مصطلحات الكتاب.
المطلب الرابع: منهج الكتاب.
المطلب الخامس: مصادر الكتاب.
المطلب السادس: تقييم الكتاب.
• الفصل الثاني: قسم التحقيق، ويتفرع منه أربعة مباحث:
المبحث الأول: وصف نسخ المخطوط.
المبحث الثاني: منهج التحقيق وبيان مفرداته.
المبحث الثالث: تحقيق المخطوط.
المبحث الرابع: الفهارس.
1 / 17
الفصل الأول قسم الدراسة
ويشتمل على أربعة مباحث:
المبحث الأول: التعريف بالإمام أحمد ﵀ وبمذهبه الفقهي.
المبحث الثاني: التعريف بالمؤلف ﵀.
المبحث الثالث: دراسة عصر المؤلف.
المبحث الرابع: التعريف بالكتاب.
1 / 19
المبحث الأول التعريف بالإمام أحمد ﵀ وبمذهبه الفقهي
ويشتمل على مطلبين:
المطلب الأول: التعريف بالإمام أحمد ﵀.
المطلب الثاني: التعريف بمذهب الإمام أحمد ﵀.
1 / 21
المطلب الأول: التعريف بالإمام أحمد ﵀ (^١)
ويشتمل على سبعة فروع:
الفرع الأول: في ذكر اسم الإمام ونسبه ﵀:
هو: أبو عبد الله، أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد، ويتصل نسبه إلى مازن بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة، وينتهي إلى: ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان.
الفرع الثاني: في ذكر ولادة الأمام ونشأته ﵀:
توفي والد الإمام أحمد في الثلاثين من عمره، فانتقلت أمه من خراسان إلى بغداد، وكان الانتقال خيرًا على أمه وأمته؛ فولد ونشأ بها، يقول الإمام أحمد كما روى ابنه عبد الله: "قدمت بي أمي حمْلًا من خراسان، وولدتُ سنة ١٦٤ هـ".
وأفادت الروايات أن ميلاده كان في العشرين من شهر ربيع الأول عام (١٦٤) للهجرة، وأن مولده كان في بغداد.
(^١) انظر: سيرة الإمام ﵀ في المدخل المفصل لبكر أبو زيد (١٥٠)، والمنهج الأحمد للعليمي (١/ ٥١)، وطبقات الحنابلة للفراء أبي يعلى (١/ ٤)، وسير أعلام النبلاء للذهبي (١١/ ١٧٧)، وانظر: منتدى الأصلين، وملتقى المذاهب الفقهية، على الشبكة العالمية الإلكترونية.
1 / 23
الفرع الثالث: رحلات الإمام، وطلبه للعلم ﵀:
تربى الإمام أحمد على يد امرأة صالحة، ألا وهي أمه الكريمة التي آثرت البقاء عليه والتفرغ له، فأعقبها الله ﷻ بأن جعل ابنها ووحيدها فريد عصره، وأخلد ذكره إلى يوم النشور!
قدمت به أمه دار السلام بغداد، وكانت آنذاك بلد العلم والعلماء، وكان أول شأنه أن بدأ بطلب علم الحديث، وكان أول سماعه من هُشيم بن بشير الواسطي، ولازمه حتى توفي سنة ١٨٣ هـ، وكان أول من كتب أحمدُ عنه الحديثَ: هو أبو يوسف!
يعد الإمام أحمد أول من اشتهر بالرحلات في طلب الحديث، فقد رحل من بغداد إلى الكوفة والبصرة، وإلى عبادان، وإلى الجزيرة، وإلى واسط، وإلى الحرمين الشريفين: مكة والمدينة، ورحل ماشيًا إلى صنعاء اليمن، وإلى طرسوس مرابطًا وغازيًا، وإلى الشام وربما منعه من السفر خوف والدته وقلة ذات يده، وأول سفره كان إلى الكوفة بعد وفاة شيخه هُشيم، وأخذ العلم عن وكيع، ثم عاد إلى أمه بسبب حمى أصابته!
وأخذ في طريقه إلى مكة لأداء فريضة الحج عن يزيد بن هارون، وفي الحجاز أخذ عن ابن عيينة والشافعي، وأخذ عن عبد الرزاق بن همام محدث اليمن، وعن إبراهيم بن عقيل.
كان لأحمد بن حنبل شيوخ كثر، منهم في المسند ما يزيد عن ٢٨٥ شيخًا كما ذكر الذهبي ﵀.
الفرع الرابع: مؤلفات الإمام ﵀:
للإمام رحمه مؤلفات في فنون متنوعة، وينقسم الفرع إلى ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: ما صنفه الإمام في غير علمي الفقه والأصول:
مثل:
1 / 24
١ - كتاب المسند: وجمع فيه ٣٠ ألف حديث.
٢ - كتاب الزهد.
٣ - كتاب فضائل الصحابة.
٤ - كتاب التاريخ.
٥ - كتاب الرد على الجهمية والزنادقة.
المسألة الثانية: ما ألفه الإمام في علمي الفقه والأصول:
١ - رسالة في المسيء صلاته.
٢ - كتاب الأشربة.
٣ - كتاب المناسك الكبير.
٤ - كتاب المناسك الصغير.
٥ - كتاب الناسخ والمنسوخ.
٦ - كتاب الفرائض.
٧ - رسالة في الرد على من يزعم الاستغناء بظاهر القرآن عن تفسير سنة رسول الله ﷺ.
٨ - كتاب في طاعة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
المسألة الثالثة أوسع هذه الفنون وهي المسائل التي رويت عنه: "مسائل الإمام أحمد":
وهي عبارة عن أكثر من ستين ألف مسألة سئل عنها الإمام وجمعت في ٢٠ مجلدًا ومن أشهر الذين رووا عنه هذه المسائل:
١ - أبو بكر المروزي (ت ٢٧٥ هـ): كان من ملازميه، وخاصة تلاميذه.
٢، ٣ - أبناؤه: عبد الله وصالح.
1 / 25
٤ - أبو داود السجستاني، سليمان بن الأشعث (٢٥٢ - ٢٧٥)، صاحب السنن.
وغيرهم ممن سيأتي ذكرهم إن شاء الله تعالى.
الفرع الخامس: شيوخ الإمام وتلامذته ﵀:
للإمام أحمد ﵀ شيوخ كثر، منهم: هُشيم، ووكيع بن الجراح، ويزيد بن هارون، وسفيان بن عيينة، والإمام الشافعي، عبد الرزاق بن همام محدث اليمن، وإبراهيم بن عقيل.
وقد بلغ شيوخه في المسند إلى ما يزيد عن ٢٨٥ شيخًا كما ذكر الذهبي ﵀ في السير.
وللإمام ﵀ تلاميذ كثيرون، وفيما يلي ذكر أخص الأصحاب ونقلة فقهه، منهم:
١ - صالح ابن الإمام أحمد، وهو أكبر أولاد الإمام، تلقى العلم عن أبيه وغيره، توفي في ٢٦٦ هـ.
٢ - عبد الله ابن الإمام أحمد، اشتغل برواية الحديث عن أبيه، توفي سنة ٢٩٠ هـ.
٣ - أبو بكر أحمد بن محمد بن هانئ الخراساني البغدادي، الشهير بالأثرم، كان من الفقهاء الأعلام، توفي سنة ٢٧٣ هـ.
٤ - حرب بن إسماعيل الحنظلي الكرماني، أخذ عن الإمام فقهًا كثيرًا، توفي سنة ٢٨٠ هـ.
٥ - أبو بكر أحمد بن محمد بن الحجاج المروزي، هو الذي تولى تغسيل الإمام، وكان أخص أصحاب الإمام، وإمامًا في الفقه والحديث، توفي سنة ٢٧٤ هـ.
٦ - أيوب بن إسحاق بن إبراهيم نقل روايات عن الإمام لا توجد إلا من طريقه.
1 / 26
٧ - وسليمان بن الأشعث السجستاني أبو داود، صاحب السنن، المتوفى سنة ٢٧٥ هـ.
الفرع السادس: محنة الإمام ﵀:
القول بخلق القرآن فتنة عمياء جرّت على الأمة الوبال، حيث كانت ضريبة لإخضاع النص للعقل، لا العقل للنص، والعقل يحركه الهوى، والهوى لا عاصم له! ولما توفي هارون الرشيد سنة ١٩٣ للهجرة، وتولى المأمون الخلافة خرجت هذه الفتنة إلى حيز التطبيق، حتى عظمت واشتد عودها في زمن المعتصم، إلى أن بلغت الواثق بن المعتصم.
لم تكن هذه الفتنة في عهد هارون إلا في مجال الدراسة والمناظرة مع خوف شديد من هارون الرشيد، لذا لم يجرؤ رؤوس الضلال على نشر أفكارهم، فكبتوا مقالاتهم، وكفوا ألسنتهم.
فلما تولى المأمون سابع خلفاء بني العباس وهو تلميذ لأبي الهذيل العلاف المعتزلي، وسعى في نشر الفلسفة، وتوغل الفرس في خلافته، وكانوا له بطانة! فتشبعت نفسه بالاعتزال، وقرب رؤوس الضلال ومنهم: ثمامة بن الأشرس، والجاهل أحمد بن أبي دؤاد، ولم يجرؤ المأمون إذ ذاك على مراغمة الناس لوجود شيخ أهل السنة في زمانه، والذي كان له هيبة ومكانة عند العامة والخاصة: يزيد بن هارون، فلما مات يزيد بن هارون وخرج المأمون إلى طرسوس، وتردت حالته دعاه المشؤوم أحمد بن أبي دؤاد على حمل الناس عليها، وإرغامهم على ذلك! فقبل المأمون وكانت آخر أعماله نعوذ بالله من سوء الختام؛ فكان على هذا الفتنة ثلاثة نفر: أحمد بن أبي دؤاد، النافخ في غير هذه الفتنة، والخادم في بغداد صاحب الشرط إسحاق بن إبراهيم الخزاعي. وتلميذ ثمامة بن الأشرس: عمرو بن بحر بن محبوب البصري الكناني المعتزلي المشهور بالجاحظ.
وكان المأمون يبعث بالرسائل التي يأمر فيها بإحياء هذا المذهب، وهو في طرسوس حتى بلغت خمس رسائل، الأولى فيها دعوة العلماء إلى مراكز
1 / 27
الشرط ببغداد وأخذ أقوالهم، ثم بعث الجواب إليه! خاصة من كان من أصحاب المناصب، والذي لم يقل بالخلق يعزل من فوره! والثانية فيها طلب إرسال سبعة من المحدثين إليه، وتحت التهديد أجابوا مكرهين! وغضب عليهم الإمام أحمد وقال: هم أول من ثلم هذه الثلمة! لأنهم أجابوا، وهم عيون البلد، فاجتُرِء على غيرهم.
وبعد الإجابة تغيرت الطريقة، وبدأت شدة اللهجة تظهر في الرسائل، وأن من لم يجب فعقوبته الحبس، وأمر بإحضار علماء بغداد، وامتحانهم على ذلك، فلم يجب أربعة منهم، وهم: أحمد بن حنبل، ومحمد بن نوح، وعبيد الله بن عمر القواريري، والحسن بن حماد، ثم أجاب الأخيران بعد تقية، وأصر أحمد ومحمد على الحق وأن كلام الله غير مخلوق! فحبسا وقيدا وحملا على جملين، وبعث بهما إلى المأمون في طرسوس، وكان الإمام أحمد يسأل الله تعالى أن لا يرى المأمون، وقد بلغه أن المأمون يحد سيفه! فمات المأمون وهما في الطريق إليه سنة ٢١٨ للهجرة، فأعيدا إلى بغداد، وفي الطريق توفي محمد بن نوح في مكان اسمه: عانات. فحل قيده وغسله أحمد وصلى عليه، وذهب بأحمد إلى السجن!
ولما أحس المأمون بدنو أجله كانت وصيته لأخيه المعتصم الخليفة بعده، أن يواصل أمر المحنة وحمل الناس عليها!
ولما تولى المعتصم الخلافة كان على النقيض، فلم يكن من أهل العلم والمعرفة إنما كان رجلًا عسكريًا، مرّت به كلمة الكلأ فلم يعرف معناها لا هو ولا وزراؤه فقال:
لا حول ولا قوة إلا بالله: خليفة أميّ، ووزير عاميّ.
وفي عهد المعتصم ضرب الإمام أحمد بالسياط حتى سقط، فإذا أفاق لُعن وسُب وشُتم، وسُحب على وجهه، وخلعت يداه حيث شدتا في خشبتين حتى انخلعتا! وهو مقيد في كل هذه الأحوال بل إنه كان في صيام.
1 / 28
وكانت أقوى حجة دامغة عليهم في نقطتين:
هل علم النبي ﷺ وأصحابه أن كلام الله مخلوق.
فإن كان الجواب بنعم، ألم يسعك ما يسعهم؟!
وإن كان الجواب بلا، فمن أنت حتى تؤتى من العلم ما لم يؤت نبينا ﷺ ولا أصحابه؟!
واستمرت هذه الحال ثمانية وعشرين شهرًا، والمعتصم يقول لأحمد: لولا أني وجدتك في يد من كان قبلي ما عرضت لك، ويريد أن يخلي سبيله، وابن أبي دؤاد يصرفه عما يريد، ويهول عليه سوء العاقبة إن أطلقه وخلّى سبيله.
ومن عجيب خلق الإمام وسمو نفسه إعلانه العفو عن كل من آذاه، وأنه في حل إلا صاحب بدعة، وجعل المعتصم في حل يوم فتح بابل وعمورية!
ثم توفي المعتصم سنة ٢٢٧ للهجرة وتولى بعده ابنه الواثق فلم يستطع أن يعاود الكرة مرة أخرى لكنه أرسل إلى عامله إسحاق ينهى فيه الإمام أحمد عن مساكنته وليذهب حيث شاء!، وابتلى غير أحمد من الأئمة العلماء، وذبح أحمد بن نصر الخزاعي، وقيل: إنه تاب من هذا القول قبل موته، فلما ولي المتوكل الخلافة رفع الله به المحنة وأظهر السنة، وأفل نجم التجهم والاعتزال، وكتب بذلك إلى الآفاق سنة ٢٣٤ للهجرة وكانت له مع أحمد الأخبار الحسان والتي يظهر فيها إكرام العالم وورع الإمام، وتقدير العالم، وإجلال أهل الديانة والمعروف، حكى ابن الجوزي ﵀ أن الإمام أحمد بن حنبل قيل له أيام المحنة: يا أبا عبد الله! ألا ترى الحق كيف ظهر عليه الباطل؟! فقال: كلا. إن ظهور الباطل على الحق أن تنتقل القلوب من الهدى إلى الضلالة، وقلوبنا بعد لازمة للحق.
الفرع السابع: وفاة الإمام ﵀:
بعد أفول هذه الفتنة، والتي ذاق الإمام أحمد مرارتها سنوات طوال،
1 / 29
على كبر سنه، تفرغ لعبادة ربه فكان يختم القرآن في كل أسبوع مرتين، مرة في الليل وأخرى في النهار! وازداد زهده في الدنيا حتى قال: إنما هو طعام دون طعام، ولباس دون لباس، وأيام قلائل!
ولما مرض الإمام بعث إليه المتوكل بابن ماسويه المتطبب، ليصف له الأدوية فلا يتعالج، فلما طالت المدة قال المتوكل لابن ماسويه: ويحك، ابن حنبل ما نجح فيه الدواء؟! فقال له: يا أمير المؤمنين، إن أحمد بن حنبل ليس به علة في بدنه، إنما هذا من قلة الطعام وكثرة الصيام والعبادة، فسكت المتوكل.
توفي الإمام محمومًا في بغداد ضحوة يوم الجمعة الثاني عشر من ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين ومائتين للهجرة، وغسل وصلي عليه ودفن يوم وفاته، وكان عمره يوم مات: سبعة وسبعين عامًا وأحد عشر شهرًا واثنتين وعشرين ليلة.
1 / 30