أضواء على السنة المحمدية

الشيخ محمود ابو ريه

--- [ 5 ]

পৃষ্ঠা ১

محمود أبوريه أضواء على السنة المحمدية أو دفاع عن الحديث

الطبعة الخامسة مزيدة محققة

--- [ 6 ]

পৃষ্ঠা ৫

الاهداء

أي ولدي العزيز مصطفى (1) كانت سعادتي في وجودك ، وحياتي تستضئ بنورك ، فلما أفل بدرك ، وغاب عن عيني شخصك ، أطبقت على الدنيا بأحزانها وبأسائها ، وأصبحت غريبا فيها وإن كنت من أبنائها . فإليك يا ولدي العزيز أهدي هذا الكتاب الذي ما قصدت بتأليفه إلا وجه الحق الذي فطرك الله عليه ، وكنت دائما تؤثره وتسكن إليه ، وخدمة العلم الذي أخلصت له نفسك ، وأفنيت فيه عمرك ، وجاهدت حق الجهاد في تحصيله ، وقضيت نحبك في سبيله . وإني والله يا بني لعلى ما عهدت من حب عميق لك لم يظفر بمثله أحد غيرك ، ومكانك من قلبي لا تدنو منه نفس سواك . لئن غبت عن عيني وشط بك النوى * فأنت بقلبي حاضر وقريب خيالك في وهمي ، وذكرك في فمي * ومثواك في قلبي فأين تغيب ؟ أما الاسى لك ، والحزن عليك ، فلا ينال منهما مرور الايام ، ولا يخففهما تطاول الاعوام ، إذ لا صبر عليك ولا سلوان عنك . كيف أرجو شفاء ما بي ، وما بي * دون سكناي في ثراك شفاء شطر نفسي دفنت ، والشطر باق * يتمنى ! ومن مناه الفناء القاهرة - الجيزة محمود أبوريه

---

(1) هو ولدي العزيز مصطفى صادق ، ترقبه القضاء وهو يتهيأ للخروج إلى الحياة بعد إتمام دراسته الهندسية الكهربائية بجامعة القاهرة فعاجله بسهم مسوم نفذ إلى (صدره) فتلقته مصحة حلوان ليعاني فيها برحاء المرض ، ويتلوى من غرز الابر ثلاث سنين سويا ، ثم فاضت روحه إل بارئها ، وكان ذلك في فجر يوم الخميس غرة رمضان سنة 1359 - 3 أكتوبر سنة 1940 ولما يتجاوز الثانية والعشرين من عمره ، ولم يدعني القضاء أتجرع الفجيعة التي قصمت ظهري فثنى بسهم آخر أصاب (كبد) أمه بعد أن ابيضت من الحزن عليه إحدى عينيها ، فخرت صريعة بيني وبين أولادها . وقد أضرحت لها مع عزيزها لتأنس به ويأنس بها . وغادراني بعدهما في حزن مقيم وعذاب أليم ، إلى أن يلحقني الله بهما . (*)

--- [ 7 ]

পৃষ্ঠা ৬

كلمة نصير الفكر والدين والعلم العلامة الدكتور طه حسين

" ولا بأس عليه من هذه الهنات التي أشرت إلى بعضها فالذين يبرءون من النقص والتقصير أو الهفوات أحيانا لا يكادون يوجدون " أضواء على السنة المحمدية جهد وعبء ثقيل لا يقوم به في هذه الايام إلا القليلون هذا كتاب بذل فيه مؤلفه من الجهد ما لا يبذل مثله إلا الاقلون الذين يمكن إحصاؤهم في هذه الايام التي انتشر فيها الكسل العقلي ، وعم فيها إيثار الراحة والعافية على الجد والمشقة والعناء . والذين يقرءون هذا الكتاب قراءة المتدبر المستأنى سيلاحظون مقدار هذا الجهد العنيف الذى مكن المؤلف من أن يصبر نفسه السنين الطوال على قراءة طائفة ضخمة من الكتب التي لا يكاد الباحثون يطيلون النظر فيها لكثرة ما يتعرضون له من كثرة الاسانيد وتكرارها وتعدد الروايات واضطرابها وإعادة الخبر الواحد مرات كثيرة في مواطن مختلفة . وأقل ما يوصف به النظر في هذه الكتب أنه يعرض صاحبه لكثير من الملل والضيق ، فليس قليلا أن يأخذ الانسان نفسه بقراءة المعروف من كتب السنة والموازنة بين ما روى فيها من الحديث في النص وفي الاسانيد التي روى بها هذا النص والبحث بعد ذلك عن الرجال الذين تتألف منهم هذه الاسانيد في الكتب المخصصة لذلك . * * * ويكفي أن نذكر أن المؤلف قرأ كتاب الموطأ لمالك رحمه الله وصحيح البخاري وصحيح مسلم وسنن أبي داوود وكتاب الترمذي ، وكتاب ابن ماجة ومسند أحمد ابن حنبل ، ونظر مع ذلك في شروح طوال لبعض هذه الكتب وفي كتب كثيرة

--- [ 8 ]

পৃষ্ঠা ৭

أحرى منها الطوال ومنها القصار كتبت في تفسير نصوص الحديث وفي رجال الاسانيد وفي سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وفي الطبقات . وهو قد أثبت أسماء الكتب التي قرأها والتي أطال النظر فيها أو رجع إليها في كتابه في آخر الكتاب ، ويكفي أن تنظر إلى هذه الاسماء لتعرف مقدار ما أخذ المؤلف نفسه من الصبر والاناة والتعمق لما قرأ . فهذا وحده يدل على جهد عنيف وعبء ثقيل لا ينهض بهما في هذه الايام إلا الاقلون جدا كما قلت آنفا . وهذه هي المزية الاولى التي تسجل لمؤلف هذا الكتاب ، وقد قرأته مرتين ، وأشهد أنه قد ذكر في أثناء كتابه كل الكتب التي أثبتها أو أشار إليها . وإذا كانت لهذا دلالة فهو يدل على أنه لم يبالغ ولم يتكثر حين أثبت هذه الكتب في مراجعه وإنما انتفع بها جميعا أدق الانتفاع وأقواه . وموضوع الكتاب خطير حقا وقيم حقا لا يقف الناس عنده في هذه الايام وإنما يشفقون منه أشد الاشفاق يخافون أن تزل أقلامهم أو أن يثيروا سخط المحافظين الذين قرروا أن هذا النحو من العلم قد أصبح شيئا مقدسا أو كالمقدس لا ينبغي التعرض له إلا بالنقل والاستشهاد . فأما النقد والتعمق وإصدار الاحكام فأشياء لا يستقيم الخوض فيها لاحد . فقد أضاف المؤلف إذن إلى مزية الصبر والاناة وأخذ النفس بالعنف في سبيل البحث والاستقراء مزية أخرى وهي الشجاعة على البحث عن الحق والجهر به متى اطمأن إليه عقله لا يخاف في ذلك لوما ولا اعتراضا . وإنما هو مستعد للجدال عن آرائه والنضال عما استقر في نفسه أنه الحق . * * * الموضوع إذن خطير قيم وهو نقد ما وصل إلينا من الحديث الذي يحمل عن النبي صلى الله عليه وسلم وتمييز الصحيح من غيره ليطمئن المسلمون إلى ما يروى لهم عن رسول الله . وقد ألح المؤلف في تبيين أشياء تحمل على النبي وليست من كلامه في شئ وإنما دست عليه لاغراض مختلفة بعضها دسه جماعة من اليهود أظهروا الاسلام والورع واخترعوا أشياء من عند أنفسهم أضافوا بعضها إلى النبي

--- [ 9 ]

পৃষ্ঠা ৮

وأضافوا بعضها إلى التوراة . وليست هي من كلام النبي ولا من التوراة في شئ . وبعضها دس أثناء الوعظ والقصص أريد بها دعوة الناس إلى الفضائل وحب الخير واجتناب الآثام فرغبوا ورهبوا ولم يتحرجوا من إضافة أشياء إلى النبي يرون أن الناس يتأثرون بها أكثر مما يتأثرون بكلام الوعاظ والقصاص . وأشياء أخرى دست تملقا للخلفاء ورجال الحكم والتماسا للحظوة عندهم ، وأشياء أخرى اخترعها المختصمون في الكلام والفقه دفاعا عن آرائهم في هذين النوعين من العلم ، وأشياء دست لنشر الدعوة لبعض الاحزاب السياسية في العصور الاولى . ذلك إلى أفراد من الناس أكثروا من اختراع الحديث ليلقوا في روع العامة وبعض الخاصة أنهم أصحاب علم غزير ومعرفة دقيقة بأقوال النبي وأعماله . وكان لهذا كله أثر اي أثر في إفساد العقول والانحراف بآراء كثير من الناس عن الاستقامة في فهم الدين وتصور النبي كما ينبغي أن يتصوره المسلمون منزها عن هذا السخف الكثير الذى حمل عليه وهو منه برئ . (وكان هذا أيضا مطمعا لكثير من خصوم الاسلام وأعدائه في نقد الدين والتحامل عليه وعلى الرسول الذي جاء به ظلما وبهتانا) . * * * وقد فطن المحدثون القدماء لهذا كله واجتهدوا ما استطاعوا في التماس الصحيح من الحديث وتنقيته من كذب الكذابين وتكلف المتكلفين ، وكانت طريقتهم في هذا الاجتهاد إنما هي الدرس لحياة الرجال الذين نقلوا الحديث جيلا بعد جيل حتى تم تدوينه . فكانوا يتتبعون كل واحد من هؤلاء الرجال ويتحققون من أنه كان نقي السيرة صادق الايمان بالله ورسوله شديد الحرص على الصدق في حديثه كله وفي حديثه عن النبي خاصة . وهو جهد محمود خصب بذله المتقنون من علماء الحديث وأخلصوا فيه ما وجدوا إلى الاخلاص سبيلا . ولكن هذا الجهد على شدته وخصبه لم يكن كافيا ، فمن أعسر الاشياء وأشدها تعقيدا أن تتبع حياة الناس بالبحث والفحص والتنقيب عن دقائقها ، فمن الممكن أن تبحث وتفحص وتنقب دون أن تصل إلى حقائق الناس ودقائق أسرارهم وما تضمر قلوبهم في أعماقها وما يمعنون في الاستخفاء به من ألوان الضعف في نفوسهم وفي سيرتهم أيضا .

--- [ 10 ]

পৃষ্ঠা ৯

ولم يكن بد من أن يضاف إلى هذا الجهد جهد آخر وهو درس النص نفسه ، فقد يكون الرجل صادقا مأمونا في ظاهر أمره بحيث يقبل القضاة شهادته إذا شهد عندهم . ولكن الله وحده هو الذي إختص بعلم السرائر وما تخفيه القلوب أو تستره الضمائر ، وقد يكون الرجال الذين روى عنهم حديثه صادقين مأمونين مثله يقبل القضاة شهادتهم إن شهدوا عندهم ، ولكن سرائرهم مدخولة تخفي دخائلها على الناس . فلا بد إذن من أن نتعمق نص الحديث الذي يرويه عن أمثاله من العدول لنرى مقدار موافقته للقرآن الذي لا يتطرق إليه الشك ولا يبلغه الريب من أي جهة من جهاته لانه لم يصل إلينا من طريق الرواة أفرادا أو جماعات وإنما تناقلته أجيال الامة الاسلامية مجمعة على نقله في صورته التي نعرفها . وهذه الاجيال لم تنقله بالذاكرة وإنما تناقلته مكتوبا ، كتب في أيام النبي نفسه ، وجمع في خلافة أبي بكر وسجل في المصاحف وأرسل إلى الاقاليم في خلافة عثمان . فاجتمعت فيه الرواية المكتوبة والرواية المحفوظة في الذاكرة وتطابقت كلتا الروايتين دائما فلا معنى للشك في نص من نصوص القرآن لانها وصلت إلينا عن طريق لا يقبل فيها الشك . * * * وكذلك طائفة من أعمال النبي لم ينقلها فرد أو جماعة وإنما تناقلتها الامة الاسلامية كلها جيلا عن جيل كالصلوات الخمس المكتوبة التي أمر الله بها ولم يفصلها ففصلها النبي حين صلى بأصحابه وتناقلتها الامة على نحو ما أداها النبي . وقل مثل ذلك في الزكاة والحج وصيام رمضان الذي فصل الله في القرآن بعض أحكامه وفصلها النبي بصيامه وتعليم أصحابه كيف يصومون ، فإذا وصل إلينا حديث عن النبي فينبغي أن ندرس نص هذا الحديث ونتبين أنه لم يناقض القرآن ولم يناقض ما تواتر من أعمال النبي . . فإن كان فيه مناقضة قليلة أو كثيرة رفضناه واطمأنت قلوبنا إلى رفضه لان النبي إنما كان مفسرا للقرآن ومفصلا للمجمل من أحكامه . وكذلك كانت عائشة رحمها الله تفعل ، فقد نقل إليها أن بعض الصحابة يقولون إن النبي رأى ربه ليلة المعراج ، فقالت لمن نقل إليها ذلك : لقد قف شعري مما قلت . . وقرأت الآية الكريمة " لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار وهو اللطيف الخبير " .

--- [ 11 ]

পৃষ্ঠা ১০

ونقل إليها عن بعض أصحاب النبي أن النبي قال إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه ، فرفضت هذا الحديث ، وقرأت قول الله تعالى : " ولا تزر وازرة وزر أخرى " . وكان الصالحون من أصحاب النبي يتحرجون أشد التحرج من رواية الحديث عن النبي ، وكان عمر رحمه الله يشتد على من أكثر الحديث عن النبي وربما ضربهم بدرته كما فعل عمر مع أبي هريرة وأنذره بالنفى عن المدينة إلى أرض قومه في اليمن إن عاد إلى الحديث . ويروى أن النبي نفسه نهى عن كتابة أقواله وكره أن يكتب المسلمون عنه شيئا غير القرآن . وهذا كله سجله المؤلف في كتابه ولكنه يبتكره من عند نفسه وإنما هو شئ كان المتقنون من علماء المسلمين يقولونه ويذيعونه في كتبهم كما فعل ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وغيرهما . ولكن المحدثين نسوا هذا أو أعرضوا عنه فاختلطت على الناس أمور الحديث وكان فضل المؤلف في إظهارها في هذا العصر ليقرأها الذين يحبون أن يصلح دينهم ويعصم من التخليط الكثير . ولكن المؤلف مع ذلك قد أسرف على نفسه في بعض المواطن ، ولست أريد أن أذكر هذه المواطن كلها تجنبا للاسراف في الاطالة وإنما أكتفى بضرب الامثال . فمنها مثلا هذه المؤامرة التى دبر فيها مقتل عمر بن الخطاب رحمه الله وشارك فيها كعب الاحبار وهو يهودى أسلم أيام عمر . والرواة يحدثوننا بأن كعبا هذا أنبأ عمر بأنه مقتول في ثلاث ليال . فلما سأله عمر عن ذلك زعم أنه يجده في التوراة ، فدهش عمر لان اسمه يذكر في التوراة ، ولكن كعبا أنبأه بأنه لا يجد اسمه في التوراة وإنما يجد صفته . ثم غدا عليه في اليوم الثاني لهذا الحديث . فقال له : بقى يومان . ثم غدا عليه في اليوم الثالث فقال له مضى يومان وبقى يوم : وإنك مقتول من غد . فلما كان الغد في صلاة الصبح أقبل ذلك العبد الاعجمي فطعنه وهو يسوى الصفوف للصلاة ، والمؤلف يؤكد أن عمر إنما قتل نتيجة لمؤامرة دبرها الهرمزان وشارك فيها كعب ويؤكد أن هذه المؤامرة ثابتة لا يشك فيها إلا الجهلاء . وأريد أن أؤكد أنا للمؤلف أنى أنا أحد هؤلاء الجهلاء لانى أشك في هذه المؤامرة أشد الشك وأقواه ولا أراها إلا وهما . فقد قتل ذلك العبد المشئوم نفسه قبل

--- [ 12 ]

পৃষ্ঠা ১১

أن يسأل . وتعجل عبيد الله بن عمر فقتل الهرمزان دون أن يسأل ، وعاش كعب لاحبار هدا سبعة أعوام أو ثمانية دون أن يسأله أحد أو يتهمه أحد بالاشتراك في هذه المؤامرة ، وكان كثيرا ما يدخل على عثمان ، ثم ترك المدينة وذهب إلى حمص فأقام فيها حتى مات سنة إثنتين وثلاثين للهجرة ، فمن أين استطاع المؤلف أن يؤكد وقوع هذه المؤامرة أولا ومشاركة كعب فيها ثانيا مع أن المسلمين قد غضبوا حين تعجل عبيدالله ابن عمر حين قتل الهرمزان جهلا عليه ولم يقدمه إلى الخليفة ولم يقم عليه البينة لانه شارك من قريب أو من بعيد في قتل أبيه . وقد ألح جماعة من المسلمين من أصحاب النبي على عثمان أن يقيم الحد على عبيد الله لانه قتل مسلما دون أن يقاضيه إلى الامام ودون أن يثبت عليه قتل عمر بالبينة . فعفا عنه عثمان مخافة أن يقول الناس قتل عمر أمس ويقتل ابنه اليوم . وعد الثائرون على عثمان هذا العفو أحد أغلاطه ، وكان علي حين تولى الخلافة مزمعا معاقبة عبيد الله على فعلته تلك . ولكنه هرب من علي ولجأ إلى معاوية فعاش في ظله وقتل في موقعة صفين . ولم يسأل عثمان كعبا عن شئ ولم يتهمه أحد بشئ وقد ذهب من المدينة إلى الشام ومعاوية أمير عليها فعاش فيها حتى مات فلم يسأله عن شئ ، فمن أين يأتي هذا التأكيد الذى ألح فيه المؤلف حتى لعن كعبا ولم يكن له ذلك ، فالمعروف من أمر كعب أنه أسلم والمعروف كذلك أن لعن المسلمين غير جائز . ومثل آخر في الصفحة 154 حين زعم أن أبا هريرة رحمه الله لم يصاحب النبي محبة له أو طلبا لما عنده من الدين والهدى وإنما صاحبه على ملء بطنه . كان مسكينا وكان النبي صلى الله عليه وسلم يطعمه . والمؤلف يروى لاثبات ذلك حديثا رواه أحمد بن حنبل ورواه البخاري أيضا ، ولكن مسلما روى هذا الحديث نفسه عن أبى هريرة . ونص الحديث عند مسلم أصرح وأوضح من نصه عند البخاري وابن حنبل فقد كان أبو هريرة يقول فيما روى مسلم أنه كان يخدم النبي على ملء بطنه . وفرق بين من يقول إنه كان يخدم ومن يقول إنه كان يصاحب ، وحسن الظن في هذه المواطن شر من سوئه ، وما أظن أبا هريرة أقبل من اليمن مع من أقبل منها إلى النبي صلى الله عليه وسلم لا ليؤمن به ولا ليأخذ عنه الدين بل ليملا بطنه عنده . هذا إسراف في التأويل وفي إساءة الظن . والمؤلف شديد على أبى هريرة شدة أخشى أن يكون قد أسرف فيها شيئا .

--- [ 13 ]

পৃষ্ঠা ১২

فنحن نعلم أن أبا هريرة كان كثير الحديث عن النبي وأن عمر شدد عليه في ذلك وأن بعض أصحاب النبي أنكروا بعض حديثه وأنه أخذ كثيرا عن كعب الاحبار . وكان المؤلف يستطيع أن يسجل هذا كله تسجيلا موضوعيا كما يقال دون أن يقحم فيه غيظا أو موجدة . فهو لا يكتب قصة ولا يكتب أدبا فيظهر شخصيته بما ركب فيها من الغضب والغيظ والموجدة وإنما يكتب عالما وعالما يتصل بالدين وأخص مزايا العلماء ولا سيما في هذا العصر أنهم ينسون أنفسهم حين يكتبون العلم وأنهم يبحثون ويقررون بعقولهم لا بعواطفهم . فمن الظلم لابي هريرة أن يقال إنه لم يصاحب النبي إلا ليأكل من طعامه . والذى نعلمه أنه أسلم وصلى مع النبي وسمع منه بعض أحاديثه . فليقل فيه المؤلف إنه لم يصاحب النبي إلا ثلاث سنين وقد روى من الحديث أكثر مما روى المهاجرون الذين صحبوا النبي بمكة والمدينة ، وأكثر من الانصار الذين صاحبوا النبي منذ هاجر إلى المدينة حتى آثره الله بجواره . وهذا يكفى للتحفظ والاحتياط بإزاء ما يروى عنه من الحديث . وأخرى أريد أن أثبتها هنا وهي أن المؤلف يقول في حديثه الطويل عن أبى هريرة إنه لحرصه على الاكل ورغبته في الطيبات كان يأكل عند معاوية ويصلى مع على ويقول إن الاكل مع معاوية ادسم أو بعبارة أدق إن المضيرة عند معاوية أدسم ، والمضيرة لون من الحلوى ، وأن الصلاة مع على أفضل . وأريد أن أعرف كيف كان يجتمع لابي هريرة أن يأكل عند معاوية ويصلى مع على وقد كان أحدهما في العراق والآخر في الشام أو أحدهما في المدينة والآخر في الشام إلا أن يكون قد فعل ذلك أثناء الحرب في صفين . وما أحسبه كان يسلم لو فعله أثناء الحرب إذن لاتهمه أحد الفريقين بالنفاق والتجسس . وإنما هذا كلام قيل في بعض الكتب وكان يجب على الاستاذ المؤلف أن يتحقق منه قبل أن يثبته . فهذا أيسر ما يجب على العلماء . وبعد فالمؤلف يطيل في تأكيد ما اتفقت عليه جماعة المسلمين من أن الاحاديث التى يرويها الافراد والآحاد كما يقول المحدثون لا تفيد القطع وإنما تفيد الظن وحده ، ومن أجل ذلك لا يستدل المسلمون بهذه الاحاديث على أصول الدين وعقائده وإنما يستدلون بها أحيانا على الاحكام الفرعية في الفقه وعلى فضائل الاعمال

--- [ 14 ]

পৃষ্ঠা ১৩