আদাব কাতিব

أدب الكاتب - ت: محمد محيي الدين

সম্পাদক

محمد الدالي

প্রকাশক

مؤسسة الرسالة

অঞ্চলগুলি
ইরাক
•
সাম্রাজ্যসমূহ ও যুগসমূহ
ইরাকে খলিফাগণ, ১৩২-৬৫৬ / ৭৪৯-১২৫৮
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
قال أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة رحمه الله تعالى: أما بعد حمد الله بجميع محامده، والثناء عليه بما هو أهله، والصلاة على رسوله المصطفى وآله؛ فإنِّي رأيت أكثر أهل زماننا هذا عن سبيل الأدب ناكبين، ومن اسمه متطيِّرين، ولأهله كارهين: أما النَّاشئ منهم فراغب عن التعليم، والشَّادي تارك للازدياد، والمتأدِّب في عنفوان الشباب ناسٍ أو متناسٍ؛ ليدخل في جملة المجدودين، ويخرج عن جملة المحدودين فالعلماء مغمورون، وبكرَّة الجهل مقموعون حين

1 / 5

خوى نجم الخير، وكسدت سوق البرِّ، وبارت بضائع أهله، وصار العلم عارًا علَى صاحبه، والفضل نقصًا وأموال الملوك وقفًا علَى شهوات النفوس، والجاه الَّذي هو زكاة الشرف يباع بيع الخلق وآضت المروءات في زخارف النَّجد وتشييد البُنيان، ولذَّات النفوس في اصطفاق المزاهر ومعاطاة الندمان. ونبذت الصنائع، وجُهل قدر المعروف، وماتت الخواطر، وسقطت همم النفوس، وزُهد في لسان الصدق وعقد الملكوت فأبعد غايات كاتبنا في كتابته أن يكون حسن الخط قويم الحروف، وأعلى منازل أديبنا أن يقول من الشِّعر أبياتًا في مدح قَيْنَة أو وصف كأس، وأرفع درجات لطيفنا أن يطالع شيئًا من تقويم الكواكب، وينظر في شيء من القضاء وحدِّ المنطق، ثمَّ يعترض علَى كتاب الله بالطعن وهو لا يعرف معناه، وعلى حديث رسول الله ﷺ بالتكذيب وهو لا يدري من نقله، قد رضي عوضًا من الله ومما عنده بأن يقال: فلان لطيف وفلان دقيق النظر يذهب إلى أن لُطف النظر قد أخرجه عن جملة النَّاس وبلغ به علم ما جهلوه؛ فهو يدعوهم الرَّعاع والغُثاء والغُثْر، وهو لعمر الله بهذه الصفات أولى، وهي به أليق؛ لأنه جهل وظنَّ أن قد علم، فهاتان جهالتان؛ ولأن هؤلاء جهلوا وعلموا أنهم

1 / 6

يجهلون. ولو أن هذا المُعجب بنفسه، الزاري على الإسلام برأيه، نظر من جهة النظر لأحياهُ الله بنور الهدى وثَلَجِ اليقين، ولكنه طال عليه أن ينظر في علم الكتاب، وفي أخبار الرسول ﷺ وصحابته، وفي علوم العرب ولغاتها وآدابها، فنَصَبَ لذلك وعاداهُ. وانحرف عنه إلى علم قد سلَّمه ولأمثاله المسلمون، وقلَّ فيه المتناظرون، له ترجمةٌ تروق بلا معنى، واسم يهول بلا جسم؛ فإذا سمع الغُمْرُ والحدَثُ الغِرُّ قوله: الكون والفساد، وسَمْع الكيان، والأسماء المفردة، والكيفية والكمية والزمان والدليل، والأخبار المؤلفة؛ راعه ما سمع، وظن أنَّ تحت هذه الألقاب كلَّ فائدة وكلَّ لطيفة، فإذا طالعها لم يَحْلَ منها بطائل، إنما هو الجوهر يقوم بنفسه، والعَرَضُ لا يقوم بنفسه، ورأس الخط النقطة، والنقطة لا تنقسم، والكلام أربعة: أمر، وخبر، واستخبار، ورغبة؛ ثلاثة لا يدخلها الصدق والكذب، وهي: الأمر، والاستخبار، والرغبة، وواحد يدخله الصدق والكذب وهو الخبر، والآنُ حدُّ الزمانين، مع هذيان كثير، والخير ينقسم إلى تسعة آلاف وكذا وكذا مائة من الوجوه، فإذا أراد المتكلم أن يستعمل بعض تلك الوجوه في

1 / 7

كلامه كانت وَبالًا على لفظه، وقيدًا للسانه، وعيًّا في المحافل، وعُقْلَة عند المتناظرين.
ولقد بلغني أن قومًا من أصحاب الكلام سألوا محمد بن الجَهْم البرمكيَّ أن يذكر لهم مسألة من حد المنطق حسنة لطيفة، فقال لهم: ما معنى قول الحكيم: " أول الفكرة آخر العمل، وأول العمل آخر الفكرة "؟ فسألوه التأويل، فقال لهم: مَثَلُ هذا رجل قال: " إنِّي صانع لنفسي كِنَّا " فوقعت فكرته على السقف، ثمَّ انحدر فعلم أن السقف لا يكون إلا على حائط، وأن الحائط لا يقوم إلا على أُسّ، وأن الأُسَّ لا يقوم إلا على أصل، ثمَّ ابتدأ في العمل بالأصل، ثمَّ بالأسِّ، ثمَّ بالحائط، ثمَّ بالسقف؛ فكان ابتداء تفكره آخر عمله وآخر عمله بدء فكرته؛ فأية منفعةٍ في هذه المسألة؟ وهل يجهل أحد هذا حتى يحتاج إلى إخراجه بهذه الألفاظ الهائلة، وهكذا جميع

1 / 8

ما في هذا الكتاب؛ ولو أن مؤلف حد المنطق بلغ زماننا هذا حتى يسمع دقائق الكلام في الدين والفقه والفرائض والنحو لعدَّ نفسه من البُكْمِ، أو يسمع كلام رسول الله ﷺ وصحابته لأيقن أن للعرب الحكمة وفَصْلَ الخطاب.
فالحمد لله الذي أعاذ الوزير أبا الحسن - أيده الله - من هذه الرذيلة، وأبانه بالفضيلة، وحَبَاه بخيم السلف الصالح، وردَّاه رداء الإيمان، وغشَّاه بنوره، وجعله هُدًى من الضلالات، ومصباحًا في الظلمات، وعرَّفه ما اختلف فيه المختلفون، على سَنَن الكتاب والسُنَّة؛ فقلوب الخيار له مُعْتَلِقةٌ، ونفوسهم إله مائلة، وأيديهم إلى الله فيه مَظانَّ القبول ممتدَّةٌ، وألسنتهم بالدعاء له شافعة: يهجع ويستيقظون، ويغفُل ولا يغفُلون؛ وحُقَّ لمن قام لله مقامه، وصبر على الجهاد صَبْرَهُ، ونوَى فيه نِيَّته، أن يلبسه الله لباس الضمير، ويُرَدِّيه رداء العمل الصالح، ويَصُور إليه مختلفات القلوب، ويُسعده الصدق في الآخرين.
فإني رأيتُ كثيرًا من كُتَّاب أهل زماننا كسائر أهله قد استطابوا الدَّعَة واستوطؤُا مركب العجز، وأعفَوْا أنفسهم من كدِّ النظر وقلوبهم من تعب

1 / 9

التفكر، حين نالوا الدرَك بغير سبب، وبلغوا البِغْية بغير آلةٍ؛ وَلَعمري كان ذاك فأين همةُ النفس؟ وأين الأنَفَةُ من مُجانسة البهائم؟ وأيُّ موقفٍ أخْزَى لصاحبه من موقف رجلٍ من الكتَّاب اصطفاه بعض الخلفاء لنفسه وارتضاه لسرّه، فقرأ عليه يومًا كتابًا وفي الكتاب " ومُطرْنا مطرًا كثُر عنه الكلأ " فقال له الخليفة ممتحنًا له: وما الكلأ؟ فتردَّد في الجواب وتعثّر لسانه، ثم قال: لا أدري، فقال: سَلْ عنه؛ ومن مقام آخر في مثل حاله قرأ على بعض الخلفاء كتابًا ذكر فيه " حاضرُ طيِّء " فصحَّفه تصحيفًا أضحك منه الحاضرين؛ ومن قول آخر في وصف بِرْذَوْنٍ أهداه " وقد بعثتُ به إليك أبيض الظهر والشفتين ". فقيل له لو قلت أرْثَمَ ألْمَظَ، قال: فبياض الظهر ما هو؟

1 / 10

قالوا: لا ندري، قال: إنما جهلتُ من الشفتين ما جهلتم من الظهر؛ ولقد حضرت جماعة من وجوه الكتَّاب والعمال العلماء بتحلّب الفَيْء وقتل النفوس فيه، وإخراب البلاد، والتوفير العائد على السلطان بالخُسْران المبين، وقد دخل عليهم رجل من النَّخَّاسين ومعه جاريةٌ رُدت عليه بسنّ شاغية زائدة، فقال: تبرأتُ إليهم من الشَّغَا فردُّوها عليَّ بالزيادة، فكم في فم الإنسان من سِنٍّ؟ فما كان فيهم أحد عَرَفَ ذلك، حتى أدخل رجل منهم سَبَّابته في فِيهِ يعُدُّ بها عَوَارضه فسال لُعابُه، وضمَّ رجل فاه وجعل يعدّها بلسانه. فهل يَحْسُن بمن ائتمنه السلطان على رعيته وأمواله ورضي بحكمه ونظره أن يجهل هذا في نفسه؟ وهل هو في ذلك إلا بمنزلة مَن جهل عدد أصابعه؟ ولقد جرى في هذا المجلس كلام كثيرٌ في ذكر عيوب الرقيق، فما رأيت أحدًا منهم يعرف فَرْقَ ما بين الوَكَعِ والكَوَعِ، ولا الحَنَفَ من الفَدَع، ولا اللَّمى من اللَّطَع.
فلما أن رأيت هذا الشأن كل يوم إلى نُقصانٍ، وخشيت أن يذهب

1 / 11

رَسْمُه ويعفُوَ أثره؛ جعلت له حظًا من عِنايتي، وجزءًا من تأليفي؛ فعملتُ لمُغْفِل التأديب كُتُبًا خفافًا في المعرفة، وفي تقويم اللسان واليد، يشتمل كلُّ كتاب منها على فن، وأعفيته من التطويل والتثقيل؛ لأنشطه لتحفُّظِه ودراسته إن فاءَتْ به همتهُ وأُقيد عليه بها ما أضلَّ من المعرفة، وأستظهر له بإعداد الآلة لزمان الإدالة أو لقضاء الوَطَر عند تبيّن فَضْل النظر، وألحقه - مع كَلال الحد ويُبْس الطينة - بالمُرْهَفِين، وأدخله - وهو الكَوْدَن - في مِضمار العِتَاق.
وليست كتبنا هذه لمن لم يتعلق من الإنسانية إلا بالجسم، ومن الكتابة إلا بالاسم، ولم يتقدم من الأداة، إلا بالقلم والدواة، ولكنها لمن شَدَا شيئًا من الإعراب: فعرف الصَّدْرَ والمصدر والحال والظرف، وشيئًا من التصاريف والأبنية، وانقلاب الياء عن الواو، والألف عن الياء، وأشباه ذلك.
ولا بد له - مع كتبنا هذه - من النظر في الأشكال لمساحة الأرَضِينَ، حتى يعرف المثلث القائم الزاوية، والمثلث الحادَّ، والمثلث المنفرج، ومساقِطَ الأحجار، والمربَّعات المختلفات، والقِسِي والمدورات، والعَمودَين، ويمتحن معرفته بالعمل في الأرَضِينَ لا في الدفاتر، فإن المَخْبَرَ ليس كالمُعايَنِ؛ وكانت العجم تقول: " من لم يكن عالمًا بإجراء

1 / 12

المياه، وحَفْر فُرَضِ المشارب، ورَدْم المهاوي، ومجاري الأيام في الزيادة والنقص، ودَوَران الشمس، ومطالع النجوم، وحال القمر في استهلاله وأفعاله، ووزن الموازين، وذَرْع المثلث والمربَّع والمختلف الزوايا، ونَصْب القناطر والجسور والدَّوالي والنَّواعير على المياه، وحال أدوات الصُّنَّاع ودقائق الحساب؛ كان ناقصًا في حال كتابته ".
ولا بد له - مع ذلك - من النظر في جُمل الفقه، ومعرفة أصوله: من حديث رسول الله ﷺ وصحابته، كقوله: البيِّنة على المدعي واليمين على المدعى عليه، والخَرَاجُ بالضمان، وجُرْح العَجْماء جُبَار، ولا يَغلقُ الرهنُ، والمنحة مردودة، والعارية مؤدَّاة، والزّعيم غارم، ولا وصية لوارث، ولا قطع في ثَمَر ولا كَثَرٍ، ولا قَوَدَ إلا بحديدة، والمرأة تُعاقلُ الرَّجُل إلى ثُلث الدية، ولا تَعقلُ العاقلةُ عمدًا ولا عبدًا ولا صلحًا ولا اعترافًا، ولا طلاق في إغلاق، والبَيِّعَان بالخيار ما لم يتفرَّقا، والجار أحقُّ بصَقَبه، والطلاقُ بالرجال، والعدَّة بالنساء، وكنهيه في البيوع عن المخابرة والمُحاقلة والمُزابنة والمُعاوَمَة والثُّنْيا، وعن ربح ما لم يُضمن، وبيع ما لم يُقبض،

1 / 13

وعن بَيْعَتَيْن في بَيْعة، وعن شرطين في بيع، وعن بيع وسَلَف، وعن بيع الغَرَر وبيع المُواصفة، وعن الكالئ بالكالئ، وعن تلقِّي الركبان، في أشباه لهذا كثيرة، إذا هو حفظها، وتفهَّم معانيها وتدبَّرها، أغْنَتْه بإذن الله تعالى عن كثير من إطالة الفقهاء.
ولا بدَّ له - مع ذلك - من دراسة أخبار الناس، وتحفّظ عيون الحديث؛ ليدخلها في تضاعيف سطوره متمثلًا إذا كتب، ويَصِلَ بها كلامه إذا حَاوَر.
ومدارُ الأمر عل القُطْب، وهو العقل وجَوْدة القريحة؛ فإن القليل معهما بإذن الله كاف، والكثير من غيرهما مقصِّر.
ونحن نستحبُّ لمن قَبل عنا وائتمَّ بكتبنا أن يؤدِّب نفسه قبل أن يؤدب لسانه، ويهذِّب أخلاقه قبل أن يهذب ألفاظه، ويصونَ مُروءَته عن دناءة الغِيبة، وصِناعته عن شَيْن الكذب، ويجانب - قبل مجانبته اللحنَ وخَطَل القول - شنيع الكلام ورَفَثَ المَزْح.
كان رسول الله

1 / 14